المؤتمر العالمي لرجال الأديان في موسكو
المؤتمر العالمي لرجال الأديان في موسكو

1982

عقد في الفترة الواقعة بين 10-14/أيار/1982م في موسكو المؤتمر العالمي لرجال الأديان، وقد شارك في المؤتمر وفد من الجمهورية العربية السورية برئاسة سماحة الشيخ أحمد كفتارو المفتي العام للجمهورية العربية السورية، وقد ألقى كلمة هذا نصها:
أيها السادة المحترمون : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
قصة السلام في الأديان السماوية تبدأ من إشراق فجر هذه الأديان على الأرض، وهي في الإسلام قضية أصيلة عميقة ترتبط ارتباطاً وثيقاً بنظرة هذا الدين الواعية
والشاملة للكون والحياة والإنسان.
لقد بدأت أولويات تلك النظرة من خلال تكريم الله للإنسان، بتميزه عن بقية المخلوقات بالعقل المتطور وبالإحساس السامي بنعمة الحياة الاجتماعية وضرورتها، وحين شاء الله تعالى أن يحدد لبني الإنسان مسارهم السليم في هذه الدنيا أهبط عليهم وحيه بواسطة أنبيائه عليهم السلام جميعاً، فحملوا إليهم ما فيه صلاحهم في
الدنيا وصلاحهم في الآخرة.
وكان من أبرز ما دعا إليه الرسل والأنبياء تأكيد الأخوة بين الناس عامة، والتحذير من كل ما يُوهن هذه العلاقة الأخوية ويُضعفها.
لقد رد الله تعالى أنساب الناس وأجناسهم إلى أصلٍ واحد، وأن مقتضى وحدة الأصل هذه تآلف الفروع وتعاونها وتعايشها في أمن وسلام، فلا تفاخر ولا استعلاء ولا فضل لشعب على آخر بسبب عنصره أو جنسه أو قوميته.
وإذا كان الله تبارك وتعالى قد جعل الناس شعوباً وقبائل، فإنه لم يجعلهم كذلك ليتشاحنوا ويتحاربوا ويتباغضوا، إنه لم يفعل ذلك من أجل تفضيل شعب على شعب، أو أمة على أخرى، أو عرق على عرق، إنما جعل ذلك وقرنه باختلاف الألسنة والألوان ليكونوا جميعاً بعض آيات قدرته، ومظهراً من آثار رحمته، إلى أن ذلك وسيلة من وسائل التعارف والتسمية، كشأن الأفراد يحمل كل منهم اسماً ليُعرف ويتميز به عن سواه.
أما التفاضل عند الله فهو يقوم على أساس الأعمال ومدى ما يحققه الأفراد والجماعات من الخير المستهدف منها، والمرجو من ورائها، ومن هنا نستطيع أن نتبين المستوى الذي رفع إليه الإسلامُ الإنسانيةَ عن طريق هذا المنهج، ومن منطلق هذا المحور إلى دعوة السلم والسلام وهو مستوى لم ترقَ إليه البشرية في تاريخها، ولم يتحقق لها من قبل؛ لأنه يقوم على إبطال فوارق العناصر والألوان في كل العصور والأزمان.
(يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ) (الحجرات: من الآية13)
أيها السادة: إن دعوة الإسلام سعت دائماً إلى التعارف لا التناكر، والتحابب لا التباغض، والتقارب لا التباعد، دعوة صريحة وأمر يومي، وكل الناس مكلفون دينياً أن يوطدوا دعائم الألفة، ويوثقوا روابط المحبة فيما بينهم.
وبهذه القاعدة الذهبية في العلاقات العامة بين الناس لا يهدف الإسلام إلى حماية المجتمع من أسباب الفرقة والتنافر فحسب، بل ويخلق أيضاً للفضائل والقيم والسلام والمحبة الظروفَ الملائمة لنموها وإشاعتها.
لقد صنع الإسلام للإنسانية الكثير من أجل أن يَعُمَّ السلام على الأرض، بل أكد هذا الدين العظيم أنه بمقدار الولاء لقضية السلم والمسالمة على المستوى العام
والخاص يكون حظ الفرد من الإيمان وثبات قدمه في الإسلام، فعلى المستوى الخاص يقرر الإسلام بشكل واضح أن المسلم الحقيقي من سلم الناس من لسانه
ويده، وعلى المستوى العام الذي يشمل العالم أجمع يقول رسول الإسلام صلى الله عليه وسلم: ((ثلاث من جمعهن فقد جمع الإيمان: الإنصاف من نفسك، وبذل السلام للعالمَ، والإنفاق من الإقتار)).
بل وأكثر من هذا فإن كلمة الإسلام نفسها والتي ترمز إلى دين ينتظم فيه حوالي مليار من البشر قد اشتقت من لفظة السلام، حيث دعا الله عز وجل إليها بقوله:
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً) (البقرة: من الآية208)
وهي دعوة عامة شاملة تقرر أنه من صفات المؤمنين دخولهم في السلم ودعوتهم إلى الإسلام والسلام، وكذلك فإن المتتبع لاستعمال كلمة السلام يجد الكثير من المواطن والحالات التي تُقدّس السلام وتُرشد إليه بشكل واضح، من ذلك وعلى سبيل المثال لا الحصر أن الإسلام جعل السلام اللبنة الأولى والأساس في التعامل
والاجتماع، فتحية المسلمين حين يلتقون ويتقابلون: "السلام عليكم ورحمة الله وبركاته".
وختام صلاة المسلمين: "السلام عليكم" ذات اليمين وذات الشمال، والقرآن الكريم كتاب المسلمين ودستورهم، نزل في ليلة سميت بليلة القدر تحف به ملائكة السلام (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ، لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ، سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ) (القدر:1- 5). وأول ما يلقى الله به عباده بتحية السلام: (تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ) (الأحزاب: من الآية44).
والملائكة يستقبلون العباد الصالحين في الجنة بالسلام: (وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ، سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ) (الرعد: من الآية 23- 24).
وحتى الجنة التي وعد بها المتقون الصالحون الطيبون سميت دار السلام: (لَهُمْ دَارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (الأنعام:127)، (وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ
السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) (يونس:25).
والمسلمون الذين يوحدون ربهم يعرفون –ضمن ما يعرفونه من أمور دينهم- أن السلام اسم من أسماء الله قال تعالى: (هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ ) (الحشر: من الآية 23).
أيها السادة: لقد جاء الإسلام واضحاً جداً في تأكيده لمعاني السلام، عاملاً على نشره واستقراره، داعياً الناس إليه من خلال تقرير مبدأ الإخاء بين الناس، والدعوة إلى نبذ التعصب، وطبع النفوس بروح التسامح الكريم والوفاء بالعهود والمواثيق، محرِّماً الغدر والعدوان بكل صوره، مشيعاً العدل والرحمة واحترام الحقوق، بل لقد أكد
سيدنا محمد الكريم صلى الله عليه وسلم أنه كان في غاية السعادة حينما حضر حلف الفضول لأنه كان وسيلة من وسائل إقرار السلام، ونصرة الضعيف وإغاثة
الملهوف، قال صلى الله عليه وسلم: ((لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفاً ما أُحبُّ أن لي به حمر النَّعَمِ، ولو دعيت إليه في الإسلام لأجبت)).
أما عندما يكون أمراً لا بد منه رداً للعدوان والظلم وانتهاك الحقوق فقد كان هذا القتال وبأمر الدين موثقاً بضرورة الدفاع عن النفس وإرجاع الحقوق ورد الظلم مقيداً
بقوله تعالى: (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) (البقرة:190)، (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا) (الحج: من الآية 39).
والقتال في هذه المثابة محصور في أضيق الحدود، لا يهدف إلى إفناء الناس والجماعات وتدمير المدن والبلاد وقتل الشعوب والآمنين كما تفعله حروب هذا العصر عصر الذرة والصواريخ اليوم، بل يفرض على الناس ألا يجاوزوا في قتالهم مكان المعركة ويدعوهم لأن يكونوا إنسانيين فيقول: "لا تقتلوا امرأة ولا طفلاً ولا تحرقوا زرعاً ولا
نخيلاً ولا تنهبوا ولا تمثلوا واجتنبوا الوجه لا تضربوه".
فإن اعتزل الأعداء وتوقفوا عن القتال فلا مندوحة من قبول السلام الذي يرضونه بإيقافهم العدوان وذلك تنفيذاً لأمر الله سبحانه وتعالى حيث يقول: (فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً) (النساء: من الآية90)
بل إن الله عز وجل قد أمر أمراً واجب الأداء مفروض التنفيذ أنه إذا رغب الأعداء في السلام اتجه المسلمون إليه وذلك بالنص الكريم: (وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا
وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ) (الأنفال: من الآية61)
ومما يجب أن نتدبره ونتأمله -وقد طالبنا القرآن الكريم بضرورة التدبر والتأمل في آياته الكريمة- قوله تعالى: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ) (الأنفال: من الآية60).
المطلوب هنا ومن خلال هذا النص الكريم أن نهيئ كل ما نستطيع من قوة مادية ومعنوية لا لقتال العدو، ولكن لإرهابه وتخويفه أولاً، حتى لا يُشعل للحرب ناراً، ويَفتح للقتال باباً، وبهذا نكون قد فرضنا السلام والحفاظ عليه بقوة السلاح.
أيها السادة: إن تقدير الأديان للسلام والعمل من أجله إنما كان من خلال تربية الإنسان على الإيمان الراسخ المتين الذي يربي في نفوس الناس الخلق الفاضل ومكارم الأخلاق، ومن مكارم الأخلاق يكون العفو والتسامح والمودة ومن هذه الصفات تكون المسافة بين الأطراف، ويكون السلام مشاعاً بين الجميع قال تعالى: (
وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ) (النور: من الآية22)
وقال تعالى: (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (آل عمران:134).
أما رسول الله صلى الله عليه وسلم فروي عنه قوله في هذا الصدد وفي ظل مكارم الأخلاق التي تدعو إلى المسالمة والمحبة: ((رأس العقل بعد الدين التودد إلى
الناس واصطناع الخير إلى كل بر وفاجر)) وقوله: ((إن من موجبات المغفرة بذل السلام وحسن الكلام)) وقوله: (( إن الله يحب السهل الطلق)).
حتى ولو كان المعروف في غير أهله فإن على المسلم أن يفعله استجابة لما رُوي من قول رسول الله: ((واصنع المعروف إلى من هو أهله وإلى غير أهله فإن أصبت
أهله أصبت أهله وإن لم تصب أهله كنت أنت أهله)).
وما أعظم الوصية من رسول الإسلام لأحد أصحابه واسمه عقبة حيث قال له: ((يا عقبة: ألا أخبرك بأفضل أخلاق أهل الدنيا والآخرة: تصل من قطعك وتعطي من
حرمك وتعفو عمن ظلمك).
أما السيد المسيح عليه السلام وهو رسول مقدس عند المسلمين كما هو سيدنا محمد فإنه يقول في دعوته للسلام وأسبابه: "إني أريد رحمة لا ذبيحة"، ويقول :
"من أراد أن يخاصمك ويأخذ ثوبك فاترك له الرداء أيضاً"، ويقول: "طوبى للودعاء لأنهم يرثون الأرض"، ويقول: "طوبى للرحماء لأنهم يرحمون"، ويقول: "طوبى لصانعي
السلام لأنهم أحباب الله يُدعَون".
أيها السادة: هذه دعوة الأنبياء جميعاً ودعوة كل من يريد سعادة الإنسان وهناء البشرية، وإذن فإقرار السلام بين البشر على اختلاف تجمعاتهم ومواطنهم، والتعاون على نشر الخير وبذله للجميع أضحى العمل له واجباً عالمياً على كل رجال الدين والعلم وأصحاب العقول الراجحة في العالم.
إن ما تعاني منه البشرية اليوم وما ستؤدي إليه الحروب من دمار وخراب وهدم وقتل إن هذا يستوجب أن نكون جميعاً يداً واحدةً في الابتعاد عن الحرب والدعوة إلى
السلام، بل وفي مجابهة كل ما يوقد الحرب ويعيق السلام.
أيها السادة: إن الأديان جميعاً في جوهرها ومبادئها السماوية تستبعد الحروب التي تثيرها العنصرية والتمايز بين البشر لأن الناس جميعاً خلقوا من نفس واحدة وتستبعد الحروب التي تثيرها المطامع والمنافع (حروب الاستعمار والاستغلال والاستيلاء على الأسواق والخامات واستنزاف المرافق والرجال)، إن أدياننا السماوية
توجب علينا جميعاً الوقوف صفاً واحداً ضد الحروب التي تثيرها دعاوى الأمجاد الزائفة، وتسوق إليها الأطماع المسعورة في استلاب خيرات ومقومات الشعوب الأخرى.
إن السلام في دعوة الأديان لا يبدأ في مجال السلام الدولي فتلك نهاية المرحلة لا بدايتها، إن السلام يبدأ في حيز الفرد ثم في محيط الأسرة ثم في وسط الجماعة، وأخيراً في الميدان الدولي بين الأمم والشعوب، بل لقد زاد الإسلام على دعوة السلام دعوته للأخوة والتآخي والرحمة والإحسان بين البشر أجمعين مؤكداً:
((الخلق كلهم عيال الله فأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله)).
أما ما يثيره أعداء الشعوب اليوم من مستعمرين ومستغلين وما يصطنعونه من بؤر للتوتر في العالم مع تكديسهم للقنابل النووية والنيترونية والصواريخ التي تحمل
الموت والهلاك إن هذا لا يجلب إلا البؤس والشقاء ليس لجيلنا فحسب بل لأبنائنا وأحفادنا ولأجيال البشرية القادمة.
إن المؤتمرات وحدها لا تكفي، وإن رجال الدين وحدهم لا يملكون كل شيء، لا بد من تعاون مخلص حر بين الجميع على ضوء الدين والعقل والعلم، وإذا لم يكن العمل سريعاً مخلصاً وجاداً في هذا الميدان فلن يبقى مسجد ولا كنيس ولا كنيسة، بل ولا شرق ولا غرب، ولا مصانع ولا بيوت، ولا وجود ولا حياة، ولا إنسان ولا حيوان ولا نبات، بل ولعله ولا القرن الواحد والعشرين.
أيها السادة: إن قرارات أكبر المجتمعات الدولية كمجلس الأمن والأمم المتحدة لم تستطع أن تردع الظالم وتوقف المعتدي عند حده كما يحدث الآن في فلسطين
العربية المحتلة إن هذا شيء خطير وعواقبه وخيمة.
إن عالمنا يعيش أزمة أخلاقية وأمراضاً نفسية وفقدان ثقة، بل كلما تقدمت العلوم وكثرت المكتشفَات ازداد قلق الشعوب، ومُلئت القلوب بالرعب والفزع والخوف من
الأسلحة المدمرة التي تتطور يوماً بعد يوم لصالح الشر والدمار، وليس لصالح الأخوة والسلام، إن حضارة اليوم المادية لم تطمئن نفوس الناس في بيوتها ولم تكفكف
دموعهم، بل كل سلاح جديد أضحى إيذاناً بمعركة دامية الحواشي ملغاة الجوانب.
إن حضارة عصرنا ما حققت في واقع الإنسان معاني الإنسانية وفي أرجاء هذا العالم سبل الأخوة والمحبة والسلام. وهذا لا يكون إلا بحضارة ترعى المادة والروح معاً،
ويشترك في صنعها المتحررون من رجال الدين والعلم والسياسة من كل بلد ومن كل دين.
إن التهديد بوسائل التدمير لقتل الإنسان والحياة والتلويح بها بين حين وآخر ليس خروجاً من الأخلاق والوجدان فحسب؛ بل هو خروج من الدين، ومروق من الإيمان،
ومجانبة للإنسانية، وانحراف من القيم.
إن سباق التسلح وخاصة بالأسلحة النووية وأمثالها التي لا تبقي ولا تذر، أمر يجب أن نتعاون جميعاً لإيقافه والوقوف بوجهه؛ لأن الحريق لا يطفئه الزيت والنفط، كما أن العطشان لا يرويه ماء البحر.
أخيراً أيها السادة : لا بد من القول:
1- إن علينا نحن رجال الدين، بما نملكه من سلطة روحية ورصيد ضخم ومكانة أدبية في معابدنا ومدارسنا ولدى حكام بلادنا، إن علينا أن نَحُولَ وبكل الوسائل دون الحرب النووية، وكل الحروب العدوانية، وأن نبذل كل الجهود المخلصة والمستطاعة لدعم السلام العالمي والتآخي بين الشعوب وردع الظلم والعدوان.
2- علينا أن نشكل لجنة دائمة من كل ممثلي الأديان العالمية لمواصلة الكفاح من أجل السلام العالمي.
3- علينا أن نعمل على تأليف لجنة مشتركة من رجال العلم والجامعات ورجال الأديان العالمية لنتعاون وبتنسيق علمي وروحي حتى نبلغ الهدف العالمي المنشود
لإقرار السلام.
4- علينا أن نُلقن أتباعنا من خلال كتب ونشرات نبين فيها تلاقي أديان السماء وما اتفقت عليه من مُثلٍ عليا ومبادئَ ساميةٍ من أجل أخوّة إنسانية عالمية وتعاون على نشر المحبة بين الجميع .
5- علينا أن نصدر بياناً باسم كل الأديان السماوية تعلن فيه تحريم استعمال الأسلحة النووية وأمثالها، وكل الحروب الاستعمارية والاستيطانية والعدوانية، وأن نطالب الحكومات بتسخير وسائل الإعلام من صحف ومجلات ونشرات محلية وعالمية وضمن برامج الإذاعة والتلفزيون لنشر كل ما يتعلق بهذا الموضوع الإنساني الهام وإعلانه على أعلى المستويات الإعلامية.
وختاماً أقدم شكري لغبطة البطريرك بيمن على عظيم دعوته لهذا المؤتمر وما لقيناه من حفاوة وتكريم، مقدراً كل التقدير مع كل الاحترام والشكر للاتحاد السوفيتي
حكومة وشعباً الذي فتح ذراعيه لهذا المؤتمر الهام، راجياً من الله تعالى أن يزداد التعاون بين العلم والإيمان في كل ميادين الحياة بما يعود على الإنسانية بالسعادة
والتقدم والخير والسلام، وعندها لن تكون البشرية علفاً لحرب مدمرة لا هدف لها ولا شرف فيها، والحمد لله رب العالمين والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.


سماحة الشيخ أحمد كفتارو يلقي كلمته في مؤتمر رجال الدين من أجل انقاذ البشرية من الكارثة النووية موسكو


سماحة الشيخ أحمد كفتارو في مؤتمر رجال الأديان من أجل انقاذ االبشرية من الكارثة النووية


سماحة الشيخ أحمد كفتارو يلقي كلمته في مؤتمر رجال الأديان من أجل انقاذ االبشرية من الكارثة النووية