الدعوة الإسلامية المعاصرة- طموحات ومشكلات -2
الدعوة الإسلامية المعاصرة- طموحات ومشكلات -2

حوار مع سماحته أجراه مراسل جريدة (المسلمون) دمشق في عام 1996م

1996

بسم الله الرحمن الرحيم

السؤال الأول: ما هو دور العلماء ورجال الإفتاء خاصة في تبصير الأمة بواقعها السيئ وكيفية النهوض بالأمة الإسلامية لقيام بناء حضاري شامل؟

الجواب:

من خلال تجاربي الشخصية في ميدان الدعوة منذ 60 عاماً لم أر أن الدعوة فشلت في ميدان من الميادين سواء كانت مع الشعب أو مع رجال الحكم والدولة على اختلاف الظروف والحكومات. والعمل الإسلامي حالياً أفضل منه قبل (50) سنة، فقد ازداد وعي الناس وحبهم للإسلام، والآن أكثر الكتب مبيعاً هي الكتب الإسلامية، وهذا شيء معروف ومشهود في شتى بقاع العالم الإسلامي، وللعلماء دور كبير في نشر الإسلام وتوعية الأمة لما يهددها ويحاك ضدها من أخطار، والله سبحانه وتعالى بشرنا بالنصر إذا قمنا بالدعوة إليه وأدينا ما أمرنا به من واجبات، والواجب على كل المسلمين العمل لإعادة بناء الأمة وتصحيح مسارها، كل حسب موقعه، سواء في الحكم أو من يقومون على شؤون الثقافة والدين والتربية الإسلامية، وكل حسب استطاعته، والتعاون واجب علينا جميعاً، التعاون لإعادة البناء على أساس قرآني، وهذا هو الأساس الذي أقام عليه سلفنا الصالح حضارتهم، التي امتدت من الشرق إلى الغرب، وهذا ما جعلهم يتفوقون على العالم، فالأمر ليس فقط مرتبطاً بالدعاة بل بالمجتمع بوجه عام، فالجميع مطالب بالعمل لإعادة البناء الإسلامي، وأنا أؤكد أن القرن القادم هو قرن الإسلام إن شاء الله.

السؤال الثاني: كيف ترون مستقبل الدعوة الإسلامية في عالم اليوم، وما هي السبل الكفيلة بتجاوز العقبات التي تعترضها؟

الجواب:

النصر لنا وهذا وعد من الله ورسوله، فقد قال صلى الله عليه وسلم: ((ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار...))(رواه أحمد والطبراني والحاكم والبيهقي وسعيد بن منصور عن تميم (كنز العمال 1/268).) وفي عصرنا الحاضر نلاحظ إرهاصات على عدة مستويات، فمع كل ما تعرض له المسلمون من حروب لإبادتهم وللقضاء على دينهم قديماً وحديثاً من قبل الشرق والغرب، لم يفلح أعداء الإسلام بتحقيق مآربهم.

ومع ذلك فإن الدين الحق ودعوة الحق سوف تظهر وسوف تهيمن والقرن الحادي والعشرون هو قرن الإسلام، فهو الدين الذي يبحث عنه الغرب والشرق، ففي مجمع أبي النور الإسلامي بدمشق يرد إلينا كبار الشخصيات من مختلف دول العالم من مفكرين وباحثين وقيادات مشهورة ممن يرغبون بدراسة الإسلام والتعرف عليه عن قرب، وكمثال على ذلك، في عام 1992م أتى إلينا أحد رؤساء طائفة (الأوموتو) اليابانية وبعض أركان طائفته وأقاموا عندنا في المجمع حيث أعلنوا إسلامهم على الملأ وأمام أكثر من 20 ألف شخص من المستمعين الذين يحضرون الدرس الأسبوعي يوم الجمعة، وفي مكة سالت دموعهم وبكوا مما فتح الله عليهم ومما عرفوا من الحق، والإسلام ينتشر الآن باليابان، وبالمناسبة دين (الأوموتو) في اليابان هو أحد الأديان الرئيسية هناك، وهي ثلاثة أديان، وهم يخبروننا الآن بأخبار سارة عن انتشار الإسلام بين أبناء طائفتهم هناك، هذا في الشرق أما في الغرب فإن الإسلام أشد وأسرع انتشاراً، ومنجزات الدعوة الإسلامية تتقدم بخطوات كبيرة وسريعة، ففي أوروبة وأمريكة أصبح للمسلمين آلاف المراكز والمساجد والمدارس الإسلامية، ولا يمر يوم إلا ويرتفع فيه عدد معتنقي الإسلام، ولقد استطاع بعض الدعاة الذين أرسلناهم إلى هناك أن يؤثروا بعدد وافر من كبار القوم، فقد جاءنا منهم على سبيل المثال الدكتور فاروق عبد الحق (روبرت كرين) المستشار السابق للشؤون السياسية للرئيس الأمريكي نيكسون - وبعض أساتذة الجامعات الأمريكية من المسلمين، وشاركوا معنا في الدورة التأهيلية العالمية للدعاة، ودرسوا الشريعة والإسلام لمدة ثلاثة أشهر في دمشق، وعادوا لبلدهم ليرسلوا لنا أعداداً ممن هداهم الله للإسلام.

وهذه الدورات تضم حالياً المئات من المسلمين الجدد من شتى بقاع العالم وبخاصة من جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق.

وفي رأيي، المستقبل لنا، قالت لي مرة صحفية هولندية مسلمة: أنا لا أفهم معنىً لقوله عليه السلام: ­­­­­­((لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها))(خرجه مسلم في كتاب [الإيمان]، باب (بيان الزمن)، رقم (248). كما أخرجه أبو داود وابن ماجه وأحمد عن أبي هريرة. (انظر: كنز العمال 14/206).) أنا لا أفهم معنى له إلا أن أوروبة سوف تعتنق الإسلام عن دراية وفهم، وتحقيق وعلم، ثم تبزغ شمس الإسلام من المغرب الأوروبي إلى المشرق العربي والإسلامي. فالغرب رأوا في الإسلام دين العقل والمنطق، وكل ما تهفو إليه النفس الإنسانية والعقل السليم، ولعل الفيلسوف الإنكليزي برناردشو قد تنبأ بمستقبل الإسلام عندما قال: (إنه لا يمضي قرن واحد حتى يعم الإسلام أوروبة بكل أرجائها).

إسلام روجيه جارودي مفكر الحزب الشيوعي الفرنسي، وموريس بوكاي عالم الأجنة المشهور، وأستاذ الإلهيات والدين المسيحي محمد أسعد الذي كان يدرس النصرانية في الفاتيكان، وروبرت كرين، وغيرهم كثير من أعلام الغرب، كل ذلك دليل قاطع على أن المستقبل لهذا الدين وأننا مؤيدون بنصر الله عز وجل، ومازال الدين هو أساس الحياة، ولم يستنفذ أغراضه، وسيبقى هكذا إلى قيام الساعة.

السؤال الثالث: ما هي الطريقة المثلى للدعوة الإسلامية في عصرنا الحاضر؟

الجواب:

مما لاشك فيه أن استخدام وسائل الإعلام هو من الأهمية بمكان، لأنها الأكثر انتشاراً وتصل لأكبر عدد ممكن من البشر، وأنا من المهتمين باستخدام الإعلام في مجال الدعوة، ولي تجربة فيها عبر التلفاز والإذاعة ترجع لأكثر من ربع قرن من الزمان وحالياً في المحاضرة الأسبوعية في مجمع أبي النور نحن نقوم بتصوير المحاضرة وخطبة الجمعة تلفازياً وتسجيلها إذاعياً مما يسهل على أجهزة التلفزة نقلها مباشرة وتسجيلها إذاعياً كما توجد أجهزة للترجمة الفورية باللغات الإنكليزية والفرنسية والروسية، بحيث يفهمها غير العرب ممن يستمعون المحاضرات، وهم يأتون بكثرة لزيارتنا وبخاصة يوم الجمعة، وقد أسلم الكثير منهم نتيجة حوارات ولقاءات، وبعد سماعهم لمحاضرة يوم الجمعة التي تلقى في المجمع. فأنا أدعو الآخرين لزيارتنا والاستفادة من خبراتنا في هذا المجال، وأعتقد أن الداعي إذا كان يحمل الكفاءات المطلوبة في الدعوة إلى الإسلام فسيجد المشاهد ما يجنبه للاستماع إلى الإسلام، ومن غير الممكن أن نبقى متلقين لإعلام الغير، نحن أهل الثقافة الواسعة والمشروع العظيم الذي ينقذ البشرية من ضلالتها، ولا يوجد من يخصص قناة واحدة للدعوة الإسلامية، والتي يجب أن يُفَرَّغَ لها أعظم المواهب والطاقات البشرية، وأن تقدم البرامج المتميزة القادرة على المنافسة، إنني أعتقد أننا لو أعطينا أهمية للإعلام الإسلامي وللدعوة عبر الإعلام لوصل الإسلام بمبادئه وأخلاقه إلى كل إنسان يعيش على هذه الأرض.

السؤال الرابع: هناك نظريات تتحدث عن صراع الحضارات، وبخاصةٍ الحضارة الإسلامية والمسيحية من خلال الأحداث التي عصفت بالمسلمين في قرنهم الحالي وما عانوه في السابق. كيف تنظرون لمثل هذه النظريات؟

الجواب:

لقد عملت منذ سنوات للحوار بين الأديان، ولنشر المحبة بين البشرية، وكلنا يعلم أن الإسلام دين السلام، وقد ألقيت الكثير من المحاضرات في جامعات أوروبة واليابان وأمريكة متحدثاً عن مفهوم الإسلام وسماحته، وعن موقف الإسلام من الأديان السماوية، وحدث أن دُعيت إلى الفاتيكان وألقيت محاضرة عن (مستقبل الدين الإسلامي في العصر الحديث) وأعجب الحاضرون بها وتحاورت مع البابا أكثر من ساعة.

وفي إحدى كنائس واشنطن ألقيت محاضرة عن (الإسلام والإيمان والسلام) نالت إعجاب راعي الكنيسة فاعتبرها موعظة الصلاة لذلك اليوم، وفي رحلاتي الطويلة للشرق والغرب التقيت بقادة معظم الدول ومع الملحدين ومع النصارى ومع البوذيين، كان لي حوار في الكرملين مع رئيس مجلس القوميات الأعلى في زمن الشيوعية، وبعد الحوار قال لي: (إذا كان الإسلام كما قلت فهو شيء حسن). وفي جميع المؤتمرات عندما نتحدث عن ديننا بالحكمة والموعظة الحسنة نرى الحاضرين يذهلون لعظمة هذا الدين، وذات مرة ألقيت محاضرة عن الإسلام في واشنطن أذيعت في معظم الولايات الأمريكية، ففي نظري أننا بأيدينا قيادة العالم نحو السلام وبأيدينا نجرّه للحروب، فبإدخاله في الإسلام سلام للعالم، والعالم يبحث عن القيم الروحية التي تعيد له صفاءه، وهي موجودة في الإسلام، والغرب لا يخاف من الإسلام ومن يكتب ضده هناك هو من الجاهلين بجوهر الإسلام، والغرب يخاف من الصور المشوهة التي تقدم له عن الإسلام.

والأديان بطبيعتها أتت لتحقيق أخوة الإنسان مع أخيه الإنسان، والأخوة تقتضي التعاون والمساعدة الإنسانية، والإسلام والمسيحية واليهودية لا تدعو للصراع والقتال، قال عليه الصلاة والسلام: ((الخلق كلهم عيال الله فأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله))(رواه أبو يعلى والبزار عن أنس، والطبراني عن ابن مسعود.) فالإسلام دين التسامح والسلام، وما حصل من الصراعات والعداوات التي حصلت من قبل الصليبيين قديماً أو الأوروبيين حديثاً، كان هذا بسبب التعصب الأعمى وليس بسبب الدين، إذ إنَّ الدين لا يأمر بالاعتداء، وبوجود الإسلام الحقيقي الصافي سينتهي الصراع، فالإسلام دين يؤاخي بين الشعوب، ويدعو إلى السلام، وعلى أي حال سيبقى الصراع قائماً في العالم مهما اختلفت النظم والقيادات مادام التفاوت حاصلاً بين الشعوب ونظام القوة هو السائد، ولن يسود السلام إلا بالإسلام.

السؤال الخامس: عرف عنكم الدعوة إلى عدم التعصب للمذاهب في الإسلام فهل يتناقض هذا مع كونكم من الصوفية؟

الجواب:

أصحاب المذاهب وهم الأئمة المجتهدون الذين نسبت المذاهب إليهم لا يوجد واحد فيهم قال: تمسكوا باجتهادي ودعوا اجتهادات العلماء الآخرين بل جميعهم قالوا: (إذا صح الحديث فهو مذهبي وإذا عارض كلامي كلام رسول الله فاضربوا بكلامي عرض الحائط) فإذا كان الأئمة رضوان الله عليهم يقولون: لا تتمسكوا بأقوالنا وإنما بسنة النبي صلى الله عليه وسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: ((تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما كتاب الله وسنتي..))(رواه الحاكم عن أبي هريرة، (كنز العمال 1/173).)، وهذا ما يجب أن نتمسك به، وكل العلماء والأئمة إلى قيام الساعة ملزمون بالقرآن وبالبيان النبوي، والاجتهاد موجود في الإسلام، وهو مشروع في الأمور التي لا يوجد فيها نص قطعي الدلالة في القرآن والسنة، وشرع الاجتهاد رحمة بالمسلمين بسبب اختلاف الزمان والمكان وحاجات البشر، والتعصب المذهبي يكون دائماً من شأن قصار النظر وضعاف البضاعة العلمية بحقيقة الإسلام، وحقيقة ماكان عليه صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأصحاب المذاهب والأئمة رضوان الله عليهم، فالتعصب المذهبي في الإسلام يتنافى مع جوهر الإسلام وهدف الإسلام والقرآن صريح وواضح، لا يوجد فيه تعصب مذهبي و لا شيخ، ودائماً: {إنما المؤمنون أخوة}(سورة الحجرات: [الآية: 10].) ففي القرآن مذهب واحد وهو الإسلام {هو سماكم المسلمين من قبل}(سورة الحج: [الآية: 78].) لم يسمكم سنة ولا شيعة، ومن يحاول تمزيق المسلمين فهو يعمل ضد الإسلام. أما ذكرك أني من الصوفية فأنا منذ (15) عاماً أدعو لرفع هذه الأسماء وأن نكتفي باسم مسلم فقط، نرفع اسم صوفي واسم سلفي وغيره من الأسماء التي لا فائدة منها سوى فرقة المسلمين، وفي رأيي السلفية الحقيقية هي السير على منهج السلف الصالح وهي الإسلام، والصوفية الحقيقية هي التربية الإسلامية وإعداد المسلم لينتقل من إسلام الاسم إلى إسلام العلم والعمل والخلق والسلوك على ضوء القرآن، فما دامت الأصول واحدة فلماذا نتسمى بمثل هذه المسميات؟! لماذا لا نتسمى بالمسلمين ونضع الكل في الميزان، فما كان موافقاً لما كان عليه الرسول وصحابته الكرام فهو صحيح وما خالفه فهو باطل ومنبوذ، والصوفية دخل عليها الكثير من الدخائل الباطلة، وهذا مخالف للشرع، فمن الأفضل عدم التحزب لمذهب ما، بل العودة للأصل وللنبع الصافي، ومن طلبه وجده. سألني مرة سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز: بلغني عنك خبران متناقضان، خبر يقول بأنك صوفي وآخر سلفي، فأي الخبرين صحيح؟ قلت: كلاهما صحيح. فقال ابن باز: ولكنهما لا يجتمعان. قلت: أنا جمعتهما. فأنا صوفي وسلفي بآن واحد.

ومنذ (30) سنة فكرت في هذا الخلاف بين كلمتي صوفي وسلفي فهناك أناس ينتسبون للإسلام وهم دخلاء عليه قولاً وعملاً ويُحسبون على الإسلام، فهل نترك الإسلام بسبب أخطائهم؟! وكذلك التصوف هناك دخلاء ودخائل في الاعتقاد، والتصوف الحقيقي منها براء لأنه هو مقام الإحسان وتزكية النفس والعمل بالكتاب والسنة. وعلوم الإسلام كلها صار لها اصطلاحات لو سألنا عنها الصحابة لما عرفوها وكلها استحدثت من علماء المسلمين المتأخرين، وأنا لما رأيت هذه المصطلحات تثير البعض، قررت رفع المصطلحات الصوفية وإحلال تسميات من القرآن والسنة محلها، ولو تتبعنا الصوفية الحقة لوجدنا أنها تتلخص في الإكثار من ذكر الله، وابن تيمية في فتاويه جزء كبير مخصص للصوفية الحقيقية، وكتابُ مدارج السالكين لتلميذه ابن القيم من أرقى كتب التصوف الإسلامي.

وبالمناسبة هذا الكتاب مقرر عندنا في مجمع أبي النور الإسلامي في كليات الدعوة وأصول الدين، وعموماً اختلاف العلماء في الفقه ثراء للفقه الإسلامي ودليل قاطع على حرية الرأي في الإسلام، ولم تكن في يوم من الأيام مظهر فرقة واختلاف وتنازع بين المسلمين، والمسلم الحق في رأينا سلفي وصوفي معاً مادام لم يخدش حقيقة التوحيد.

السؤال السادس: أثناء زيارتك للشرق وللغرب خصوصاً ولقاءاتك مع قادة تلك الدول ومفكريها ما هو الانطباع الذي شاهدتموه عن تقبلهم للإسلام؟ وأيهم كان أكثر مرونة في تقبل الدعوة الإسلامية؟

الجواب:

زرت تقريباً معظم دول أوروبة والأمريكيتين وآسية، والتقيت بقادتها وكبار مثقفيها، حاضرت عن الإسلام في الكرملين وفي جامعات أوروبة وأمريكة وتحدثت عنه وشرحته لقادة سياسيين وأساتذة جامعيين ورجال كنائس وغيرهم.

خلال لقاءاتي مع الكثير من الحكام والمفكرين والساسة وجدت عند معظمهم استحسان المبادئ الإسلامية ولم أصادف أحداً منهم كله شر، بل كلهم يميلون للخير، ولكن الله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، والإسلام مقبول وهو يعلو ولا يعلى عليه، وهو في انتشار سريع بل هو أسرع الأديان انتشاراً على الإطلاق، على الرغم مما يعانيه أهله من الفرقة والتمزق والمشاكل الكثيرة ولكن يأبى الله إلا أن يتم نوره.

السؤال السابع: العلاقة بين العروبة والإسلام إشكالية أخرى تناولتها أقلام المفكرين بين مؤيد ومعارض، فأصبحت مثيرة للجدل فأين تلتقي العروبة مع الإسلام وأين يفترقان؟

الجواب:

أذكر على ذلك مثلاً بسيطاً... إذا نظرنا إلى طبيب اسمه أحمد فما الفارق بين اسمه وبين لقبه العلمي؟

اسمه علم على ذاته يعرف به بين الناس، وطبيب لقبه لأنه حمل علم الطب ومارسه، كذلك كلمة العرب والإسلام، العرب اسم علم لأمة في وطنها وأرضها وتتكلم بلغتها وأما الإسلام فهو العلم والعقل الحكيم الذي لا يخطئ والنفس المزكاة والمحلاة بمكارم الأخلاق، كذلك لا تناقض بين العروبة والإسلام، فالعروبة جسم والإسلام روح، فعروبة بلا إسلام جسد بلا روح.

السؤال الثامن: برأيكم ما أثر الغزو الفكري على الإسلام والمسلمين؟

الجواب:

بالتأكيد هو واضح، وأعداؤنا عندما عجزوا عن مقارعة الإسلام بالسلاح، انتقلوا بتفكيرهم إلى حرب الكلمة، فأفسدوا عقول المسلمين وأخلاقهم ووحدتهم وهممهم وعزائمهم نحو التطلع والاتجاه نحو المعالي، ونحن لم نُعِدَّ لهذا الغزو الدفاع الملائم، والإسلام لا يعرف الدفاع في هذا الأمر، بل هو مهاجم دائماً، ولكننا حالياً نفتقد قادة الفكر الإسلامي والتعليم الإسلامي البناءين للشخصية الإسلامية، فمتى وجد هذا العالم المعلم الحكيم فنحن نغزو ولا نغزى، بل الأفضل أن لا نسميه غزواً بل نشراً للحضارة والإخاء والحب، لأن الإسلام إذا غزا فيغزو القلوب ليملأها حباً وإخاءً وليظلل العالم السلام الذي يتمناه اليوم، لذلك يجب على كل من يملك طاقة من حكام المسلمين وعلمائهم وأغنيائهم أن يوحدوا الطاقات لنقف صفاً واحداً وننقذ العالم الإسلامي أولاً ومن ثم العالم أجمع من تخبطه وأنانيته وأطماعه، لأن ديننا ينقذ العالم عندما يتوفر المخلصون والداعمون له لأنه عندما يعرف العالم حقيقة الإسلام وثقافته وشريعته، فلن يسمع به أحد إلا وسوف يتقبله، وكل من سمع به واعتنقه أصبح داعية له وسمعت وقرأت أن الكثير من كتاب الغرب بدؤوا يتذمرون من واقع مجتمعاتهم وما وصلوا له من انحطاط خلقي واجتماعي وأصبحوا يرون في عقائدهم المعاصرة عدم الصلاحية لمواءمة القرن القادم، وإنني متيقن من أن الإسلام لابد وأن يعم العالم لأن إنسان هذا العصر مثقف ومتقبل للحقيقة التي لا يجدها إلا في الإسلام الذي يعترف بكل الأديان السماوية ويكملها ويقدسها.

السؤال التاسع: ما رأيكم بالسلام مع اليهود في ظل اغتصاب مقدساتنا الإسلامية في فلسطين المحتلة؟

الجواب:

مادام هناك اعتداء من قبل اليهود لا يوجد سلام، ومادام هناك ظالم ومظلوم لا يمكن أن يكون سلام، حتى ولئن حصل فهو سلام مؤقت، لأنه ليس هناك سلام مخلد لفئة من الناس وعدوان وظلم لفئة أخرى، والدهر دوار، والسلام إذا لم يكن قائماً على العدل والحق فلا يسمى سلاماً، فكيف نسالم اليهود وهم ينادون بالقدس عاصمة لهم، ويحاولون هدم المسجد الأقصى أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، كيف نسالمهم وقد توالت ولا تزال تتوالى اعتداءاتهم علينا، فلا سلام مع الظلم والعدوان، والسلام يكون بعد عودة الحقوق المغتصبة إلى أهلها.

السؤال العاشر: الأصولية والإرهاب والتطرف صفات أطلقها أعداء الإسلام على المسلمين ما هي الأسباب في رأيكم وهل من تفسير لذلك؟

الجواب:

كلمة أصولية بمعناها المتعارف عليه لا وجود لها في الإسلام، وهذه الكلمة من مصطلحات الغرب، وهي التي تعني في عرفهم كما يقول المفكر المسلم روجيه جارودي مفسراً لمعناها أنها فرض رأي أحد الطرفين على الآخر، فالنازية أصولية والشيوعية والفاشية والصهيونية أصولية، أما في الإسلام فلا إكراه في الدين، والإسلام دعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، وهذه التسميات ألصقها الغرب بالإسلام، فالتطرف والإرهاب والأصولية موجودة في كل مكان وزمان وليس لها علاقة بحقيقة الإسلام.



السؤال الحادي عشر: ما أكثر ما يحزن سماحة الشيخ من واقع الأمة الإسلامية؟

الجواب:

الجهل والتخلف الذي تقع فيه الأمة الإسلامية هو أكثر ما يحزنني، ويحزنني تفرق الأمة العربية والإسلامية وأن أرى أكثر من خمسين علماً في سمائها، ويحزنني ضعف كفاءة علماء الدين الإسلامي وقلة الموهوبين فيهم.

نحن نريد أن يعيد الإسلام دورته ويعود كما كان، هاهي الشيوعية قد سقطت، وقد توقعت سقوطها منذ الثمانينات، سقطت لأنها لم تلتق مع واقع الإنسان وحاجاته، والرأسمالية تلهث وراء المادة تاركة القيم الروحية، وستسقط في القرن القادم إن شاء الله، وهذا هو وقت الإسلام، فأين الدعاة وأين العلماء المسلمون؟ الشعوب تنشد السلام والسلام يصنعه الإسلام.

هيئة الأمم ومجلس الأمن ومحكمة العدل الدولية والمعاهدات كلها تريد تثبيت السلام، والسلام هو من مبادئ الإسلام ولا ينقذ السلام ويحقق العدالة إلا الإسلام المدافع عن رسالات السماء، الإسلام هيئة الأديان السماوية المتحدة في القرآن، لقد جاء ذكر محمد ثلاث مرات في القرآن، بينما ذكر سيدنا المسيح وموسى عشرات المرات، أنباء التوراة في القرآن أكثر منها في التوراة، ولو عرف الغرب هذه الحقائق لتغير الحال سيما أن عالمنا المعاصر مهدد بالانفجارات من كل مكان، انفجار سكاني وآخر نووي وآخر مرضي، الإنسان الآن لا يخاف إلا من الإنسان، ولن يعيد إليه الطمأنينة إلا الإسلام، إن الغرب لا يخاف من الإسلام ولكن يخاف من الصور التي يقدَّم الإسلام بها إليه.

السؤال الثاني عشر: سماحة الشيخ، التشاؤم واليأس والشعور بالإحباط مشاعر تغلب على نفسية المسلمين في عصرنا الحالي فكيف نعيد لهم الأمل؟

اليأس سببه عدم التفقه في الدين، والقرآن يقول: {إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون}(سورة يوسف: [الآية: 87].) واليأس من الكبائر، والحديث القدسي يقول: ((أنا عند ظن عبدي بي))(أخرجه البخاري في كتاب [التوحيد]، رقم (6970). ومسلم في كتاب [الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار]، رقم (2675)، عن أبي هريرة.) فليس علينا أن نضمن النتائج، بل نبدأ بالعمل أولاً سواء كان قليلاً أم كثيراً، فلا نطلب المسببات بلا أسباب، ولا ندخل البيوت من غير أبوابها، فمتى عُرضَت الحقيقة بأسلوبها الحكيم فلا بد أن تنتصر، ولابد أن يكون بيان الحقيقة بالحكمة والموعظة الحسنة.

السؤال الثالث عشر: الاعتدال والوسطية مطلوبان في الدعوة دون غلو أو تهاون، كيف يعمل الداعية باعتدال ووسطية في واقع يشهد أجواء متناقضة؟

الجواب:

الداعية بحكم القرآن يدعو إلى الله وفق مراد الله سبحانه وتعالى: {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة}(سورة النحل: [الآية: 125].) هذه بعض شروط الدعوة وهذا أمر وتوجيه معنوي، أما واقعياً فيقول الله عز وجل مخاطباً موسى وهارون: {اذهبا إلى فرعون إنه طغى}(سورة طه: [الآية: 43].) مع وصف فرعون بأنه طغى إلا أنه سبحانه وتعالى أمرهما بالتلطف بدعوته بقوله: {فقولا له قولاً ليناً لعله يتذكر أو يخشى}(سورة طه: [الآية: 44].) هذا أمر الله لأنبيائه وأمر الله للدعاة بعد الأنبياء، علمهم أدب الدعوة بالحكمة والإقناع وبيان الأسباب والمسببات للمدعو سواء كان حاكماً أم محكوماً، فعلى الداعية أن يبين للمدعو نتائج إعراضه عن الإيمان وأضرار هذا الإعراض ومردوده السلبي وكذلك ثمرات العمل الإيجابي، وعندما يقتنع الإنسان بأمر فإنه يستجيب له، ولنا في رسولنا الكريم القدوة في الدعوة مع الصبر والحكمة والموعظة الحسنة، وهذا هو طريق النجاح في عصرنا الحالي عصر الثقافة والعلم ونحن ومنذ (60) عاماً ندعو بهذا الأسلوب وقد حققنا الكثير من المكاسب ولله الحمد.

السؤال الرابع عشر: مجمع أبي النور الإسلامي بدمشق والذي تقومون عليه نموذج طيب للعمل الإسلامي، ما هي أهم أهداف المجمع؟

الجواب:

المجمع له أوجه عدة للنشاط، وكلها تنبع من القناعة بما أمر به الإسلام من التزام بمنهج الوسطية في الدعوة والقيام بعمل الخير وأن يؤدي العلماء دورهم في تعليم الناس، ونحن نهدف من وراء هذا المجمع إلى نشر الثقافة وإعداد الدعاة ومكافحة الأمية ومساعدة الطلبة النابغين ونشر الإسلام وعمل البر والخير ومساعدة الفقراء، ويدرس في هذا المجمع طلاب وطالبات من أكثر من (56) دولة من دول العالم في كليات الدعوة وأصول الدين والدراسات الإسلامية والعربية، والمعاهد الشرعية، ومعاهد لتعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها.

والمجمع أساساً مسجد، وبفضل الله بعد توسعته لعدة مرات تحول إلى جامع وجامعة، بحيث تستظل الجامعة بهدي الجامع، ويتألف حالياً من ثمانية أدوار وتقام فيه محاضرة أسبوعية يحضرها أكثر من عشرين ألف شخص، كما يحوي المجمع دار الشيخ أمين كفتارو لتحفيظ القرآن الكريم، ونقيم الدورات للدعاة وللأئمة سنوياً من مختلف بقاع العالم الإسلامي في الدعوة والشريعة والخطابة، ويعطي المجمع شهادات الدكتوراه في العلوم الشرعية، كما يضم جمعيةَ الأنصار الخيرية، ومستوصفاً طبياً مجانياً، وداراً للنشر، ومكتباً للدراسات الإسلامية، ويُصدر مجلة باسم صدى الإيمان.

السؤال الخامس عشر: أخيراً سماحة الشيخ، هل من كلمة توجهونها لإخوانكم المسلمين؟

الجواب:

على كل مسلم أن يعي عظمة هذه الكلمة (مسلم) وأن يشعر بمسؤوليتها، ويجب أن نكون مسلمي العلم والعمل والدعوة إلى الله بأقوالنا وأعمالنا في سرنا وعلانيتنا في خلوتنا وجلوتنا، يجب أن نعمل جميعاً لنصرة الإسلام ولنشره في العالم أجمع، يجب أن ندع التحزب والفرقة ونعمل باسم الإسلام ولأجل الإسلام فقط، متمسكين بكتاب الله وسنة رسوله الكريم بأسلوب الحكمة والموعظة الحسنة.