واقع الأمة الإسلامية - مشكلات وحلول -
واقع الأمة الإسلامية - مشكلات وحلول -

حوار مع سماحته أجراه مراسل مجلة (( منار الإسلام )) الصادرة في أبو ظبي عن وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف دمشق في 17/12/1996م

1996-12-17

بسم الله الرحمن الرحيم

السؤال الأول: كيف تنظرون إلى واقع العلاقة الأخوية التي تربط بين دولة الإمارات وسورية ؟ وما هي آفاق تطورها في المستقبل ؟

الجواب:

إن العلاقة بين سورية والإمارات هي علاقة عربية، وإسلامية، وأخوية، بكل ما في هذه الكلمة من معنى. ومعلوماتي أن هذين القطرين الشقيقين يتعاونان دائماً في كل الشؤون العربية والإسلامية، في السراء والضراء. فرسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم، مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى ))(رواه مسلم في صحيحه، كتاب [البر والصلة والآداب]، باب (تراحم المؤمنين وتعاطفهم).)، وهذا هو واجب المسلم نحو إسلامه وخالقه، وعليه أن يقف مع أخيه المسلم في السلم والحرب، وأن يدعم القضايا العربية والإسلامية، وخاصة في صراعنا المصيري مع إسرائيل.

ونرجو من الله تعالى أن تتوسع هذه الروابط وتزداد قوة ومتانة وعمقاً، حسب الواجبات الإسلامية والعربية، لأن مصيرنا واحد، وعدونا يستهدف الجميع.

السؤال الثاني: ما هو واقع المسلمين في عالمنا اليوم ؟ وكيف تنظرون إلى هذا الواقع، الذي يعيشه المسلمون في ظلِّ الاضطهاد، الذي يتعرضون إليه في فلسطين والشيشان وغيرهما ؟

الجواب:

واقع المسلمين عموماً في العصور الأخيرة ضعيف وخطير، وذلك لعدة أسباب، منها: عدم توفر العدد الكافي والمستوى اللازم من علماء الإسلام، الذين يتحملون واجب التعريف بالإسلام الصحيح، مما أدى إلى قصور في فهم الإسلام، وتخلف في واقع المسلمين...

كما أدى التركيز الشديد على بعض أجزاء الفقه الإسلامي، والتقصير الكبير في العمل بالأجزاء الأخرى، ومنها فقه: {ربنا آتنا في الدنيا حسنة}(سورة البقرة: [ الآية: 201 ].) أدى هذا كله إلى تخلف العالم الإسلامي، وتحوله إلى مستعمرات للدول الكبرى، التي استنزفت خيراته، وقسمته إلى دول ودويلات، ومارست عليه كل أنواع الاضطهاد، وعملت على جعله عالماً جاهلاً متخلفاً، تتنازعه الأهواء، وتسيطر عليه مشكلات خاصة وعامة...

مع أن الإسلام أراد للمسلمين أن يعيشوا أقوياء، حسب قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((المؤمن القوي خيرٌ وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف))(رواه الإمام أحمد ومسلم وابن ماجه عن أبي هريرة.) وحسب الأمر القرآني {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم }( سورة الأنفال: [ الآية: 60 ].). والقوة في عصرنا الحاضر هي قوة العلم والصناعة والاقتصاد والتجمع والتكتل، لذلك دعا الإسلام إلى التكافل العلمي، فقال الرسول صلوات الله وسلامه عليه: ((ليس مني إلا عالم أو متعلم ))(رواه ابن النجار، والدَّيلمي عن ابن عمر.). ودعا إلى التكافل الاجتماعي فقال صلى الله عليه وسلم: ((ما آمن بي من بات شبعان وجاره جائع إلى جنبه وهو يعلم به))(رواه البزار والطبراني عن أنس.).

ودعا إلى الاتحاد، لأن في الاتحاد قوة، وفي التنازع الفشل والضياع، فقال الله تعالى: { ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم }(سورة الأنفال: [ الآية: 46 ].).

ودعا إلى الغنى والثروة، لتسخيرها في خدمة الصالح العام فقال صلى الله عليه وسلم:
(( نِعْمَ المال الصالح للرجل الصالح))(رواه أحمد عن عمرو بن العاص رضي الله عنه.).

وقد امتن الله على نبيه بالغنى فقال: ((ووجدك عائلاً فأغنى))(سورة الضحى: [ الآية: 8 ].)، وامتن رسول الله صلى الله عليه وسلم على الأنصار فقال: ((ألم أجدكم ضلالاً فهداكم الله بي، وكنتم متفرقين فألفكم الله بي، وعالة فأغناكم الله بي ؟..))(رواه البخاري في صحيحه، كتاب [ المغازي]، ومسلم في صحيحه، كتاب [ الزكاة].).

وهكذا نقل الإسلام الأمة العربية من الجهل إلى العلم، ومن التخلف إلى التقدم، ومن الفقر إلى الغنى، ومن الفرقة إلى الوحدة والاتحاد، ودعا الإسلام إلى كلِّ ما ينفع الإنسان في دينه ودنياه.

والعجيب أنه في العصور الأخيرة تخلف المسلمون عن الفقه الحياتي الإسلامي، بينما تقدم العالم الغربي (أوروبة وأمريكا واليابان) ورفعوا من شأن الإنسان عندهم... بالرغم من أنه لا يوجد في تعاليم دينهم ما يدفعهم لتحقيق هذه المعاني. أما الإسلام فقد وفَّر للمسلمين معاني التقدم، ورخاء الإنسان، وكل ما يرفع من شأنه، وجعل هذا من الدِّين.

وهناك حديث نبوي يحث المسلمين على التقدم الدائم في كل مجالات الحياة، يقول صلى الله عليه وسلم: ((من استوى يوماه فهو مغبون، ومن كان يومه شراً من أمسه فهو ملعون، ومن لم يكن على الزيادة فهو في النقصان، ومن في النقصان فالموت خير له..))( رواه الديلمي بسند ضعيف عن علي مرفوعاً: [ انظر كشف الخفاء: 2/305 ].).

إن الأمم المتقدمة تسير على هذه المعاني، ولكن ليس على أساس أنها دين، وإنما بدافع العزة والكرامة في الحياة. والإنسان المسلم مسئول عن هذه الواجبات في الدنيا والآخرة، لأنها مما أمر به الدين الإسلامي.

والغريب أن المسلمين عزلوا أنفسهم عن فقه الحياة: { ربنا آتنا في الدنيا حسنة..}(سورة البقرة: [ الآية: 201 ].)، بل صار هناك دعوة إلى الفقر والزهد وترك العمل للدنيا، مع أنها تحريف وجهالة، وهي ليست من الإسلام في شيء. فالزهد لا يكون في المفقود، ولكنه في الموجود، أي أن تُوجِد عزة وثروة، ثم لا تتعلق بهما، بل تسخّرهما في الصالح العام، بعيداً عن الأنانية.

إن ضعف المسلمين في فقه الأمور الحياتية أدى إلى تخلفهم، مع أن النهضة الأوروبية مصدرها من الثقافة الإسلامية، في الأندلس وغيرها. والمسلمون من طريق راحة الكسول، ومن طريق التعليم الناقص، وباسم الزهد كانوا يدعون إلى ترك الدنيا، وباسم التوكل أهملوا العقل، وباسم القدر أهملوا العمل، فما أشد حاجتنا إلى الفهم الصحيح لتعاليم ديننا‍ !

السؤال الثالث: ما هي الأسباب وراء خلاف المسلمين مع بعضهم، في الوقت الذي نحتاج فيه إلى الوفاق لمواجهة الاستعمار الشرس ؟

الجواب:

كان العرب قبل الإسلام في خلاف دائم، وحروب متواصلة بين القبائل، كان بعضها يستمر لمدة 40 سنة، فلما جاء الإسلام نادى بالوفاق والتعاون، فقال تعالى: {وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان}(سورة المائدة: [ الآية: 2 ].).

إنَّ نقص التربية الإسلامية، والقصور في التعليم الإسلامي الحياتي، على كافة المستويات الاجتماعية والسياسية، هو أحد أسباب الخلاف، إضافة إلى أن الاستعمار الثقافي الصليـبي سيطر على عقول أجيال كثيرة من أبنائنا، وزرع فيها الفكر والثقافة التي يريدها، وهو يعمل جاهداً على زرع بذور الخلاف بين أبناء الأمة الواحدة، وهناك من يرعى ويسقي هذه البذور، ويجني منها الكثير، انطلاقاً من مصالحه الذاتية والأنانية، ففي بعض جوانب فطرة الإنسان حب للذات والأنانية، والإسلام يسعى ليخرجه من روح الأنا إلى روح الجماعة.

وعموماً، يوجد نقص في بناء هذه المعاني في شخصية الإنسان المسلم، ويجب إعادة الثقافة الإسلامية على قواعدها الصحيحة، بدءاً من الفرد إلى الأسرة إلى المجتمع الإسلامي.

وإذا وقع الاختلاف، فالقرآن يقول: { فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم... }(سورة الأنفال: [ الآية: 1 ].). إن الشعور بإصلاح ذات البين ضعيف بين المسلمين، وهو نقص في إسلامهم، والإسلام علم وعمل، وليس مجرد قولٍ وادِّعاء.

السؤال الرابع: كيف تنظرون إلى تعنت إسرائيل بشأن السلام في الشرق الأوسط رغم مساعي كثير من الدول الإسلامية في تحقيق السلام ؟

الجواب:

يحق لإسرائيل أن تتعنت، بل هناك ما يدفعها إلى التعنت، فالعرب والمسلمون باختلافهم وضعفهم وتنازعهم هم الذين دفعوها إلى هذا، وعندما يرى الخصم فيك الضعف يطمع فيك، لأن الاستيلاء عليك هو أمله وهدفه، وعندما يرى الطريق معبَّداً فلا يتخلَّف عن تحقيق ذلك.

نحن لا نعمل بمقتضى المنطلقات القومية العربية، ولا بمقتضى المنطلقات الإسلامية....

كل دول العالم تدافع عن حقوقها انطلاقاً من مبادئها الوطنية، ونحن نملك فوق هذا مبادئ الإسلام العظيمة.

الإسلام يقول: إذا اعتدى العدو على أرض المسلمين، فيجب الجهاد والقتال ؛ على الكبار والصغار، والرجال والنساء، بكل الوسائل المتاحة حتى يتحرر البلد.

وعندما ترى إسرائيل بعض الدول تسارع إلى عقد معاهدات معها، وتتقرب منها، فلماذا لا تتعنت ؟ وماذا يمنعها من التعنت في عدم رد الحقوق لأهلها ؟!..

إننا نرى إخواننا الفلسطينيين يومياً يلاقون من الذل واغتصاب الأراضي والقتل... ما يفرض وطنياً وقومياً وعربياً وإسلامياً الجهاد، وأكثرنا نائم أو متناوم !!... وهذا إهانة لكل العرب.

شبعنا غناءً ورقصاً وكلاماً فارغاً... ويجب أن يبدأ العمل بكافة الوسائل لإعادة بناء الأمة، وأهمها وسائل الإعلام والتعليم... نحن في سُبات وبحاجة إلى إيقاظ، نحن في جهالة ونحتاج إلى تعليم.

وماذا يمنع لو أنشأنا محطة فضائية لإيقاظ المسلمين، وصياغة الإنسان المسلم على طريقة الرسولصلى الله عليه وسلم، بدءاً من إصلاح الفرد فالأسرة فالمجتمع، إلى إصلاح العالمَ {وما أرسلناك إلا رحمةً للعالمين}(سورة الأنبياء: [ الآية: 107 ].).

إنني أوجِّه من على صفحات مجلتكم نداءً إلى كلِّ العرب ؛ حكاماً وعلماء وأغنياء، من أجل إنشاء قناةٍ فضائية تعرِّف العرب والمسلمين وغيرهم بالإسلام الحقيقي، الذي يعطي القوة والثروة والحياة السعيدة، وهذا فرض على كل الحكام في كل العالم العربي والإسلامي، وإلا فإنهم مسئولون أمام الله، وأنا مبلِّغ، وقد أدَّيت الأمانة، وأنا مستعدٌ للعمل وإذا دُعيت فسألبي.

ويجب أن يُنتقى لجنة من كبار العلماء، الذين عُرفوا بالعقلية الناضجة، والفكر المنوَّر، للتعريف بالإسلام الحقيقي، الذي ينقل الإنسان من الضعف إلى القوة، ومهمةُ هذه اللجنة أن تضع برنامجاً لإيقاظ العرب، بعيداً عن البرامج التقليدية المعروفة للمسلمين... نحن بحاجة أن نُعلِّم الناس ما يفتقدوه وما هم بحاجة إليه، فلنحرص جميعاً على العمل لإعادة بناء مجد هذه الأمة، والدفاع عن حقوقها ومقدساتها.

إن إسرائيل كتبت على باب برلمانها:

من النيل إلى الفرات، وليس هناك قريب وبعيد.