الدعوة الإسلامية المعاصرة - طموحات ومشكلات - 1
الدعوة الإسلامية المعاصرة - طموحات ومشكلات - 1

حوار مع سماحته أجراه مراسل جريدة الخليج الصادرة في الشارقة دمشق في 17/12/1996م

1996-12-17

بسم الله الرحمن الرحيم

السؤال الأول: تزداد تجربتكم في الدعوة والإرشاد رسوخاً ونجاحاً منذ ما يزيد على خمسين عاماً، كيف يستطيع الدعاة تحقيق النجاح في عالم يمر بالتيارات والأفكار المتضاربة؟

الجواب:

بحسب تجاربي في ميدان الدعوة منذ خمسين عاماً، ما رأيت الدعوة فشلت في ميدان من الميادين، إن كانت مع الشعب أو مع رجال الحكم والدولة على اختلاف الظروف واختلاف الحكومات..

فما مر عهد إلا واستطعت أن أُحقق مكاسب للإسلام، واستطعت إزالة كثير من المنكرات بعون الله تعالى وخلال عملي في الدعوة وزيارتي لكثير من البلدان من أمريكا إلى اليابان إلى الاتحاد السوفيتي السابق لم أرَ أن الإسلام فشل في معركة من المعارك..ويعود هذا النجاح إلى الدعوة حسب التوجيه القرآني {بالحكمة والموعظة الحسنة} و {فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى}.

الإسلام ناجح.. وما يجب علينا هو إعداد الدعاة الذين يؤهلون للدعوة، وعدم نجاح بعض الدعاة يعود فيما أعتقد إلى النقص في إنتاج الداعي الناضج والناجح. إن كليات الشريعة ومعاهد التعليم الشرعي في العالم الإسلامي تملك برامج تعليمية جيدة، لكن ينقصنا برنامج لبناء الشخصية الإسلامية الواعية المُزودة بالتربية الروحية والأخلاقية وبرنامج آخر للتدريب العملي على أساليب الدعوة إلى الإسلام، فكما أن الطبيب بحاجة للتدريب على يد خبيرة، فكذلك يحتاج الداعي للتدريب على يد العلماء والحكماء الخبراء الذين أثبتت التجارب نجاحهم، إن عالم الدين إمام يعلّم الناس بحكمته وسلوكه.. وبالقدوة الحسنة. وأعتقد أن الداعي ينجح إذا قامت شخصيته على فقه القرآن فهماً وعملاً إلى جانب فقه الحكمة في كيفية مخاطبة الناس والتحدث إليهم بحسب قابليتهم وبحسب عقولهم وعليه أن يكون في مستوى عالٍ من الأخلاق وال سلوك، لأن الناس يتعلمون من أعماله أكثر من أقواله.

السؤال الثاني: تقومون بدور بارز في تنشيط الدعوة وتصويب مسار الدعاة، هل هناك شروط يجب أن تتوفر في الداعي لتحقيق مهمته، وما هو توجيهكم للدعاة؟

الجواب:

أولاً أقول: أزمتنا وأزمة العالم الإسلامي اليوم، أزمة قادة وعلماء تتمثل في نفوسهم وقلوبهم وأعمالهم الوراثة النبوية بكل ما فيها من صفات وأخلاق وتوجيه، نحن بحاجة إلى علماء مُنقذين

مجاهدين يرون فرضية تعلم العلوم النافعة، وأن كفاية المجتمع الإسلامي بكل أنواع الصناعات والإنتاج فريضة، والذين يرون فرضية محاربة الفقر والجهل والمرض كفرضية محاربة الفسوق والفجور وكبائر المعاصي من زنى وشرب الخمر ولعب القمار...

نحتاج إلى علماء ودعاة لا يتركون نوعاً من أنواع العلوم النافعة لأُمتهم سواء كانت العلوم أرضية أو سماوية، دينية أو دنيوية، مادية أو معنوية إلا نشروه، وأقاموا المجتمع الإسلامي على قواعد العلم الصحيحة وروح الإسلام السمحة، قال تعالى: {ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار} و قال أيضاً: {وابتغِ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنسَ نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك}.

لذلك لابد لهذا الداعي أن يكون مؤهلاً وعنده الموهبة والاستعداد وسلامة الفطرة وقوة الشخصية واعتدالها، وحسن العقل ونضوجه بما يؤهله من حيث المبدأ للقيام بمهمة الدعوة إلى الله، هذه المهمة الخطيرة والتي تمثل عمل الأنبياء والمرسلين، وقيادة الأُمة وتحمل المسؤولية، هي أعظم مسؤولية في الأرض، ويجب أن لا يدخل إلى نطاق الدعوة و التعليم الديني ومؤسساته أحدٌ إلا بعد امتحان وانتقاء، يقوم بذلك خبراءٌ بالدعوة وعلماءٌ في النفس.

ومن شروط الداعي أن يكون مُزوّداً بالعلوم الشرعية من كل جوانبها معتمداً على القرآن المُفسر بسيرة النبي صلى الله عليه وسلّم، وملماً بما يحتاجه من علوم الكون والحياة، بما في ذلك إتقان اللغة الأجنبية إن أراد الدعوة إلى الله في بلد له لغة مُختلفة.

ومن شروط الداعي أن يخضع لدورات تأهيله عمليه سلوكية روحيه تربوية وأخلاقية، حتى تتزكى روحه وتصفو نفسه، وتتحلى نفسه بفضائل الأخلاق، ويكون ذلك بإشراف علماء ومربين لهم دورهم وتاريخهم وتجربتهم الناضجة في هذا الميدان.

ومن شروط الداعي أن يكون ذا عقل حكيم، فيفهم واقعه ويعمل بحسب الإمكان، فلا يستعجل الأشياء قبل وقوعها أو يهملها، ويعرف ارتباط الأسباب بالمسببات، ويضع الأشياء في مواضعها، ويزن كل أعماله بميزان العدل، فيعدل بين مُتطلبات الروح والجسد والعقل، بين الدنيا والآخرة، فلا يترك آخرته لدنياه ولا العكس، يزن كل شيء بميزان الشرع والعقل، عقل يتمتع بالعلم والحلم والأناة، وضده الجهل والطيش والعجلة فلا إفراط ولا تفريط، ولا تساهل أو تزمت قال تعالى: {وكذلك جعلناكم أُمة وسطاً}(سورة البقرة: [ الآية: 143 ].).

ومن شروط الداعي وصفاته الإخلاص لله وحده، والصدق في نيته، فيجعل شعاره الدائم في كل حركاته وسكناته: إلهي أنت مقصودي ورضاك مطلوبي، فلا غاية له ولا رغبة إلا هداية الناس بما يرضي الله، فلا طمع بمالٍ أو جاه أو مكافأة {قل لا أسألكم عليه أجراً}(سورة الأنعام: [ الآية: 90 ].) والإخلاص لله يجعل الداعي مُحتسباً في دعوته ومتفائلاً وواثقاً من نصر الله وتأييده {وجعلنا منهم أئمةً يهدون بأمرنا لما صبروا، وكانوا بآياتنا يوقنون}(سورة السجدة: [ الآية: 24 ].).

السؤال الثالث: تقيمون منذ سنوات دورات للدعاة من مختلف أنحاء العالم، ولا سيما من دول الا تحاد السوفيتي السابق، هل يمكن أن نطّلع على النتائج التي تحققت والأهداف التي تطمحون لتحقيقها من هذه الدورات؟

الجواب:

ما حملني على إقامة هذه الدورات هو ما رأيته من واقع أئمة المساجد... فقد زرت دول الإتحاد السوفيتي السابق عدة مرات، ومنها زيارات في عهد الشيوعية، و لاحظت أن الكفاءة العلمية لبعض الخطباء والأئمة ضحلة.....والسبب أنه لم يكن في الإتحاد السوفيتي سوى مدرسة دينية واحدة يدرس فيها سبعون طالباً، بينما كان عدد المسلمين أكثر من سبعين مليوناً، وكان التعليم فيها في منتهى البساطة، وقد حاولت مع المسئولين السوفييت زيادة عدد الطلاب، فتم رفع عدد الدارسين إلى ضعف ما كان عليه وُفتحت كلية إسلامية في العهد الشيوعي، وبعد انتهاء الشيوعية فكرنا بحال المسلمين هناك، فرأينا دعوة الأئمة والخطباء لتقويتهم وتنمية أهليتهم لقيادة المسلمين وتعليمهم، وأقمنا لهم دورة تأهيلية مدتها نحو مائة يوم، أُلقيت فيها محاضرات مكثفة تستوعب كل ما هو ضروري، وأعتقد أنهم حصلوا على أشياء مهمة جداً وخاصةً في مجال الخُبرات الدعوية مما يحتاجون إليه، وقد تجلى ذلك واضحاً من خلال الرسائل التي وصلتنا من بلدانهم تشكر هذا العمل وتدعوا إلى استمراره.بعد ذلك توسعت الدورات وشملت الخطباء والأئمة من دول أميركا وأوروبا واليابان والصين والدول الإسلامية في آسيا الوسطى، وقُسمت إ لى ثلاث فئات، وأُلقيت عليهم المحاضرات بعدة لُغات ( عربية، إنكليزية، روسية، وكل مشترك حسب لغته ) وخلال الصيف الماضي كانت الدورة الرابعة، وقمنا بتزويدهم بالكتب الضرورية والمراجع بعد انتهائها، وقد تولت جمعية الأنصار الخيرية ( التي أرأسها ) الإنفاق على هؤلاء الأئمة والخطباء بكل ما يحتاجونه من إقامة وطعام وسكن وتعليم وكتب دراسية ورعاية صحية، ونرجو من الله القبول.

السؤال الرابع: هل يأتي عملكم هذا لملء الفراغ الإيديولوجي بعد انتهاء الشيوعية، وقيام صراع تتسابق فيه عدة جهات للسيطرة على المنطقة؟

الجواب:

أخذنا بعين الاعتبار وجود زحف تنصيري صهيوني استعماري على الدول الإسلامية التي كانت منضوية تحت الإتحاد السوفيتي، والمطلوب الآن أن يساهم الذين يملكون الطاقات والإمكانيات من حكام المسلمين وأغنيائهم والمنظمات الإسلامية العالمية بالاهتمام بالمسلمين في تلك المنطقة.

السؤال الخامس: تُفيد المعلومات عن وجود أربع بعثات للدعوة الإسلامية في أفريقية، يقابلها ألف إرسالية تنصيرية ما هو تقييمكم لهذا الواقع؟

الجواب:

المسلمون مع الأسف لم ينتبهوا بعد لهذا الخطر الداهم، وحيث أن الإرساليات التنصيرية غايتها

استعمارية، والإسلام انتشر في أفريقية عن طريق الدعاة المُتصوفين، فلا بد من تكريس الجهود وتسخير الامكانات والطاقات بشكل أكبر وأكثر فعالية.

والمسؤولية تقع على عاتق الجميع، على الحكام وعلى علماء الدين وعلى رجال المال والاقتصاد، كلٌ من موقعه وبحسب إمكاناته.... والمشكلة ليست في عدد البعثات فقط، بل بنوعية الدعاة وكفاية عددهم، وكيف نربيهم ونعلمهم ونختارهم، والداعي الحقيقي إذا وُجد كان خيراً من عشرات البعثات المؤلفة من أشخاص عاديين لا يصلحون للعمل في مجال الدعوة.....

اقرؤوا تاريخ ( الدعوة إلى الإسلام ) تأليف توماس أرنولد، لتجدوا كيف انتشر الإسلام أولاً في أفريقية وغيرها من القارات، لم يكن هناك بعثات أصلاً، إنما كانوا دعاة حقيقيين، رأى الناس من خلالهم الصورة الصحيحة عن الإسلام، فأقبلوا عليه إقبال الظمآن على الماء العذب ليرتوي، فكل مسلم يمكنه أن يكون - بل بجب أن يكون - داعياً إلى الإسلام بسلوكه وتعامله مع الناس، بحاله قبل مقاله، ونرجو من الله أن يتعاون الحاكم والعالم والغني على نشر الإسلام.

السؤال السادس: اقترحتم في حديثٍ سابق إقامة مجلس يتألف من حكماء العالم الإسلامي هل يمكن أن تشرحوا وجهة نظركم في هذا الجانب؟

الجواب:

أقترح العمل على تأسيس مؤسسة تجمع حكماء العلماء، لأنه ليس كل من حمل الشهادة ودرس الشريعة يصلح لأن يكون مُرشداً، فلكل إنسان مقدرته واستعداده ومواهبه.

فلذلك أدعو إلى أن ينتخب من كل بلد حكماء العلماء الذين نجحوا في إعادة البناء وتجديد الإسلام في القلوب والواقع والمجتمع. وأن تكون هذه المؤسسة مرجعاً في كل الشؤون الإسلامية، وتساهم الدول وأغنياء المسلمين في إمدادهم بكل الطاقات المعنوية والمادية لإعادة بناء الإسلام وتجديده في المسلمين ليقوموا بدورهم في خدمة الإنسان وبناء السلام والإخاء والرخاء في العالم لأن الله تعالى يقول { وما أرسلناك إلا رحمةً للعالمين}.

السؤال السابع: هل ترون أن تكون هذه المؤسسة رسمية أو شعبية على مستوى العلماء؟

الجواب:

العلماء لا يتخلفون إذا دُعوا، وما أُؤكد عليه أن يُؤتى بحكماء العلماء، وأرى أن يُعقد خلال مُدة الحج - قبله أو بعده بأيام - مؤتمر بمثابة هيئة أُمم إسلامية يبحث شؤون المسلمين عملاً بقوله تعالى:

{ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله} و بذلك يكون الحج مناسبة مهمة لبحث شؤون المسلمين ووضع الخطط التنفيذية لحل مشكلاتهم حيث يحضر المسلمون فيه من كل أنحاء العالم ويمثلون اليوم أكثر من خمسين دولة.

السؤال الثامن : أشرتم في مناسبات عديدة إلى استخدام القنوات الفضائية في الدعوة، كيف يمكن أن تقوم هذه القنوات بدورها، و أغلب المشاهدين يرغبون ببرامج التسلية والترفيه؟

الجواب:

لي تجربة في الدعوة عبر التلفزيون منذ نحو ربع قرن.. كنت أُلقي حديثاُ تلفزيونياً كل أسبوع وكان الناس يتابعونه حتى من غير المسلمين. وأعتقد أن الداعي إذا كان يحمل الكفاءات المطلوبة في الدعوة إلى الإسلام فسيجد المشاهد ما يجذبه للاستماع إلى الإسلام الذي يريد إسعاده في كل ميادين الحياة، وحتى الترفيه يمكن أن يكون له دور في بناء الإنسان حسب المنهج الإسلامي. وإذا كان حديث الداعي مستجمعاً للمعاني التي تتجاوب مع أذواق المشاهدين فسيجد التجاوب منهم.

يجب على المتحدث أن يحدث المشاهد بما يقبله جهازه العقلي والفكري والواقعي.. وأعتقد أن الناس كلهم بخير، ومن خلال لقائي بكل فئات الناس على اختلاف أديانهم ورجال السياسة في معظم البلدان لم أرَ أن الإسلام فشل أبداً، وكنت أجد من الجميع آذاناً ُمصغية.

السؤال التاسع : كيف يستطيع المسلم اليوم أن يتأقلم مع العصر مع الحفاظ على دينه؟

الجواب:

المفترض بالمسلم أن يتابع تقوية ثقافته الإسلامية وأن يكثر من مجالسة الدعاة والصالحين، وبذلك يتحصن داخلياُ ونفسياً ويستطيع أن يعيش بسلام وطمأنينه إيمانية وليشترط للمسلم أن يساير العصر بكل ما فيه أو يرفضه بكل ما فيه، على المسلم أن يأخذ المفيد ويبتعد عن الضار...إن الإسلام قادر على إيجاد نظام حياتي أكثر سعادة وانسجاماً مع طبيعة الإنسان.

حياة تتوازن فيها المادة مع الروح وتنسجم مع حاجات الإنسان اليومية، حياة تظللها الفضائل.. وترفض كل ما يؤذي الإنسان، وكل هذا من الحقائق الثابتة وليس كلاماً عاطفياً أو خيالياً....

السؤال العاشر: تشاركون في مؤتمرات دولية، ومنها مشاركتكم ممثلين عن الأديان الأخرى... ما الجدوى من أمثال هذه المؤتمرات؟ وهل لها انعكاسات ايجابية على الواقع الإسلامي؟

الجواب:

المؤتمرات الدولية مناسباتٌ مهمةٌ ينبغي أن نشارك فيها، ونستغل فرصتها لتعريف العالم الإسلامي الصحيح، حيث إن هناك جهات تُشوّه الإسلام من المسلمين ومن غيرهم، وتُعطي صورة سيئة عنه... فيجب أن نُعرّف بالإسلام الصحيح و موقفه من القضايا المختلفة.

والمؤتمرات فرصٌ ثمينةٌ، ينبغي الاستفادة منها لمخاطبة كبار المفكرين والمثقفين، من شتّى الديانات والاتجاهات، لنسمعهم كلام الله، ونطرح عليهم مبادئ الإسلام السمحة العظيمة.

وأما انعكاسات ذلك على الواقع الإسلامي، فنحن نرى ونلمس أنَّ العالم قد أصبح قريةً صغيرة، وكلُّ تأثير إيجابي لصالح قضيةٍ ما، سيكون له انعكاساته الإيجابية في شتى الاتجاهات....

فالواقع الإسلامي ليس ِبمَعزل عن هذا العالم المتفاعل مع نفسه على كل المستويات والمؤتمرات الدولية مجالٌ للدعوة والحوار والمجادلة بالتي هي أحسن،

قال الله تعالى: {ادعُ إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي حسن}( سورة النحل: [ الآية: 125 ].).

وإننا بالدعوة الإسلامية، بالحكمة والموعظة الحسنة، نستطيع أن نكون في كلِّ مكانٍ من العالم، خلف الخطوط وأمامها.

السؤال الحادي عشر: تبقى قضية التطرف والعنف تحت قناع الإسلام من أهم القضايا التي تشغل العالم.... ما هو تحليلكم وتفسيركم لهذا الوضع؟ وكيف ترون السبيل لتصحيحه؟

الجواب:

يجب أولاً أن نعرف دوافع هذا التطرف وأسبابه... فالشباب المسلم الآن، الذي ينشأ فيدرس تاريخه، ويعرف ماضيه، وما كان عليه من عظمةٍ وعالميةٍ وتقدم... ثمّ يرى ما يعانيه المسلمون اليوم من ضعفٍ وتمزقٍ وتقهقرٍ وتسلط الأعداء... هؤلاء يجدون الحلّ والخلاص بالإسلام.

والشباب المسلم- والمتدين منه بصورةٍ خاصة - تكون رغبته وحماسته متناسبة مع شبابه، فيندفع بهذا الحماس، بقصد إعادة بناء الإسلام وتجديده، ولكن قد تنقصهم الحكمة، ليعرفوا كيف يبدؤون، وكيف يحققون هذا الهدف الذي هو هدف كل المجتمع الإسلامي وحسب ما أُقدّر: هناك تسرّع بالأمور، وأرى أن يدرس الحكام والشعب بكلِّ فئاته أسباب ظاهرة التطرف....

وبالنسبة لمن يُسمون ( بالأُصوليين ) - وأنا أسميهم الشباب المسلم المتحمس لإسلامه _ فيجب على الحكومات الإسلامية أن تتلقاهم بصدرٍ رحب، وأن تحاورهم، ويجب أن نعلمهم أن الأمور التي يريدونها، لا تتحقق في يومٍ واحد، ولا في شهرٍ واحد، و أن النبي صلى الله عليه وسلم - على ما أُوتي من عناية ووحي السماء - بقي في مكة والمدينة 23 سنة لبناء الإسلام.وعلى العاملين في إعادة البناء الإسلامي استعمال الحكمة والتدرج، والإيجابية، والتفاهم، والحوار مع حكوماتهم. وبالمقابل، يجب على رجال الحكومات في العالم الإسلامي، أن يتقبلوا هؤلاء بصدرٍ رحب... وهذا اللقاء والحوار هو ما يُحبّه الله ورسوله، وهو ما يبغضه أعداء الإسلام.

وبعدم وجود التفاهم، لن تصل كل الفئات إلى النتيجة المطلوبة، وبعدم وجود الشرائط المطلوبة سيستفيد العدو، وقد يؤول الأمر إلى تدخل بعض القوى الخفية بين الطرفين، فسيؤن إلى الحكومات، وإلى الشباب المتحمس (الذين يُدعون بالأُصوليين).

السؤال الثاني عشر: ما رأيكم بأعمال القتل والعنف تحديداً؟

الجواب:

يجب أن نفرق بين الذين يريدون عودة الإسلام بالعمل الإيجابي، وبين الذين يمارسون العنف والقتل والتدمير.... أنا لا أتصور أن مُسلماً يؤمن بالله واليوم الآخر يذبح النسوة !! هذا من تدبير الأيدي الخفية، ولا أعتقد أن قتل الأبرياء من عمل المسلمين، فالنبي صلى الله عليه وسلم أوصى أسامة بن زيد عندما أرسله إلى الشام: أن لا يقتلوا امرأ ةً ولا وليداً ولا شيخاً فانياً...

وأؤكد هنا على وجود قوى خفية تدخل بين الشباب المُتحمس تشوّه الإسلام، وتزيد النار ضِراماً بين الحكومات وبين الشباب المسلم المتحمس، ليزيدوا المجتمع الإسلامي والعربي ضعفاً على ضعف.

وكل ما أرجوه من الحكومات ومن الإسلاميين أن يلتقوا، فالله تعالى دعا أهل الكتاب للحوار:{ قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمةٍ سواء بيننا وبينكم}(سورة آل عمران: [ الآية ك 64 ].).

ومن باب أولى أن يتحاور المسلمون فيما بينهم. إن قتل المسلم أمره عند الله أكبر، ولكن المشكلة أن نفلح في أن نتكلم من موقع الأطباء، وليس القضاة... الفتاوى لا تحل المشكلة في إصلاح ذات البين، بل المطلوب التقريب بين وجهات النظر.

السؤال الثالث عشر: هل يمكن اللقاء بين الحكومات والإسلاميين؟

الجواب:

التقاء الطرفين ليس صعباً... ويجب أن تعمل المؤسسات الإسلامية القيادية، كمنظمة المؤتمر الإسلامي، والأزهر، والمنظمات الإسلامية العالمية الأخرى، يجب أن تعمل على الصلح بين الطرفين، تحقيقاً لقوله تعالى: { فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم }(سورة الأنفال: [ الآية: 1 ].) يجب علينا تحقيق الصلح في الجزائر والصومال وكل المناطق المشتعلة في العالم الإسلامي. فالمشكلة أنّ النار تشتعل مع وجود وسائل الإطفاء الأمر الذي يعني أننا لا نستعمل وسائل الإطفاء على الوجه المطلوب.

السؤال الرابع عشر : هناك تعبير (الأصولية ) كإشارة إلى الشباب المتمسك بدينه، ما هو مفهومكم لهذا التعبير؟

الجواب:

الأصولية مصطلح غربي، يعني الإصرار على الرأي بلا تراجع. وقد أطلقت أوروبة هذه التسمية على بعض القوى التي ظهرت فيها. والأصولية بهذا المعنى غير موجودة عند المسلمين، وإنما هناك الشباب المتحمس الذين يريدون تطبيق الإسلام.

السؤال الخامس عشر: ما هي نصيحتكم لهؤلاء؟

الجواب: لو كنت عندهم وُيصغون إلى كلامي أقول لهم: إن إعادة بناء الإسلام لا يكون بالطريق السلبي، وطريق المجابهة.... بل بطريق الحوار والصبر وعدم الاستعجال. ولو كنت حاكماً، فسأستقبلهم بصدرٍ رحب، وأحاورهم، وأقابلهم مقابلة الآباء للأبناء، وأترك لهم مجالاً للتعبير عن آرائهم، ضمن منهج يخدم الأمة والمجتمع، ولا أغلق عليهم كل المنافذ....وكل شيء بالإخلاص والصبر، يُؤتي الثمرة الإيجابية الناجحة، وهذا ما أعتقده وما جربته، وكانت له نتيجة إيجابية، للدولة والمجتمع وأفراد الأُمة.

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه.
والحمد لله رب العالمين