الدعوة الإسلامية المعاصرة -طموحات ومشكلات -3
الدعوة الإسلامية المعاصرة -طموحات ومشكلات -3

حوار مع سماحته أجراه مراسل مجلة العالم اللندنية دمشق في 12/10/1996م

1996-10-12

بسم الله الرحمن الرحيم


السؤال الأول: كثيرون ممن تحدثوا عن أسباب تخلف المسلمين، لكن قلة من تحدث عن الطريق للعودة إلى الإسلام، ما هي برأيكم ملامح هذا الطريق التي يمكن أن تُقَدَّم إلى المثقف المسلم في هذا العصر ؟

الجواب:

العودة إلى الإسلام مطلب حقيقي أجمع عليه سائر الحكماء في هذا العالم الإسلامي، وهو اليوم ليس محل خلاف في العالم الإسلامي، وبخاصَّةٍ بعد أفول الإلحاد مع مطلع التسعينات.

ولكن العودة إلى الإسلام ليست كلاماً يقوله المرء، أو شعاراً ترفعه الحركات الإسلامية، حيث يكون نصيبنا من ذلك الأماني، والتغني بالماضي، دون أن يكون له أثر في الحاضر.

هناك كلام كثير في البلدان الإسلامية عن العودة إلى الإسلام، ومن أجل ذلك تنعقد مؤتمرات ولقاءات مختلفة.

ولكن الذي ينبغي أن ننتبه إليه هو أن كثيراً من دعوات العودة إلى الإسلام تفتقر إلى المنهج الواضح، إذ ليس كافياً أن ننادي بشعار العودة إلى الكتاب والسنة، ثم نقف من معانيهما ودلالاتهما موقف المتفرج.

فالكتاب الذي جعله الله نوراً وهدى للناس، لا يجوز قصر أحكامه على بعض مسائل العبادات، والأحوال الشخصية، والحدود، كما يظن بعض المشتغلين بالعلوم الشرعية، بل إن الإسلام دعوة إلى إعمار الأرض وإحيائها، فكما أن العبادات وإقامتها في الأرض توجيه قرآني، كذلك فإن بناء السدود، والمصانع، والرقي بالبلاد، هو أيضاً واجب ديني، ومقصد قرآني.

لقد ضرب القرآن الكريم مثلاً للحكم الإسلامي في شخص ذي القرنين، وذلك في سورة الكهف التي يقرؤها المسلم كل أسبوع مرة، إذ أوجزت الآيات العظيمة رسالة ذي القرنين في ثلاث جهات من العالم:

الأولى: عند مغرب الشمس، وجد عندها قوماً لا يكادون يفقهون قولاً.

الثانية: عند مطلع الشمس، وجد عندها قوماً لم نجعل لهم من دونها ستراً.

الثالثة: بين السدين وجد هناك يأجوج ومأجوج، وهم أشرار مستعمرون غاصبون.

وهكذا فقد كانت رسالة ذي القرنين في مغرب الشمس محاربة الجهل ونشر المعرفة، وكانت رسالته في مطلع الشمس محاربة الفقر، فيما كانت رسالته بين السدين محاربة الظلم والبغي والاستعمار، وبناء السد الاستراتيجي الذي يحمي البلاد من العدوان الخارجي، والخلاصة علينا أن نقوم ببناء قيادات راشدة للدعوة الإسلامية العالمية، تعمل على نشر الدعوة الإسلامية باستخدام واسع لوسائل الإعلام والتكنولوجية المعاصرة، ومنها بناء قناة فضائية للتعريف بالإسلام واستخدام واسع لشبكة الانترنيت وغيرهما مما قد يستجد من المخترعات.

مع ضرورة التعاون مع الحكومات الإسلامية الوطنية لتبني برنامج إسلامي يجمع بين الأصالة والمعاصرة، مع التأكيد على أن بناء قوة الأمة، وصيانة سيادتها وكرامتها، جزء لا يتجزأ من منهج العودة إلى الإسلام الذي نسعى إليه.

السؤال الثاني: يرى البعض أن مشكلة المسلمين في دعاتهم، ما رأيكم بهذا، وماذا تقترحون من طرق ووسائل لإعداد دعاة قادرين على القيام بالعملية التغييرية من خلال الظروف المحيطة ؟

الجواب:

لقد قلت لعدد من الحكام العرب خلال لقائي بهم: إننا اليوم نحتاج إلى دعاة إسلاميين عاملين أكثر من حاجتنا لأي شيء آخر.

إن المواجهة مع أعداء الإسلام لا يمكن أن تحسم بالطرق العسكرية وحدها، كما أن العالم أصبح قرية صغيرة، وأصبح البلاغ المبين مرهوناً بكفاءة الدعاة وليس بقوتهم الحربية.

والدعاة المطلوبون في هذه المرحلة - وفي كل مرحلة - هم ذلك الجيل الأول الذي انطلق من مسجد النبي الكريم صلى الله عليه وسلم في المدينة، وقد أعدهم النبي صلى الله عليه وسلم علماً وسلوكاً، معرفة وتزكية، فكانوا إذا حلوا بأرض قوم تعلقت بهم القلوب، وأنس بهم الناس، ورأوا في سلوكهم مايدعو الناس إلى الدخول في الإسلام.

وسأضرب هنا مثالاً واحداً:

في القرن السابع الهجري شهد العالم الإسلامي الاجتياح المغولي، وهو أكبر غزو تشهده المنطقة في التاريخ، وكانت الجيوش الإسلامية تنكسر أمام ذلك الغزو، وتتراجع عاصمة إثر عاصمة، حتى سقطت بغداد عام 656هـ، ومضت تلك الجحافل المغولية تفتك بالحياة والأحياء، إلى أن توقفت عند عين جالوت عام 659هـ.

بحسب الظاهر: العالم الإسلامي من خوارزم إلى دمشق كان تحت حكم السيوف المغولية، وكانوا يطمسون سائر المعالم الإسلامية في الأماكن التي بقيت تحت سيطرتهم.

ولكن فجأة نقرأ في التاريخ أن هذه المدن تستعيد وجهها الإسلامي تدريجياً، وأن قادة المغول العسكريين يتحولون إلى الإسلام، ولم تمض إلا سنوات قليلة حتى قامت الحكومات المغولية المسلمة في خراسان وأوزبكستان والهند وأفغانستان وباكستان، وتحول أولئك المحاربون الأشداء إلى مسلمين ودعاة، وشرعوا يبنون المساجد والمدارس الإسلامية، ومازالت مساجدهم التي بنوها في الهند وآسية الوسطى تمثل أعظم الآثار الإسلامية الباقية إلى اليوم.

إن هذا التحول المدهش حقيقة تاريخية لا ينكرها أحد، وتدل عليها مئات المساجد الباقية، ولكن المؤرخين يختلفون في تفسيرها، إذ لم يكن هناك أي سبب سياسي يدعو هؤلاء الغالبين إلى الدخول في دين المغلوبين.

والحقيقة التي لا يمكن تجاهلها هي أن قوافل من الدعاة العاملين، كانوا يتسربون إلى الحواضر المغولية، ليس معهم من السلاح والعتاد إلا محبة الله، والكلمة الطيبة، والنية الصادقة مع العلم والعقل، وكانوا يعملون بصمت حتى تمكنوا من تحويل عظماء المغول إلى الإسلام.

فقد أسلم ( تغلق خان ) على يد الشيخ جمال الدين وولده رشيد الدين، كما أسلم (بركة خان) على يد الشيخ سيف الدين الباخرسي، وهكذا تتابع إسلام سلاطين المغول حتى أصبح الإسلام - خلال سنين قليلة - هو دين هذه الشعوب التي جاءت إلى العالم بلا دين.

إن الأمر نفسه يمكن أن يتكرر في كل جيل، بعد أن قدمنا الأدلة الواضحة على نجاحه تاريخياً، وإن الحضارة اليوم أحوج ما تكون لدعاة في مستوى سيف الدين الباخرسي، تقوم على كواهلهم مهمة الهداية والإصلاح في هذا العالم.

السؤال الثالث: الدعوة إلى الإسلام أصيبت بانتكاسات عديدة، هل يمكن تحديد بعض السلبيات من خلال الواقع، ليكون ذلك عوناً للدعاة والعاملين في سلك الدعوة الإسلامية ؟

الجواب:

لا أحب أن أخوض في السلبيات، ولكن أعتقد أن أي طرح للإسلام يجب أن يكون مؤمناً بحق الآخرين في الرأي والاجتهاد، واحترام ثقافاتهم، وأن الطرح المتعصب الممزوج بالعنف يسيء أكثر مما يحسن، وينعكس سلباً على الجهود الإسلامية المخلصة في تحقيق العودة إلى الإسلام.

السؤال الرابع: كيف تنظرون إلى ما يسمى بالصحوة الإسلامية، وهل توافقون أصلاً على هذا المصطلح ؟

الجواب:

الصحوة الإسلامية ظاهرة عافية وبركة على شعوب العالم الإسلامي، ونأمل أن تتبع هذه الصحوة نهضة إسلامية شاملة، على أساس من العلم والازدهار للشعوب الإسلامية، وما نشهده في بعض البلدان الإسلامية من سلبيات في التطبيق الإسلامي، لا يقلل من أهمية الصحوة الإسلامية، إذ لابد في كل عمل كبير من هوامش سلبية، ولاشك أن هذه الصحوة بحمد الله تتعاظم كل يوم، بعد أن يئس الناس من جدوى الحلول المطروحة التي تتجاهل الإسلام، على الرغم من أن الإسلام كان أعظم مجد شهدته هذه الشعوب خلال تاريخها.

السؤال الخامس: ما هو موقف الإسلام من الديموقراطية.. وهل يسمح الإسلام بوجود المعارضة ؟

الجواب:

الإسلام دين الشورى، والله عز وجل يقول: {وأمرهم شورى بينهم}سورة الشورى: [الآية: 38].، والشورى تشبه الديموقراطية في شيء وتخالفها في شيء، فهي تشبه الديموقراطية في اشتراك الناس في الحكم، ولكنها تختلف عن الديموقراطية في أنها تقصر الرأي المسموع على العليم دون الجهول، والعارف دون العابث، إذ ليس كل أحد أهلاً أن يستشار، ولا رأي لجاهل في الإسلام، فبينما تتجه الديموقراطية إلى الاهتمام بالكم، تتجه الشورى إلى الاهتمام بالكيف، وأقرب تسمية يمكن أن تُعَرَّف بها الشورى في الإسلام أنها (ديموقراطية العلماء والخبراء وأهل المعرفة والاختصاص)، وهذا المعنى يؤيده القرآن الكريم في عدة مواضع، فيأمر بسؤال أهل العلم {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون}(سورة الأنبياء: [الآية: 7].) ويخبر أن سواد الناس ليسوا دائماً على صواب {ولكن أكثر الناس لا يعلمون}(سورة الأنبياء: [الآية: 7].)، {وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله}(سورة الأنعام: [الآية: 116].).

ولنضرب على ذلك المثال الآتي: إن جماهير الناس في الغرب لو استشيرت وفق قواعد الديموقراطية حول الخمر أو الزنى مثلاً لجاءت النتائج مخيبة لآمال العقلاء، إذ أن الناس لن تتنازل عن أهوائها في شرب الخمرة ومعاقرة الزنى من أجل مثل أخلاقية، رغم اتفاق العقلاء على ضرر الخمر الجسدي والمعنوي، وضرر الزنى الاجتماعي والصحي.

ولكن الأمر نفسه لو عرض على الناس وفق قواعد ( الشورى الإسلامية ) واقتصر الناخبون هنا على الخبراء في الصحة والاجتماع، فستكون النتيجة بالتأكيد غير ما سبق، وهكذا فإن الإسلام احترم رأي العليم وأسقط رأي الجاهل.

وأما المعارضة، فإن تاريخ الإسلام مليء بوجود المعارضة الفكرية في سائر العصور، وبخاصةٍ عصور المجد الإسلامي الأول، وكنا تاريخياً متجاورين متآخين ونحن مذاهب أربعة وكذلك الجعفرية والزيدية والإباضية، ولم يُطْلَب من أتباع مذهب التحول إلىمذهب آخر، ولعل الفترة السوداء الوحيدة هي تلك التي تولى فيها المعتزلة القرار السياسي أيام المأمون والمعتصم والواثق، وعرضوا الناس فيها على السيف من أجل آرائهم الاجتهادية، وقد ولى ذلك إلى غير رجعة، وتعتبر المعتزلة هي المسئولة عن ذلك، ولا ينبغي تحميل الإسلام أخطاءهم وخطاياهم.

وحتى في المسائل العامة، فقد كانت ثمة معارضة لمسائل غاية في الأهمية، ولم يكن ذلك يحسم بالبطش أو بالقهر، فبيعة الصديق مثلاً، وهي أكبر مسألة تواجه الأمة بعد الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم إنما كانت عن شورى بين أصحاب السقيفة، وقد تأخر عدد من الصحابة بالبيعة أياماً بل شهوراً من غير أن ينقص ذلك من أقدارهم من شيء، بل إن بعضهم مات دون أن يبايع كالسيدة الطاهرة فاطمة بنت سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وكذلك سعد بن عبادة الخزرجي، ومع ذلك فإن الأمة حفظت لهم كرامتهم، وظلوا في المجتمع الإسلامي كراماً، ولم يقم الصحابة الكرام بأي عمل من شأنه أن يحد من حريتهم الفكرية أو يغير من احترام الأمة لمقامهم الرفيع.

وإذا حصل في التاريخ الإسلامي أن تعرض حق الفكر للاعتداء، فإن المسئول عن ذلك هو الأفراد الذين نبذوا سيرة السلف الأول، أما الإسلام فهو دين الحرية الفكرية، والتي شملت سائر مرافق الفكر على خطورتها، قال الله عز وجل: {وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر}(سورة الكهف: [الآية: 29].).

السؤال السادس: ما هي السبل لتصحيح علاقة الإسلام والمسلمين بالغرب ؟

الجواب:

إن المسلم مأمور أن يحمل للناس رسالة الخير والمحبة، وأن لا يصرفه عن مواقفه الربانية سلوكهم الجاهلي.

لقد كان النبي الكريم في جهاده مع المشركين حريصاً على مقاتلة الشرك والقضاء عليه، ولكن لم يقصد قتل المشركين، أراد القضاء على الكفر، وليس القضاء على قومه من الكافرين، مراراً وقعت رقابهم بين يديه، ولكنه كان يكف عنها سيف القصاص، ويبسط فيها يد العفو.

ولكن السياسات الخاطئة لكثير من الحكام الغربيين هي التي تجعل المجتمع الإسلامي يُقاد إلى الانتصاف، فقد دأب الغرب مثلاً منذ قيام إسرائيل على دعم سياستها العدوانية، ولم يحصل أنهم حاصروها أو قاطعوها حين رفضت القرارات الدولية، كما يجري اليوم في ليبية والسودان وإيران وغيرها، وهكذا فإن هذه السياسة المزدوجة بمكيالين ومعيارين هي التي تخلق روح الشحناء بين المسلمين والغرب، وأنا أنصح القائمين على السياسة في الغرب أن لا يتصرفوا وفق ما تمليه المصالح السياسية المؤقتة فقط، بل عليهم أن ينتصروا للعدالة والمثل العليا التي ينادون بها، فإنه كبر مقتاً عند الله أن تقولوا مالا تفعلون.

وهكذا فالإسلام ليس هو المسئول عن حالة عدم الثقة بين الشرق والغرب، ولكن كثيراً من السياسات الغربية الخاطئة هي التي توقد نار تلك الشحناء.

كما أنصح العاملين والناشطين في حقل الدعوة الإسلامية أن يجتهدوا بتعريف الغرب بالإسلام، وأن يرفعوا أمام الغربيين حواجز الخوف من الإسلام، ويطلعوهم على حقيقته الحضارية والإنسانية.

كما يجب علينا أن نوسع قاعدة الحوار والتعاون مع المتنورين منهم، ونقدم لهم الدعم ليتمكنوا بدورهم من المساهمة في تصحيح العلاقة بين الإسلام والغرب.