شهر رمضان المبارك والأحداث المعاصرة
شهر رمضان المبارك والأحداث المعاصرة

حوار مع سماحته أجراه مراسل وكالة جريدة الأهرام العربي (جمهورية مصر العربية)

1998-12-20

بسم الله الرحمن الرحيم

السؤال الأول: يأتي شهر رمضان الكريم وقد تجددت المذابح في الجزائر المسلمة، فما هي سبل الخروج من المأزق الجزائري، من الزاوية الإسلامية، خصوصاً أنه يتم الربط بين ما يجري وبين الإسلام والمسلمين؟

الجـواب:

لم يعد يخفى على عقول المنصفين أن إساءات كثيرة يصنعُها مُغرضون ثم يُلقون تَبِعاتها على كاهل الإسلام والمسلمين، ومذابح الجزائر واحدة من هذه الإساءات. فلا الإسلام ولا المسلمون يرضون أن يُذْبح صغير أو تقتل امرأة أو يُراق دم بريء، والذي يجري على أرض الجزائر المسلمة ما هو إلا خطة خبيثة لإضعاف شعب الجزائر، بل للإساءة إلى الإسلام والمسلمين في العالم قاطبة.

ومع هذا فإني أرى تصرفات غير حكيمة من بعض السياسيين، مع فهمٍ قاصر من قِبَل بعض مراهقي الإسلام، وهذا يهيئ جواً مناسباً لدخول المُغرضين وارتكاب جرائمهم المخالفة للدين والإنسانية.

ومن المؤكد أن في الجزائر جماعات إسلامية متطرفة، ولكن وبالمقابل، يجب أن يعلم الجميع أن في الجزائر جماعات إسلامية واعية ومتنورة وحكيمة، وتمارس الدعوة إلى الإسلام بالحكمة والموعظة الحسنة، وهي فاهمة لظروف الجزائر الداخلية والخارجية، وتساهم بشكل إيجابي في بناء مستقبل الجزائر، وتنفتح على كل أبناء الجزائر، وتحاور الجميع، وتستمع للرأي المخالف، وتمارس نشاطاتها بأسلوب الشورى والديمقراطية، دون أن تفرض وصاياها على أحد.

وإنني أقترح لحل المشكلة في الجزائر أن تُشكل لجنة من علماء المسلمين، يتصفون بحكمة عالية. تشارك هذه اللجنة في عقد لقاء بين الحكومة الجزائرية وبين الجماعات الإسلامية التي تمارس الحوار، وتتم مُدارسة الآراء والاقتراحات في جو من الأخوة والحكمة والروية، للعمل على إخراج الجزائر من محنتها نحو المستقبل الزاهر الذي يتسع لكل أبنائها.

السؤال الثاني: جاء رمضان في فصل الشتاء المعروف بليله الطويل، فكيف يقضي المسلم وقته للحصول على حسنات كثيرة، في الوقت الذي تقدم فيه البرامج الفضائية العربية مغريات كثيرة للقضاء على وقت المشاهد؟

الجواب:

قال سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم: ((اغتنم خمساً قبل خمس؛ حياتك قبل موتك، وصحتك قبل سقمك، وفراغك قبل شغلك، وشبابك قبل هرمك، وغناك قبل فقرك)).

ومما يدل عليه هذا التوجيه النبوي، أن الحياة فرصة سانحة سرعان ما تنقضي وأنها صراع بين الحق والباطل، ولابد أن ينتهي الصراع بانتصار الحق، وهذا مرهون بحسن الاستفادة من الوقت في مواجهة التحديات لتحقيق إنجازات تتلاءم مع طبيعة الحياة القائمة على الإبداع والإعجاز والتحديات.

وإذا ما أدركنا أن الإسلام هو الحياة، وأن الحياة عقيدة وجهاد، وأن الجهاد له أبعاد ثلاثة؛ الجهاد الأكبر وهو جهاد النفس الأمارة بالسوء وتسلط الغرائز والشهوات على المدارك العاقلة، والجهاد الكبير وهو جهاد تعلم العلوم النافعة وتعليمها، والجهاد الأصغر وهو جهاد الدفاع عن المقدسات والأوطان.

وقد ورد في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله: ((الشتاء ربيع المؤمن قصر نهاره فصام وطال ليله فقام)).

والله تعالى يقول: {ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً}.

وقال جل وعلا أيضاً: {تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفاً وطمعاً}.

وقال: {يا أيها المزمل ` قم الليل إلا قليلاً ` نصفه أو انقص منه قليلاً ` أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلاً}، وقال: {كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون ` وبالأسحار هم يستغفرون}.

ومن النصوص القرآنية التي تذم الجاهلين والكفار الساهين اللاهين، قوله تعالى: {الذين اتخذوا دينهم لهواً ولعباً وغرتهم الحياة الدنيا فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا وما كانوا بآياتنا يجحدون}.

وفي هذا المجال قال الشاعر:

عجباً لقوم والعدو ببابهم كيف استطاعوا اللهو واللعبا

وإذا ما أدركنا أن العالم الإسلامي يعيش تحت سيطرة المظلة النووية الإسرائيلية، عرفنا مدى الهوان الذي حلّ بنا نتيجة اللهو واللعب والعبث، والهروب من حمل الأمانة وأدائها في ميادين الجهاد والرباط.

ولقد آن الأوان لأن يتحمل كل منا مسؤولياته وواجباته في مواجهة الإعلام السلبي العبثي، الذي يستهلك الأوقات والطاقات والثروات، ويدمر القيم والمجال الروحي للإنسان والمجتمع، ويكرس الضعف فينا، ويعمق هوة التخلف والتردي.

إن حياة المسلم جد واجتهاد، وعمل بالخير، سواء في رمضان أو في غير رمضان، ولا مانع عند الضرورة من الراحة، ولكن يجب أن تكون في غير معصية.

ورمضان هو موسم كبير لعمل الخيرات وجمع الحسنات وبذل الصدقات، وما ينبغي فيه لمسلم أن يضيع وقته الثمين الغالي.

السؤال الثالث: طالبتم كثيراً بقناة تلفزيونية إسلامية، فما مدى الاستجابة لهذا المطلب؟

الجواب: قال تعالى: {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك}.

وقال سبحانه: {الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحداً إلا الله}.

وقال جل وعلا: {إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ويشترون به ثمناً قليلاً أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار ولا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم}.

وقال صلى الله عليه وسلم: ((بلغوا عني ولو آية))، وقال أيضاً: ((نضر الله عبداً سمع مقالتي فوعاها ثم بلغها عني..)).

والإسلام دين البيان والبلاغ المبين لنشر العلوم والفضائل والهدى والنور، وهو الوحيد الذي انفرد بالأذان وهو نوع من الإعلام والبلاغ، وإذا كان العالم يعاني من سيطرة الصهيونية على مقدراته، فإن ذلك بسبب سيطرتها على الإعلام العالمي.

ولقد آن الأوان لأن يتحمل كل منا قسطه من مسؤولية الإعلام والبيان والبلاغ المبين، في مواجهة التحديات المصيرية المتمثلة باتساع رقعة الجهل، والفقر، والجوع، والعطش، والأوبئة المتمثلة بالإيدز، والمخدرات، والجريمة، والعنف، وتلوث البيئة.

وإذا لم نتحمل المسؤولية بأمانة في إصلاح ما يمكن إصلاحه وإنقاذ ما يمكن إنقاذه من عناصر البيئة والحياة؛ فإننا سوف نتعرض للمساءلة والجزاء من رب العالمين، قال تعالى: {وقفوهم إنهم مسئولون}.

وإن ما يدعو للتفاؤل ما نراه من بعض المحاولات الجادة والبناءة في الإعلام العربي والإسلامي، تحت عنوان متعة الإعلام الهادف والملتزم، وهذا أول الغيث والذي هو قطر ثم ينهمر.

وإننا لنرجو لهذا الخير أن ينمو ويتعاظم، ليشمل كل مناحي الحياة وليصل إلى كل قرية وبيت.

وإن من الثابت أن من يعمل بعمل الأنبياء يحشر معهم في عالم الخلود والنعيم المقيم.

قال صلى الله عليه وسلم: ((ألا أخبركم عن الأجود، الله الأجود الأجود، وأنا أجود ولد آدم وأجودكم من بعدي رجل عُلِّمَ علماً فنشر علمه، يبعث يوم القيامة أمة وحده)).

إن المسلمين عامة والعرب خاصة يحتاجون إلى أكثر من قناة فضائية... وما الذي يمنع أن نُوظِّف كل قنواتنا الفضائية لنشر العلوم، والنظام، والأخلاق، والعبادات، واستثمار الوقت، والآداب، وبناء الإنسان وتنمية مواهبه، حتى نتمكن من بناء مستقبل أمتنا وعزتها وازدهارها، أليس الإسلام بجوهره وحقيقته يدعو لذلك؟

إنني أدعو من خلال مجلتكم كل من يملكون بالإمكانات المالية والإعلامية والعلمية والسياسية، إلى العمل في صف واحد لنشر دين الله بحكمة ومحبة.

السؤال الرابع: يبدأ الفصل التشريعي الجديد في سوريا مع قدوم شهر رمضان المبارك، وقد دخله عدد من النواب المعتدلين إسلامياً، فما هو تقديركم للعلاقة بين الإسلام والسياسة في سوريا؟ وهل يجوز للداعية الإسلامي أن يستفيد من قبوله الجماهيري في الترشيح للانتخابات أو التوصية بانتخاب مرشح معين أو أكثر؟

الجـواب:

قال صلى الله عليه وسلم: ((الإسلام والسلطان أخوان توأمان لا يصلح أحدهما بدون الآخر فالإسلام أس والسلطان حارس فما لا أس له يُهدم وما لا حارس له ضائع)).

ونحن في سورية - وبحمد الله - ومنذ عدة عقود؛ نعمل بكل جهد ممكن على رص الصفوف وتوحيد الكلمة والتعاون البنّاء، ونقدم كل جهد صادق مخلص خيّر لمواجهة تحديات العصر انطلاقاً من أمر الله تعالى: {وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان} وقوله: {واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا}.

ولقد باتت سورية مثالاً يـُحـتـذى به في الوحدة الوطنية والعمل الجاد لتحقيق التقدم والازدهار في كل مجالات الحياة.

السؤال الخامس: تساهمون في تدريب العديد من الدعاة من دول آسيا الوسطى، فما هو تقديركم للتطور الإسلامي في هذه الدول؟

الجـواب:

منذ سنوات عديدة يقوم مجمع أبي النور الإسلامي بدعم ومساندة الجهات الرسمية؛ باستقبال أعداد كبيرة من الطلبة من مختلف دول العالم، ومنها آسية الوسطى وقفقاسية، ويقوم المجمع بإعدادهم وتأهيلهم حسب منهج الوسطية والاعتدال جسدياً وروحياً، حسب الآية الكريمة {وكذلك جعلناكم أمةً وسطاً...} وقوله تعالى: {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين} وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الخلق كلهم عيال الله وأحبهم إليه أنفعهم لعياله)).

والإنسان أخو الإنسان، ولقد بدأ الطلبة يعودون إلى بلدانهم ليفتتحوا مساجد ومعاهد ومدارس ودورات، لتعليم علوم اللغة العربية والإسلامية، ونحن نهيب بالأمراء والأغنياء لتقديم كل دعم ممكن، لزيادة وتائر العمل البنَّاء، ورفع معدلات العطاء والإنجاز، لملئ الفراغ الكبير السائد في معظم مجالات الحياة.

السؤال السادس: ما هو تقديركم لما تقوم به حركة طالبان في أفغانستان، وكيف يمكن الخروج من المأزق الأفغاني؟

الجواب:

من المحزن والمؤسف أن ما يجري في العالم الإسلامي من حروب مدمرة، تدمر القيم الإنسانية، وتستنزف موارد وثروات الشعوب الإسلامية، وتشيع الفوضى والمآسي والبؤس والشقاء، وتقدم خدمات جلية لقوى البغي والاستعمار والعدوان، لتشويه صورة الإسلام والمسلمين المشرقة.

ولقد آن الأوان لأن يعمل كل منا في موقعه بكل الصدق، لإيقاف هذا النزيف وتفويت الفرصة على أعداء الإنسانية ومخططاتهم التخريبية، وإن ما يجري من حرب مأساوية بشعة في أفغانستان لا يقبل بها شرع ولا عقل ولا عرف.

قال صلى الله عليه وسلم: ((إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار، قالوا: يا رسول الله، هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: كان حريصاً على قتل صاحبه)).

وإن من الواضح أن هناك قوى مستفيدة من هذه الحرب وهي تتبع سياسة اللاغالب واللا مغلوب، من أجل إطالة زمن الحرب واستنزاف قدرات العالم الإسلامي وتكريس التناقضات والفرقة والتخلف فيه.

السؤال السابع: تقوم أمريكا بضرب العراق لعدم التزامها بالتفسير الأمريكي لقرارات الأمم المتحدة الخاصة بحرب الخليج الثانية، فهل يجوز إسلامياً ذلك، وما هو الحل الإسلامي لمثل هذا الأمر؟

الجواب:

هذه المجزرة أقل ما توصف به أنها إرهاب دولي وعمل حقير غير أخلاقي، يخالف بشكل فاضح مبادئ وشرائع هيئة الأمم المتحدة، وهو يتناقض مع شرعة حقوق الإنسان، وينفذ بيد أدعياء وتجار حقوق الإنسان في العالم.

إن كلينتون أضاف إلى فضيحته اللاأخلاقية، فضيحة أكبر منها، بهدره دماء المدنيين والأطفال الأبرياء وقتلهم بصواريخه وقنابله لتغطية فضيحته، وهكذا في عصر نظام الكذب والتدجيل العالمي يذهب الناس الأبرياء ضحية النزوات الجنسية والسياسية.

لماذا يضرب العراق لحجج واهية، بينما إسرائيل تسرح وتمرح بالأسلحة الكيميائية والجرثومية والنووية؟!!

لماذا تمتنع إسرائيل عن تنفيذ عشرات القرارات الصادرة عن الأمم المتحدة ومجلس الأمن، وتتمرد وتوجه الإهانات المتتالية إلى أمريكا والعالم، ثم تكافئ بشحنات الأسلحة الحديثة ومليارات الدولارات؟!!

هل هذه مبادئ حقوق الإنسان التي يتشدقون بها؟!!

يجب إيقاف هذا العدوان فوراً، لأنه مناقض لشرعة الأمم المتحدة، وليست هذه الجريمة الأولى ضد الإنسانية التي يرتكبها كلينتون، فقد قام قبل أشهر بقصف معمل للأدوية في السودان، وأدى ذلك إلى قتل عدد كبير من المدنيين والأبرياء، كما قامت أمريكا وبريطانيا ولا تزالان بمحاصرة ليبية، وقد سبق أن قصفت الطائرات الأمريكية المناطق السكنية فيها، وقتلت عدداً من الأبرياء.

وإنني أدعو الشعوب والحكومات العربية الإسلامية إلى بذل كل الجهود لمساعدة الشعب العراقي بكل الطاقات، وإرسال المساعدات الطبية والغذائية والمالية، وتشكيل لجان الدعم، وجمع التبرعات على كافة المستويات.

كما أدعو إلى فك الحصار عن الشعوب العراقية والليبية والسودانية، وعدم الالتزام بالقرارات الظالمة المفروضة عليهم وعلى باقي الدول الإسلامية.

والحمد لله رب العالمين