العنف في الجزائر (2)
العنف في الجزائر (2)

حوار مع سماحته أجراه مراسل جريدة (القدس العربي) دمشق في 18/1/1998م

1998-01-18

بسم الله الرحمن الرحيم

السؤال الأول: كيف تقيمون الأوضاع والجرائم التي ترتكب بحق الأبرياء في الجزائر التي يتردد أن وراءها الأصوليين الإسلاميين ؟

الجواب:

إن ما يجري في الجزائر من فظائع ومجازر وجرائم، لا علاقة له بدين أو شريعة أو مبادئ أو أخلاق، ولا يمكن وصفه إلا بالهمجية والوحشية، وأعتقد أن ما يجري سببه تقصير معظم المسلمين، وبخاصة مؤسسات التربية والإعلام، في أداء واجباتها الشرعية والتربوية، في نشر العلم والحكمة والفضيلة ومكارم الأخلاق، وتربية الأجيال على الرحمة وحب الخير والإحسان، وإن هذه الأحداث إن دلت على شيء فإنما تدل على التردي والتخلف الحضاري، والجاهلية التي تتسع وتتعمق، وإن أقل ما يقال بصددها: إن الغاية منها تشويه صورة الإسلام في العالم، وصد الناس عن سبيل الله، واستعداء الرأي العام العالمي، وتوظيفه ضد الإسلام والمسلمين، وإلغاء دور الإسلام الحضاري، ولقد آن الأوان إلى أن يتنبه المسلمون حكاماً ومحكومين إلى أبعاد هذه المؤامرة الشرسة، التي تخطط وتنفذ ضد مقومات وجودهم، ويدركوا أن هذه الأحداث المأساوية ستمزق الأمة، وتأتي على ما تبقى من وجودها، وتفتح الأبواب للقوى المعادية للتدخل في شؤونها الداخلية، وتكون النتيجة تبديد طاقات الأمة، وتكريس تخلفها وضعفها؛ لتكون فريسة سهلة لأعدائها، وإن ما يجري من مآسي ومخازي كافٍ لإيقاظ الجميع، وخصوصاً رجال العلم والسياسة والمال، للوقوف وقفة رجل واحد؛ لسد الثغرات، واستدراك النواقص، وملء الفراغ، ومعالجة السلبيات والخلل، على مختلف الصعد والمجالات، والعمل الجاد لتعزيز الفضيلة، وتنمية الدوافع الخيرة وروح المحبة والتراحم والتآخي، حتى تصبح الأمة كالجسد الواحد، وكالبنيان المرصوص، وكالحصن المنيع أمام كل الطامعين والمتربصين، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في خطبة حجة الوداع: ((إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا.... إلى أن قال:: لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض)) رواه البخاري، كتاب [الحج]، رقم (1652-1654)، وفي مواضع أخرى. وروى مسلم نحوه، كتاب [القسامة والقصاص]، رقم (1679)، وفي مواضع أخرى.

هكذا وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل المسلمين بالكفر. والله تعالى يقول: {ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعدَّ له عذاباً عظيماً}(سورة النساء: [الآية: 93].) وفي خطاب الله تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم قوله: {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين}( سورة الأنبياء: [الآية: 107].)، ومن هدي الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم قوله: ((الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض، يرحمكم من في السماء))

- رواه الترمذي، كتاب [البر والصلة]، رقم (1924).

- وأبو داود، كتاب [الأدب]، رقم (4941).

- وأحمد في مسنده (مسند المكثرين من الصحابة)، رقم (6458).

وقوله: ((والذي نفسي بيده لا يدخل الجنة إلا رحيم، قالوا: كلنا رحيم، قال:لا، حتى ترحم العامة))(رواه الحكيم الترمذي في نوادر الأصول (كنز العمال 3/167).).

فأين هذه المبادئ والتوجيهات من أعمال الذين يذبحون الأطفال والنساء والرجال والشيوخ الأبرياء ؟!! إنني لا أشك بأن هناك أياديَ خفيةً عميلةً، وراء هذه الأعمال التي تجري في الجزائر، وليس وراءها إسلاميون حقيقيون ؟

السؤال الثاني: هل استطاعت الحكومات العربية أن تتعامل بشكل جدي مع ما يسمى بالأصوليين الإسلاميين ؟

الجواب:

إنني أعتقد أن الحكومات العربية تستطيع أن تتعامل بشكل أفضل مع مشكلة التطرف مما تفعله الآن، حيث علينا أن ندرس الأسباب الكامنة وراء مشكلة التطرف، وإنني أرى أن من أعظم أسبابها غياب المرجعية الإسلامية، وعدم وجود منبر مفتوح للإسلام الحقيقي المعتدل، والسماح لأعداء الإسلام بالتعامل مع المسلمين معتدلين ومتطرفين بمكيال واحد، إضافة للسماح لأعداء الإسلام الظاهرين والمتسترين باستفزاز مشاعر المسلمين بوسائل مختلفة، وإذا كان من أهم أسباب التطرف الجهل بحقيقة الإسلام، فإن هذا الجهل لا يعالَجُ إلا بالعلم والمعرفة، فيجب أن تُفتح أبواب التعليم الإسلامي على أوسع نطاق، وبكافة الوسائل الممكنة، وعلى رأسها وسائل الإعلام، وأن تعطى الفرصة والوسائل لعلماء وحكماء هذه الأمة؛ للمساهمة في بناء تقدمها وازدهارها.

هذا من ناحية، ومن ناحية أُخرى، فإن مصطلح الأصوليين والأصولية هو مصطلح إعلامي غربي، يتردد كثيراً على مسامعنا بواسطة الإعلام، ويطلق على مفاهيم الاستبداد والإكراه، والتسلط وجمود العقل والفكر، وإلغاء دور الرأي الآخر، وإن الباحث في مصادر التشريع الإسلامي والتاريخ الإسلامي، سيجد خلاف ذلك كله، ومن الشواهد على ذلك قوله تعالى: {لا إكراه في الدين}(سورة البقرة: [الآية: 256].) وقوله {لست عليهم بمسيطر}(سورة الغاشية: [الآية: 22].) وقوله {أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين}(سورة يونس: [الآية: 99].) وقوله {ليس عليك هداهم}(سورة البقرة: [الآية: 272].).

ولقد فتح الإسلام باب الاجتهاد لمن لديه أهلية الاجتهاد، وأطلق العنان للعقل الإنساني ليتفكر في آيات الكون، ويتأمل ويبحث، ويدرس ويكتشف الحقائق الكونية، والإسلام بحقيقته هو التلاؤم والتناغم مع الحقائق الثابتة، من أجل جلب المنافع ودرء المفاسد، وأعتقد أن الخروج على هذه القواعد يعني هدماً للإسلام، وإلغاءً لدوره الحضاري.

والحوادث تشير إلى أن هذا هدف يسعى إليه الحاقدون والطامعون والمتربصون من الأعداء، والواجب على الإسلاميين أن يدركوا أن مصلحة المسلمين تتحقق بالتعاون والتفاهم مع الحكومات الوطنية، ومساندتها في تأدية واجباتها تجاه شعوبها، وأن يقف الحكام والمحكومون صفاً واحداً، وسداً منيعاً في مواجهة التحديات المصيرية، التي يعيشها الجميع بدون تمييز، وإن كل محاولة لإلغاء الآخر سيتولد عنها دوامة عنف لا يعلم أبعادها ومداها إلا الله، ويبقى اللقاء والتواصل والحوار هو الخيار الوحيد لإصلاح ما أفسدته السنون، وإعادة البناء على أساس متين من الحقائق والفضائل ومكارم الأخلاق، ومما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك قوله: ((الإسلام والسلطان أخوان توأمان، لا يصلح واحد منهما إلا بصاحبه، فالإسلام أسٌّ والسلطان حارس، وما لا أُسَّ له يُهدم، وما لا حارس له ضائع))(رواه الديلمي عن ابن عباس (كنز العمال 6/10).) وقوله: ((.. لا تكونوا أعواناً للشيطان على أخيكم))(رواه ابن جرير (كنز العمال 5/496) بهذا اللفظ. والحديث ورد في شأن من شرب الخمر فأقيم عليه الحد فجعل القوم يقولون: أخزاه الله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا تعينوا عليه الشيطان)) رواه البخاري، كتاب [الحدود] رقم (6395)، وزاد أحمد: ((ولكن قولوا رحمك الله)) مسند باقي المكثرين، رقم (7926).).

السؤال الثالث:

كيف السبيل لإجراء الحوار المطلوب، وهل تؤيدون إجراء حوارٍ معهم ؟

الجواب:

قال تعالى: {الرحمن * علم القرآن * خلق الإنسان * علمه البيان}( سورة الرحمن: [الآيات: 1-4].) وقال {ولقد كرمنا بني آدم}(سورة الإسراء: [الآية: 70].) ومن تكريم الله تعالى للإنسان أن علمه البيان، والفرق بين الحيوان والإنسان هو قدرة الإنسان على البيان، وإن مما تختلف به حياة المجتمع الإنساني عن حياة مجتمع الغاب، هو البيان وفن الحوار والخطاب، ولعل من أسباب هذا التردي في العلاقات الإنسانية والاجتماعية وما ينتج عن ذلك من صراعات دامية هو ضعف أداء المؤسسات التعليمية والتربوية والإعلامية في تحسين لغة التعبير والبيان والخطاب للأفراد والمجتمعات، وسبب ذلك إهمال الخطاب والبيان الإلهي (القرآن الكريم) وعدم اعتماده كأساس لتأهيل وتربية وإعداد الإنسان، قال تعالى: {وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجوراً}(سورة الفرقان: [الآية: 30].) ولقد ترتب على ذلك أن تعمقت وتكرست العُجمة في حياة الناس، ونتج عن ذلك الاختلاف والشحناء والبغضاء، ومن ثم التخاصم والتناحر والصراع، ولقد آن الأوان للاتعاظ بما حدث ويحدث، وليكون الحوار ممكناً لابد من احترام كل طرف للآخر، ولابد من الاحتكام إلى الخطاب الإلهي، ونبذ العنف، وعدم الاحتكام للسلاح، والإصغاء إلى صوت العقل السليم، والنداء الإلهي، قال تعالى: {فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم}(سورة الأنفال: [الآية: 1].) واعتماد مبدأ التشاور والشراكة من قوله تعالى: {وأمرهم شورى بينهم}(سورة الشورى: [الآية: 38].) ومن قوله تعالى: {وشاورهم في الأمر}( سورة آل عمران: [الآية: 159].) ومبدأ التعاون {وتعاونوا على البر والتقوى}(سورة المائدة: [الآية: 2].)، ولابد من أن تتعاون الأطراف كلها لسد الثغرات التي يمكن أن ينفذ منها شياطين الإنس من أصحاب المصالح الفردية والأنانيات والشهوات.

وأعتقد بضرورة الحوار بين أهل الحل والعقد، وممن لهم القدرة على رأب الصدع والتصدي للأحداث الجِسام، وذلك لتفويت الفرصة على المجرمين وتجار الحروب والدماء.

السؤال الرابع: من يتحمل المسؤولية بشأن المجازر التي تنفذ في الجزائر؟! الأنظمة العربية أم الأصوليون ؟

الجواب:

قال تعالى: {وقفوهم إنهم مسئولون}( سورة الصافات: [الآية: 24].) وأعتقد أننا جميعاً مسئولون، وتقديري أن هذه الأحداث هي نتيجة مُحزنة بعد كمٍ كبيرٍ من التفريط بأداء الأمانة وحمل المسؤولية والقيام بالتكاليف الشرعية، وعندما يتحكم الجهل بالسلوك العام، تأتي النتائج على النحو الذي نرى، قال تعالى: {كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد}(سورة إبراهيم: [الآية: 1].).

وعندما نرى الناس يتخبطون في ظلمات الفتن، والصراعات الدامية، فإن سبب ذلك الجهل بكتاب الله تعالى، والمشي في الدروب الوعرة، التي تتركز حول الأنا والشهوات، وما نراه الآن يمكن أن يوصف بجنوح المراهقين، الذين يتلاعب بهم الكبار من قوى الاستكبار، والمتسلطون على مقدرات العالم، الذين لا يقنعون ولا يشبعون.

والحمد لله رب العالمين