حــوار سماحته مــع وفد الكنيسة المصلحة في سويسرا
حــوار سماحته مــع وفد الكنيسة المصلحة في سويسرا

جرى الحوار بدمشق بـتـاريــخ 8/10/1993محوار مع وفد الكنيسة المصلحة في سويسرا

1993-10-08

1- كلمة سماحة الشيخ أحمد كفتارو

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى جميع إخوانه من النبيين والمرسلين، وآل كل، وصحب كل أجمعين، وبعد:

"أرحب بضيوفنا"، أبناء السيد المسيح: أبناء محمد يرحبون بكم، حيث إن الإسلام مجمع الأديان الإبراهيمية الثلاثة، ويدعو إلى الإيمان بها. فالمسلم إذا آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم ولم يؤمن بالمسيح عليه السلام يعتبر كافراً، وإذا لم يؤمن بموسى عليه السلام يعتبر كافراً(قال تعالى: {لا نفرق بين أحد من رسله}. سورة البقرة: [الآية: 285].)، لأن الإسلام هو مجموع الإيمان بالأديان الثلاثة، وبأنبيائها الثلاثة، وبكل الأنبياء.

نحن - المسلمين - عرفنا هذه الأخوة الإيمانية ؛ من خلال القرآن الكريم، ومن خلال نبينا سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، كما أن القرآن الكريم نعى على كل من ينتسب إلى الأديان الثلاثة انتساباً غير علمي وغير عملي، وندد وقسّم أبناء الأديان الثلاثة إلى قسمين: 1- المؤمن الأصيل. 2- المؤمن المزيف.

فهناك مسلم أصيل، ومسلم مزيف! ولقد نوّه القرآن الكريم بالمؤمنين الأصلاء من الأديان الثلاثة، فذكرهم في أكثر من آية فيه، حيث يقول: {إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون}(سورة البقرة: [الآية: 62].) مع وجود الاختلاف بين الأديان، لا في جوهرها، ولكن في تفسير بعض موادها، فالأديان الإبراهيمية الثلاثة دعت مثلاً إلى وحدانية الله، ووحدانية الله لا تختلف في حقيقتها، لكن الاختلاف وقع في تفسيرها في بعض الأديان، وهذا ما جعل الكثير من المؤمنين يبتعدون عن الإيمان، نظراً لتفسير الوحدانية بتفسير يرفضه العقل، وبالإضافة إلى ذلك، فقد جرى التباعد بين الأديان، لأننا قد تعارف بعضنا على بعض عن بعد، فعندما ينظر الإنسان إلى إنسان آخر في أعلى الجبل لا يرى عينيه، ولا أنفه، ولا جماله، قد لا يراه إلا نقطة سوداء، وفي هذه الحالة، ولكي نعرف الحقيقة، لابد من أن نقترب منها، فنعرف ملامحها وواقعها الصحيح العملي، ولذلك أقول عن الإسلام: إن المسلم لا يصير مسلماً إذا لم يؤمن بالمسيح ورسالته، ولا يصير مسلماً إذا لم يؤمن بموسى وتوراته، مع اعتقاد المسلم بأن كثيراً من الأشياء غير الصحيحة نسبت إلى محمد وإلى المسيح وإلى موسى.

وهذا ما جعل محمداً صلى الله عليه وسلم يأمر بأن يُبحث الإسلام في كل مئة سنة(

- ورد في الحديث: (( إن الله تعالى يبعث على رأس كل مئة سنة من يجدد لها دينها)) أخرجه أبو داود في الملاحم (4291) عن أبي هريرة.

- والطبراني في الأوسط بسند رجاله ثقات. - والحاكم عن ابن وهب وصححه.

- والبيهقي في المعرفة.

- وقال الحافظ العراقي: سنده صحيح، انظر: كنز العمال: (12/193).

- وكشف الخفاء (1/282). - وفيض القدير للمناوي (2/282).

)، خوفاً على الأشياء الدخيلة على جوهره، مما يجعله مشوهاً في واقع حياة الإنسان.

دعا الإسلام إلى وحدانية الله، وإلى الإيمان بكل أنبياء التوراة، وبسيدنا المسيح وبكل تعاليمه، وبما زاد فيه على الأنبياء من قبله، فهو لم يدعُ إلى الأمور الروحانية فحسب، بل دعا إلى الحياة الجسمية أيضاً، وعلى أحسن شكل، بكل ما يتعلق بالأمور الجسدية من شؤون.

كما دعا الإسلام إلى وحدة شعوب العالم، متخطياً القوميات والألوان، وإلى وحدة الإنسان، متخطياً العقائد الدينية، وكما قيل: ((الإنسان أخو الإنسان أَحَبَّ أم كره))(


وكان النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم يقول: ((لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه))(

خرجه البخاري: في الإيمان: 13. ومسلم: في الإيمان: 45. والترمذي: في صفة القيامة: 2515. والنسائي: في الإيمان 8/115.

) ودعا إلى إقامة الدولة العالمية، والعائلة العالمية، واستطاع المسلمون الأولون، الذين رباهم النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم في مدرسته بأن يوحدوا نصف العالم القديم، كقومية واحدة، وكدولة واحدة، مع رعاية حرية المعتقد، ومع وجوب التضامن الاجتماعي بين شعوب العالم ؛ فالغني يساعد الفقير، والعالم يعلم الجاهل، وفي ظل حرية الأديان حثّ الإسلام بالوصايا العميقة، التي تؤكد على الحفاظ على كنائس النصارى وكنس اليهود.

لقد كانت هذه البلاد مسيحية، ولكنها عندما رأت مسيحيتها في الإسلام والقرآن، تقبلت تعاليم النبي محمد صلى الله عليه وسلم، لأنه لم يأمرها بأن تترك تعاليم المسيح، ومن أصر على تمسكه بعقيدته المسيحية أو اليهودية تركه حراً في إقامة شعائره، بكل ما في كلمة " الحرية " من معنى...

وأنا، بكل ما أملك من طاقة، أعمل على تحقيق هذه المبادئ، من أجل تحقيق السلام، والأخوة العالمية، بين أبناء العائلة البشرية.

وأرجو الله عز وجل أن يتفهم أبناء الديانتين السماويتين ؛ المسيحية، واليهودية، هذه الحقيقة، لنعمل جميعاً تحت مظلة إبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد، عليهم السلام لتحقيق السلام والإخاء الإيماني.

2- المناقشة

سؤال: ما التغير الذي طرأ على حياتكم، وكان له الأثر الكبير عليها؟

جواب: لقد تعلمت العلوم الدينية على يد أساتذة كثيرين، وكان معظمهم يدعو إلى المذهب الإسلامي الواحد الذي يتنكر لغيره، ولكني في آخر مراحل الدراسة، كان أستاذي الأخير هو والدي الشيخ محمد أمين- عليه رحمات الله - وكان عالماً إسلامياً كبيراً، وصوفياً كبيراً، فنقلني من الدائرة الضيقة إلى هذه الدائرة العالمية الواسعة، وأنا أعيش الآن في هذه الدائرة، وقد وجدت في أسفاري إلى أمريكة، وأوروبة، والاتحاد السوفيتي، واليابان، أن العالم المتقدم مهيأ لتقبل هذه الفكرة، التي هي روح الأديان السماوية الثلاثة، وأنا أؤمن إيماناً قطعياً، أن إبراهيم، وموسى، وأنبياء التوراة، ومحمداً، والمسيح، لو اجتمعوا لتعانقوا وشكلوا شخصية واحدة، ومن لا يتبع تلاقيهم ووحدتهم هذه فإنهم يتبرؤون منه.

سؤال: سيدي، لقد تحدثتم عن المودة والتراحم التي عاش فيها المسلمون والمسيحيون في الماضي، كيف ترون الواقع، وبخاصةٍ فيما يتعلق بموضوع الزواج ؟!

جواب: نحن في سورية نعيش كمسلمين ومسيحيين وكأننا أبناء عائلة واحدة، أما فيما يتعلق بالشق الثاني من السؤال، فالإسلام أباح للمسلم أن يتزوج من المسيحية أو اليهودية ؛ لأنها إذا دخلت بيت المسلم تجد عقيدتها مقدسة محترمة من زوجها، وبذلك يكون استمرار هناء الأسرة مضموناً، ومنع الإسلام المسلمة أن تتزوج من اليهودي أو المسيحي، خوفاً من أن يُسمعها الجرح والطعن بمقدساتها، وقد يوجب هذا انحلال الأسرة، وضياع الأولاد، وإذا كان المسيحي أو اليهودي آمن بمحمد وبرسالته، كما يؤمن المسلم بموسى ورسالته، وعيسى ورسالته فعند ذلك يكون لا مانع من الزواج !

سؤال: أعلم أن النزعة الأصولية تنمو في المسيحية أيضاً، كيف ينظر الإسلام إلى هذه النزعة، ولماذا تنمو الأصولية في الإسلام بهذا الشكل ؟

جواب: هذه النزعة وليدة السنوات العشرة الأخيرة، وكلمة أصولية ليست موجودة لا في قاموس اللغة العربية، ولا في قاموس الدين الإسلامي، فالإسلام دائماً يدعو إلى الحوار، ويمنع من فرض الرأي على الآخرين، فهذا يعد تشويهاً لمرونة الإسلام، وحرية الرأي، وحرية العقيدة في الإسلام، وكثيراً ما يطلق على بعض الجماعات كلمة الأصولية، في حين أنهم ليسوا أصوليين، بل إنهم يطالبون مثلاً بحرية المواطن، يطالبون بإحياء الإسلام، بهذا المعنى الأخلاقي العالمي، فهؤلاء لا يسمون أصوليين بالمعنى المعاصر، أما المتعصبون ضد الآخرين وضد الأديان الأخرى، أو الذين يريدون أن يفرضوا آراءهم بلا حوار، فهؤلاء لا صلة لهم بالمنهاج الإسلامي، فقد أتى وفد يتألف من سبعين نصرانياً إلى النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، وأرادوا أن يصلوا، ففتح لهم مسجده وصلوا فيه ! ومن قواعد الإسلام الحوار بالحكمة، وبالتي هي أحسن، والإسلام لا يسمح لأي إنسان فرداً كان، أو جماعة، أو دولة، أن يفرض رأيه على الآخرين ! النص في القرآن يقول: {لا إكراه في الدين}( سورة البقرة: [ الآية: 256 ]. ).

إن الإسلام مع الحرية، ومع المساواة، مع مساواة وحرية المواطنين، مسلمين وغير مسلمين، لأن النبي كان يقول: ((ألا من ظلم معاهداً [ أي مسيحياً أو يهودياً] أو انتقصه، أو كلفه فوق طاقته، أو أخذ منه شيئاً بغير طيب نفس، فأنا حجيجه يوم القيامة))(أخرجه أبو داود، في الخراج: 3052 .).

ويروى في التاريخ الإسلامي أن حاكم حمص المسلم، قال لنصراني: (أخزاك الله)، فأدرك أنه خالف الدين الإسلامي، فاستقال من إمارة حمص، لأنه وقع في خطأ مع المسيحي !.

سؤال: (من امرأة): ما المقصود بكلمة مفتٍ ؟ وما اهتماماتكم الرئيسة ؟!

جواب: المفتي العام في بلد إسلامي كسورية، هو رئيس مجلس الإفتاء الأعلى، ورئيس العلماء والمرجع الأعلى في الشؤون الإسلامية، وهو الذي يمثل المسلمين لدى المراجع الرسمية( المرسوم التشريعي رقم 185 تاريخ 10/12/1961م. )، وهناك في كل مدينة مفتيها، ومهمته أن يعلم المسلمين - بما عنده من موظفين - دينهم، وأن يرد على تساؤلاتهم ليتفقهوا في دينهم إذا أشكل عليهم شيء ما.

أما اهتماماتي الحالية، فهي أن أُعرّف الناس كلهم بحقيقة الإسلام، الذي يجعل الناس أسرة واحدة، وأفرادها إخوة، ليتعاون بعضهم مع بعض في هذه الحياة على حل مشكلاتهم، وما يصادفهم في طريق الحياة من صعوبات سواء كانت مالية، أو صحية، أو علمية، أو سياسية.

وقد ألقيت محاضرات متعددة في هذا الموضوع حول وحدة الأديان في أصولها، والتعاون بين المسيحية والإسلام في أوروبة وأمريكة واليابان.

سؤال: كيف تعيش الأسر السنية والأسر الشيعية في سورية ؟

جواب: هي كالأخوين، تسود بينهما علاقة المحبة.

فالإسلام يسمح بالاجتهاد، وإذا ما حدث اختلاف في الاجتهاد، فالجميع يحترم آراء بعضهم بعضاً، ويصلون في مساجد بعضهم بعضاً.

سؤال: لقد تأثرت كثيراً بجوابكم حول الأصولية، ولكن هناك شيء مهم لا يتعلق فقط بالسنين العشرة الأخيرة، وإنما بالسنين الخمسين الأخيرة، ويتعلق بالعلمانية، والدخول بالعلمانية والمادية، ما رأيكم بهذه التطورات العلمانية والمادية؟!

جواب: وجود العلمانية والمادية مسؤوليتنا - نحن رجال الأديان - فنحن لا نأخذ الدين من منبعه الأصيل، فلو أن المسلم أخذ الإسلام من القرآن، ومن النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ولو أن المسيحي أخذ مسيحيته من المسيح، ومن الإنجيل الذي أنزل عليه، فسوف لن نجد ملحداً بالأديان الصحيحة.

هذه الأمور حدثت باجتهادات رجال الدين، وتعقدت الأجيال المتأخرة بآراء بعض رجال الدين القدماء، وإنَّ ما حجب الناس عن منبع الدين الأصلي، هو أن الإنسان القديم كان يتبع رجل الدين من غير تفكير، ولا استعمال العقل.

وفي السنين الأخيرة تحرر العقل، ووجد أن الدين الذي يعرضه بعض رجال الأديان يدعو إلى ما يخالف الحقيقة، والواقع، ومصلحة الإنسان، لذلك آثر أن يهجر الدين الذي لا يتفق مع مصلحة الإنسان، وهذا ما قلته لسيادة البابا الحالي "يوحنا بولس الثاني" في سنة ألف وتسع مئة وخمسٍ وثمانين، في لقاء استمر ساعة كاملة، قلت له سائلاً: أتدري من خلق الشيوعية والإلحاد في العالم ؟! فقال: من ؟! قلت له: أنت ! فقال مستنكراً أو منزعجاً: أنا ؟! قلت له: نعم، أنت وأنا معك ! فقال: وكيف ؟ قلت: لأننا نحن - علماء ورجال الأديان - عرضنا الدين بشكل لا يستطيع العقل المعاصر هضمه، فوقع في تناقض، وفي عذاب فكري وعقلي، فآثر أن يترك الدين ويكون علمانياً أو ملحداً، ومالم نرجع - نحن المسلمين - وأنتم المسيحيين - إلى تعاليم سيدنا محمد والسيد المسيح مباشرة، فسيبقى الإلحاد قائماً، ونكون نحن - علماء ورجال الدين، أنا وأنت - مسئولين أمام المحكمة الإلهية يوم القيامة.

عندما انتهت الجلسة، وبعد حديث طويل، صافحني مودعاً، وقال لي: أنا أقرأ القرآن كل يوم، وقلت له كما هو الواقع: أنا عندي الإنجيل والكتاب المقدس، وأنا دائماً أقرأ !!

نحن - علماء ورجال الأديان - مسئولون عن الإلحاد والعلمانية، حتى وقع الإنسان في المخدرات، والمسكرات، والإيدز، والحروب.

إن علماء ورجال الأديان يتحملون مسؤولية كبرى حتى في عصرنا الحاضر.

سؤال: أنتم تكلمتم عن موضوع التسامح، وقلتم: إنه لا يوجد إكراه في الدين، ولكن كيف يجتمع هذا مع ما نسمعه عن الجهاد ؟!

جواب: الجهاد في الإسلام ليس ضد الأديان، وليس ضد الشعوب، فعندما دعا القرآن والنبي صلى الله عليه وسلم إلى الجهاد، كان نضالاً ضد الاستعمار الروماني في الغرب، والاستعمار الفارسي في الشرق، وكان هدف الجهاد هو رفع أيدي الحكام المستبدين، الذين يؤخرون شعوبهم، فتعاليم وواجبات الإسلام هي نشر العلوم بين شعوب العالم، فقد كانت دول العصور الوسطى تُحرّم الثقافة والقراءة والكتابة إلا على رجال الدولة وطبقة النبلاء، وعندما حرر الإسلام الشعوب فرض العلم على كل الناس، ولذلك كانت تلك الشعوب تخرج النوابغ من علماء الإسلام، كما خرجت الأمة العربية النوابغ من علماء الإسلام، فهم جميعاً في شرف نشر العلم سواء.

وفي الوقت الذي حارب فيه الإسلام الدول الاستعمارية، حافظ على عقائد الشعوب، وعلى أديانها، وعلى معابدها وكنائسها، ولذلك عندما رأت هذه الشعوب القانون الإسلامي على حقيقته، اعتنقته بكامل رضاها واختيارها.

إن الدين الإسلامي يفرض على الدولة الإسلامية إذا وُجد مسيحي أو يهودي عاطل عن العمل، أن تؤمن له كل وسائل معيشته، وإذا وصل إلى الشيخوخة فإنها تؤمن له الراتب الشهري، هذا من صلب الإسلام، ولو كان المستفيد من ذلك لم يعتنق عقيدة الدولة.

- انتهى الحوار -