قضايا معاصرة
قضايا معاصرة

حوار مع سماحته أجراه مراسل جريدة الخليج(الشارقة)

1997-12-17

بسم الله الرحمن الرحيم

السؤال الأول: لكم تجربة طويلة في الدعوة تمتد عشرات السنين، أي الطرق هي الأصوب والأسلم في الدعوة.

الجواب:

الدعوة إلى الله واجب كل مسلم ومسلمة أخذاً من قوله تعالى: {قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني} وقد رسم الله تبارك وتعالى لرسوله وهو الداعي الأول منهج الدعوة لإيصال الخلْق إلى باب الحق، فقال تعالى: {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن} لاحظ الأحسن وليس الحسن، ثم لابد للداعي أن يكون طيب النفس رحيماً بالناس ولهذا قال تعالى: {فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك} ثم لابد من الصبر والتحمل، قال تعالى: {واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه} وقال لرسوله صلى الله عليه وسلم: {واصبر كما صبر أولو العزم من الرسل ولا تستعجل لهم} ثم التجرد الخالص لله تبارك وتعالى وإتباع قاعدة (إلهي أنت مقصودي ورضاك مطلوبي)، ثم التعاون والنصيحة مع الحاكم وهذا مطلوب شرعاً من أجل صالح الأمة والوطن، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الدين النصيحة. قلنا لمن يا رسول الله، قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم)) ثم اتباع سياسة الممكن، وإذا وصلت إلى بعض الشيء أفضل من لاشيء.

السؤال الثاني: ما هي صفات العالم والمرشد.. هل ثمة أخلاق مميزة يجب أن يتصف بها لكسب الناس إلى الإسلام.

الجواب:

العالِم المسلم هو وارث لرسول الله صلى الله عليه وسلم أخذاً من قول النبي: ((العلماء ورثة الأنبياء)) ورسول الله قدوة كل مسلم ويجب أن يتحقق في العالم المرشد أمور: منها العلم الصحيح - العقل الحكيم - الصلة بالله وهي التقوى مع الصدق والتواضع وإيثار الآخرة على الدنيا وعدم التطلع إلى ما في أيدي الناس قال صلى الله عليه وسلم: ((ازهد في الدنيا يحبك الله وازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس)) مع الصبر وعدم اليأس، لأن اليأس هو عقيدة الكفر {إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون}.

السؤال الثالث: هل يمكن للأجهزة الحديثة (الدش) أن تلعب دوراً في الدعوة وتنقية النفوس ؟

الجواب:

الأجهزة الحديثة من راديو وتلفزيون، والآن الفضائيات والصحافة والإعلام هي خير وسيلة إلى إصلاح الفرد والمجتمع بل إصلاح العالم إذا استخدمت بشكل صحيح وعرضت حقائق الإسلام، غير تفريط أو تعصب أو تشنج وخاطبت كل أمة باللغة التي تفهم مع فهم واقع الشعوب وتفكيرهم. لذا نحن لا نخاف الغزو الثقافي والفكري مادمنا نملك منهج الله الذي هو الفطرة التي فطر الله عليها الناس قال تعالى: {ألا يعلم من خلق}.

السؤال الرابع: نلاحظ أن لكل عالم وداعية أتباعه ومريديه.. إلى أي حد يمكن أن يكون التنافس بين العلماء مفيداً للتلاميذ والمريدين ؟

الجواب:

أنا أقول ليس هناك تنافس بين العلماء على كسب، الناس إنما التنافس والتسابق هو لكسب مرضاة الله تعالى وإسقاط واجب العمل في سبيل الله.

ربما نختلف في الأسلوب والوسيلة ولكن الهدف والغاية واحدة ولا مانع من ذلك أبداً وكذلك اتباع قاعدة [لنعمل فيما اتفقنا عليه ولينصح بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه] يحسم كثيراً من الأمور بالاحترام المتبادل مع المحبة نضع الناس في طريق واحد ويحسم كثيراً من المشاكل وأرى أن بعض الأتباع الذين يحملون الأخبار والكلام هم سبب خلاف بعض العلماء.

السؤال الخامس: تحت عنوان الإسلام لا تزال بعض الفئات تقوم بالقتل والتدمير سواء ضد المسلمين (الجزائر) أو (الأجانب) مصر... ماذا تقولون في هؤلاء، ولاسيما الذين يقتلون السياح؟

الجواب:

إن الإسلام حدد الهداية بالله فقال: {إن الله يهدي من يشاء} وقال: {ليس عليك هداهم} وهناك آيات كثيرة دلت على هذا الأمر ولقد أعلن الإسلام أنه {لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي} وهذا البيان ظهر في وجود القرآن الكريم وإرسال الرسول العظيم مع وجود العقل الذي يحاكم الأمور ليصل إلى الأفضل، من هذا كله نجد أن مهمة الداعي إلى الله هو تبليغ رسالة الله فقط وبالأسلوب الذي ذكرت، أما القتل والتدمير فهذا لا يرضى به الإسلام ولا يقره أبداً وإن ما نراه اليوم على الساحة الإسلامية من مظاهر الإرهاب والعنف هو من أناس اندفعوا بجهل وعدم معرفة وعلم للإسلام هذا على افتراض أنهم يعملون من داخل نفوسهم، أما المشكلة والمصيبة الكبرى إذا كان هؤلاء الذين يسفكون الدماء ويقتلون الأبرياء من أي ديانة أو قومية أو جنس هم اليد الظاهرة لمن يحركهم في الخفاء ومن وراء ستار من أعداء الإسلام والمسلمين.

وقد قال أحدهم: (لن نستطيع أن نقضي على شجرة الإسلام إلا بغصْن منها).

السؤال السادس: ما حدود العلاقة بين المسلم والسياسيين في الحياة المعاصرة ؟

الجواب:

إن العلاقة بين العالِم المسلم والحاكم المسلم هي علاقة تعاون من أجل مصلحة العباد والبلاد، وقد ورد حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((الإسلام والسلطان أخوان توأمان لا يصلح واحد منهما إلا بصاحبه فالإسلام أس - أي أساس - والسلطان حارس ومالا أسَّ له يُهْدَم، ومالا حارس له ضائع)) فليس كل ما يطلبه العالم من الحاكم على حسب وضعه وتفكيره يمكن للحاكم تنفيذه لأن العالم اليوم أصبحت مصالحه مترابطة ومعقدة.

السؤال السابع: كيف تنظرون إلى لقاء القادة في منظمة المؤتمر الإسلامي، وكيف السبيل إلى تضامن حقيقي بينهم ؟

الجواب:

إن لقاء حكام المسلمين في مؤتمرات القمة الإسلامية جيد ومفيد ولكن من المفروض أن يكون لكل حاكم مستشار للشؤون الدينية ومن اللازم أن يكون من عقلاء وحكماء العلماء ليعطي رأي الإسلام في أي مشكلة يبحثها حكام المسلمين كما يعطي كل مستشار رأيه في السياسة والاقتصاد والشؤون العسكرية.

ولا يمكن تحقيق التضامن بين الحكومات الإسلامية إلا إذا تحولنا من المصالح الشخصية إلى المصالح العامة، ووضعنا نصب أعيننا مصالح شعوبنا وأجيالنا، ولابد من وضع الخطط المناسبة خلال الزمن المناسب، لتحقيق نهضة شعوبنا اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً وعسكرياً، وأن نكون الأمناء على مصالح العباد أمام رب العباد.

السؤال الثامن: ما تزال مسألة العلاقة مع العدو الإسرائيلي موضع تردد من قبل البعض، مثال ذلك مؤتمر الدوحة.. كيف تنظرون إلى ما يسمى بالتطبيع مع إسرائيل ؟

الجواب:

إن مشكلة إسرائيل لا يمكن أن تنتهي، لأنها قامت من البداية على الإرهاب والقتل والتدمير وسلب الأرض ولازالت هذه السياسة قائمة لم تتبدل، فكل يوم نسمع عن القتل وهدم البيوت والضرب بالطائرات على المدن والقرى. فكيف يمكن الاطمئنان لإسرائيل وأن نوجد معها علاقات وأن نسير باتجاه التطبيع معها ؟

لذلك فإن قضية التطبيع وإن حدثت تبقى قشرة وصورة وليس من الحقيقة في شيء، لأن الوطن لا يمكن أن ينساه أهله والذين قتلوا ظلماً وعدواناً لهم مكانتهم في قلوب أهليهم وأقربائهم ومواطنيهم ويبقى الظلم هو أصعب شيء على النفوس.

والمخرج الوحيد هو إعادة الحقوق إلى أهلها وإرضاء الذين ظُلموا وعُذبوا واضطهدوا.

السؤال التاسع: ما تزال إسرائيل ماضية في بناء المستوطنات وتهويد القدس، هل ترون أن الموقف الإسلامي الآن بحجم هذا الاعتداء ؟

الجواب:

إن ما تفعله إسرائيل من بناء المستوطنات وتهويد القدس إنما هو مخطط إسرائيل من البداية، وإن إسرائيل أضعف من أن تفعل ذلك ولكن القوى العالمية التي تساند إسرائيل هي التي تعطي إسرائيل هذا الاندفاع، فالمعركة ليست مع إسرائيل وحدها ولكن مع من وراء إسرائيل وهي دولة النظام العالمي الجديد. ولكن أقول: للباطل جولة ثم يضمحل ويحق الله الحق إذا تحرك أهل الحق بصدق، وهذا ما تأمله من قادة العالم الإسلامي في مؤتمرهم القادم في طهران.

السؤال العاشر: كلمة توجيهية بمناسبة شهر رمضان المبارك ؟

الجواب:

رمضان شهر الإقبال على الله تعالى بالصيام والصلاة والزكاة والأعمال الصالحة، ويأتي رمضان ليقيم الحجة على الإنسان بأنه عندما يريد يستطيع أن يحقق كل ما يريد، فالطعام هو من مقومات حياة الإنسان وعند وجود الإرادة يترك طعامه وشرابه وكل مشتهيات نفسه وهكذا يستطيع الإنسان بهذه الإرادة أن يحقق كل شيء.

ورمضان هو شهر تغيير وتبديل العادات وما درج عليه الإنسان حتى يملك أمر نفسه ولا تحكمه عادة مهما كانت وكيف كانت. وهذا هو مفتاح تغيير الواقع السيِّئ إلى واقع أحسن وأفضل، وعلى هذا قال ربنا جل وعلا {إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم} فإن الوصول إلى الأفضل يبدأ من فعل الإنسان أولاً وهذا هو قانون الله جل وعلا حين قال: {فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون}(سورة البقرة: [ الآية: 152 ].).

وقال تعالى: {وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم} فالتعامل مع الله تبارك وتعالى يبدأ من فعل الإنسان واختياره وبعدها يعطيه الله ويرضيه، وهكذا في كل أمور الدنيا يزرع ثم يحصد يجدّ ثم يجد (من جد وجد) وكذلك الآخرة من عمل صالحاً وجد صالحاً ومن عمل سوءاً وشراً وجد عقوبة وعذاباً. {فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره} وهذا في الدنيا والآخرة. ورمضان شهر الرحمة والبر، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: ((الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء)).

وأخيراً أبارك للأمة الإسلامية بشهر رمضان، وأرجو الله تعالى أن يجعلنا فيه من المقبولين، وأن يعيده علينا وقد تحققت آمال أمتنا بالنصر والتقدم والازدهار.