العنف في الجزائر (1)
العنف في الجزائر (1)

حوار مع سماحته أجراه مراسل مجلة(الشراع اللبنانية)دمشق في 18/1/1998م

1998-01-18

بسم الله الرحمن الرحيم

السؤال الأول: سماحة الشيخ أحمد كفتارو مفتي الجمهورية العربية السورية، كيف ترون ما يجري في الجزائر ؟

الجواب:

إن ما يجري في الجزائر من قتل وذبح للأطفال والنساء والرجال والشيوخ الأبرياء، لا يقبل به عقل ولا دين، وهو مرفوض بكل المقاييس، ويتناقض بشكل صارخ مع المبادئ الإسلامية والتوجيهات الإلهية.

وفي تقديري: إنَّ ما يحدث سببه غياب الإيمان بالله تعالى ؛ وسلطانه وثوابه وعقابه، وغياب تعاليم الإسلام ؛ بجوهره وحقيقته وصفائه ونقائه ومفاهيمه الحضارية.

والنتيجة الطبيعية إذا غابت شمس الحقيقة أن يحل ظلام الجاهلية، ويعيش الناس في عالم الشك والخوف والأوهام، وبعد ذلك يتخبط الناس في دياجير الظلام، ويتيه التائهون في صحارى التيه، ويغرق العابثون والجانحون في مستنقعات الدماء، وهذا ما كان يحدث في التاريخ بين حين وآخر، عندما يفتقد الناس الهداة من العلماء والحكماء ورثة الأنبياء، ويصبحون بلا رعاة يهدونهم سبل السلام، وكما قال سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم: ((العلماء مصابيح الأرض وخلفاء الأنبياء وورثتي وورثة الأنبياء))( رواه ابن عدي عن علي (كنز العمال 10/134). - وروى الديلمي في الفردوس: ((اتبعوا العلماء فإنهم سُرُج الدنيا ومصابيح الآخرة)). (كنز العمال 10/135).) وإنَّ ما يحدث من نكبات ومآسي في الجزائر، يستدعي وبدون تأخير أن يسعى رجال العلم والسياسة في هذه الأمة من أهل الحل والعقد، لبحث ودراسة واقع الأمة، لتشخيص حالتها الراهنة، وتحديد أمراضها، ووصف العلاج المناسب لها، ومتابعة مداواتها حتى تتعافى. وفي تقديري: إن من أسباب هذا الداء الذي أصاب الأمة: ((شح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه))( حديث نبوي، رواه الطبراني في الأوسط، والبيهقي، عن أنس (كنز العمال 16/45).)، فعندما تبخل الأمة بالإنفاق من مواردها على تعليم كتاب الله الحكيم، وفهم منهجه في بناء مجد هذه الأمة وعزتها وازدهارها، وعندما تتبع الأمة الهوى والشهوات، وتسيطر الغرائز على مدارك العقل والروح، وتنفق كثيراً من مواردها على اللهو والاستمتاع، عندها تختلط الأمور، وتنقلب رأساً على عقب، ويتفاخر الناس بالزينات والمقتنيات، ويتنافسون في الكسب الحرام، وحب التسلط والشهوات، ويصاب الناس بالغرور وداء العجب، وتبرز الأنانيات والفرديات، وتعمى بصيرة الأمة، ويتعالى الناس بعضهم على بعض، ويحاول كل طرف إلغاء وتصفية الطرف الآخر، تبدأ دوامة العنف والعنف المضاد.

إن ما يجري في الجزائر له صلة بما ورد في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((ليأتينّ على الناس زمان لا يدري القاتل في أي شيء قَتَلْ، ولا يدري المقتول عن أي شيء قُتِل))(رواه مسلم في صحيحه، كتاب [الفتن وأشراط الساعة]، رقم (2908).) والحل ما ورد في قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((ستكون بعدي أثرةٌ (أي أنانيات وفرديات وتسلط ومغانم) وأمورٌ تنكرونها -لأنها تتنافى والفطرة السليمة والمنطق السليم، وما تعارف عليه الناس- قالوا: كيف تأمر من أدرك منا ذلك ؟ قال: تؤدون الحق الذي عليكم - التكاليف الشرعية، وهي حقوق الله تعالى، وحقوق العباد، تؤدونها كاملة غير منقوصة- وتسألون الله الذي لكم))( رواه مسلم في صحيحه، كتاب [الإمارة]، رقم (1843). و البخاري، كتاب [المناقب]، رقم (3408). وروى الترمذي وأحمد نحوه.)

فإذا قام كل طرف بأداء الحقوق الواجبة عليه للآخرين، وعرف حدود ماله وما عليه، فلا يبقى هناك مشكلة مستعصية الحل.

وأما الحكم الشرعي فيما يجري من أحداث، فإنه وارد في قوله تعالى: {مَنْ قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً}(سورة المائدة: [الآية: 32].). وقوله تعالى: {ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعدَّ له عذاباً عظيماً}(سورة النساء: [الآية: 93].)، وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من أعان على قتل مؤمن بشطر كلمة لقي الله عز وجل مكتوب بين عينيه يـئـس من رحمة الله))(رواه ابن ماجه، كتاب [الديات]، رقم (2620).) وقوله صلى الله عليه وسلم في خطبة حجة الوداع: ((إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا، إلى أن قال: لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض)) (رواه البخاري، كتاب [الحج]، رقم (1652-1654). وفي مواضع أخرى. - وروى مسلم نحوه، كتاب [القسامة والقصاص]، رقم (1679). وفي مواضع أخرى.).

وإن ما يجري في الجزائر من صراعات دامية تأتي في سياق مشروع تخريبي وتدميري لمقومات الوجود والنهوض، تخططه وتنفذه محافل سرية، وبأيد عميلة تتقن أساليب إدارة الجريمة والإرهاب، ذلك لأن بعضهم رفع شعار المواجهة مع الإسلام والقضاء عليه، بعدما تم القضاء على الشيوعية. والمقدمات تعرف من نتائجها، والنتائج تشير إلى الدوافع والبواعث، ومن البديهي أننا كمسلمين ندعو ونجاهد من أجل العالم الفاضل، مما يتعارض والمصالح الاستعمارية القائمة على إشاعة الفوضى الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، وإن هذه الأحداث البشعة، تهدف إلى تشويه صورة العرب والمسلمين، وعزلهم وضرب مصالحهم وقضاياهم، ومنع تأييد العالم لهم، ومن الواضح أن الصهيونية تخوض صراعاً وسباقاً لاستقطاب الرأي العام العالمي، وكسب تأييده لمخططاتها ومشاريعها، التي تتمثل في السعي الحثيث للسيطرة والهيمنة على مقدرات المنطقة.

السؤال الثاني: إلى أي مدى تتحمل الجماعات الإسلامية مسؤولية ما يحدث ؟

الجواب:

إني لا أعتقد بأن جماعة إسلامية ترتكب مثل هذه الأعمال الفظيعة والشنيعة، حيث إن الأعمال وليس الأقوال هي التي تحكم على الأفراد أو الجماعات، إذا كانوا ينتسبون للإسلام حقاً أم لا !!... أما التزين بزينة الإسلام، أو الادعاء بالانتماء إليه ظاهراً، وأعمالنا بالواقع تخالف أقوالنا وادعاءاتنا، فهذا ليس من الإسلام في شيء...

لقد خاطب الله تعالى نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم فقال: {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين}(سورة الأنبياء: [الآية: 107].)، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: ((الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض، يرحمكم من في السماء))(- رواه الترمذي، كتاب [البر والصلة]، رقم (1924). - وأبو داود، كتاب [الأدب]، رقم (4941). - وأحمد في مسنده (مسند المكثرين من الصحابة)، رقم (6458).)

ويقول أيضاً: ((والذي نفسي بيده لا يدخل الجنة إلا رحيم، قالوا: كلنا رحيم، قال: لا، حتى ترحم العامة))(رواه الحكيم الترمذي في نوادر الأصول (كنز العمال 3/167).).

أمَّا ما نسمع ونشاهد من فظائع تطال الأبرياء من الأطفال والنساء والشيوخ، فلا يمكن أن تنسب إلى جماعة إسلامية، بل تنسب إلى المندسين بين صفوف الطرفين.

وإن ما نراه وما نسمعه من أحداث وصراعات دامية، هي نتيجة لمخططات ومشاريع صهيونية واستعمارية، تنفذ بأيدٍ عميلة وغبية، امتهنت تجارة القتل والإجرام، من أجل القضاء على الحضارة الإسلامية، التي تقف حائلاً أمام المشاريع الصهيونية والاستعمارية. وأول أغراض هذه الحملة الباغية، تشويه صورة الإسلام الناصعة، واستعداء الرأي العام العالمي عليه، وتوظيف هذا الرأي ضد الإسلام والمسلمين ؛ لصالح المشروع الصهيوني. ولقد آن الأوان لأن يتنبه جميع المعنيين إلى خطورة المشاريع القائمة، وأن يعملوا مخلصين لسد الثغرات، التي يمكن أن يَنْفُذَ منها الطامعون، الذين يستخدمون المتطرفين والعملاء مطايا لأغراضهم، وذلك بإعطاء مساحة أوسع للعلماء الحكماء الذين يجيدون رأب الصدع، وإصلاح ما أفسدته السنون.

السؤال الثالث: برأيكم، هل للدولة الجزائرية دور معين فيما يجري، سواء بالمسؤولية المباشرة كما يتم الحديث أحياناً - أو بالتقاعس عن القيام بواجبها كسلطة تجاه حماية مواطنيها ؟

الجواب:

لابد من أن يتعاون جميع المخلصين والعاملين من رجال السياسة والحكم والإعلام والمال لسد الثغرات، التي يتسلل منها العابثون تجار الحروب والدماء، وذلك من خلال اعتماد مبادئ أخلاقية وحضارية، تتمثل بالشورى والحوار، بعيداً عن المصالح الشخصية والفردية، والأثرة وحب الذات. ومن خلال دعم ومساندة المؤسسات العلمية والتربوية والإعلامية الحادة والملتزمة، واعتماد المنهج الرباني للإصلاح والبناء وصيانة الموارد ومقومات الوجود.

وأما ما يتعلق بالمسؤولية ؛ ففي الإسلام كل مسلم مسئول، قال تعالى: {وقفوهم إنهم مسئولون}(سورة الصافات: [الآية: 24].)، وقال صلى الله عليه وسلم: ((كلكم راع، وكلكم مسئول عن رعيته))( رواه البخاري، كتاب [الجمعة]، رقم (853)، وفي مواضع أخرى. - ومسلم، كتاب [الإمارة]، رقم (1829)).

وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (والله لو زلت شاة على شاطئ الفرات لخفت أن يسألني الله عنها لِمَ لمْ تعبد لها الطريق يا عمر).

وفي كل الشرائع والقوانين والأعراف يُعَدُّ ولاة الأمور مسئولين عن كل شؤون وقضايا رعاياهم، قال صلى الله عليه وسلم: ((إن الله تعالى سائل كل راع عما استرعاه أَحَفِظَ ذلك أم ضيَّعه، حتى يُسأل الرجل عن أهل بيته))(رواه النسائي وابن حبان عن أنس (كنز العمال 6/16).) وقال أيضاً: ((ما من عبد استرعاه الله رعية فلم يحطها بنصيحة إلا لم يجد رائحة الجنة))(رواه البخاري في كتاب [الأحكام]، رقم (6731).).

وقال صلى الله عليه وسلم: ((ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة))(رواه مسلم في كتاب [الإيمان]، رقم (142). ) وإنّ أخشى ما نخشاه أن يكون الهدف من كل ما يجري من مآسي ونكبات هو الحرص على تصفية كل طرف للآخر، عند ذلك يكون قد وقع الطرفان كلاهما في المصيدة المعادية، والمخطط الشيطاني.

السؤال الرابع: ما هي مسؤولية الدول العربية والإسلامية تجاه ما يجري في الجزائر ؟

الجواب:

من الطبيعي عندما تصل الأمور إلى هذا الحدّ من التردي أن يتنادى أهل الحل والعقد من رجال الدين والعلم والحكمة والسياسة والإعلام ؛ للبحث والدراسة والتقييم، واستخلاص النتائج والعبر، وقبل أن تفلت زمام الأمور، وتصل الأمة إلى نقطة اللاعودة.

والأمة العربية والإسلامية - وما فيها من هيئات ومؤسسات ورجال من أهل الحل والعقد ؛ من علماء وفقهاء وحكماء وسياسيين وإعلاميين - مدعوة للقيام بدورها، وتحمل مسؤولياتها، لمساعدة الشعب الجزائري للخروج من محنته ومعاناته، ويعدُّ التقصير في هذا المجال موجباً لمساءَلة الله تعالى للمقصرين.

السؤال الخامس: هل من مسؤولية معينة للمجتمع الدولي والدول النافذة، ونخص بالذكر منها إيران وفرنسة والولايات المتحدة الأمريكية...؟‍

الجواب:

إن ما يجري في الجزائر له بعد إنساني، وفي الحدود الإنسانية لابد من تقديم كل مساعدة وعون للشعب الجزائري، للخروج به من دوامة العنف، وبكل الوسائل الممكنة.

والحمد لله رب العالمين