حــوار سماحته مــع وفد مقاطعة جنوب ألمانية
حــوار سماحته مــع وفد مقاطعة جنوب ألمانية

جرى الحوار في مجمع أبي النور الإسلامي بتاريخ 15/5/1995

1995-05-15

1- كلمة سماحة الشيخ أحمد كفتارو
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى أبيه سيدنا إبراهيم، وعلى أخويه؛ سيدنا موسى، وعيسى، وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، وآل كل، وصحب كل أجمعين؛ وبعد:

الإسلام معناه: الامتثال والانقياد لأوامر الله، وإظهار الخضوع له، والاستسلام لأمره، والعمل بكل ما جاء به أنبياؤه. فكل الأديان السماوية، وكل أنبيائها، جاءت لتحقيق هدفين وغايتين ساميتين:

الهدف الأول: هو تحقيق صلة روح الإنسان بالله عز وجل. وهذه الصلة تكون عن طريق؛ الصلاة، والتفكر، وتوجيه الفكر وكل الشعور نحو عظمة الله، خالق الكون بكل ما فيه، وتكون هذه الصلة مثل الغذاء لجسد الإنسان، فالجسد بلا غذاء يموت، وكذلك روح الإنسان، فإنها إذا لم تتصل بالله تموت إنسانيتها، وتعيش في حيوانيتها وبهيميتها. وعندما تحيا روح الإنسان بصلتها بالله، يشعر الإنسان بسعادة لا يجدها لا في طعام، ولا في شراب، ولا في مناظر جميلة، ولا في الزواج، ولا في أي شيء موجود في الحياة المادية.

وبهذه الصلة للإنسان مع الله، يستطيع المرء أن يتغلب على أهواء نفسه، في الأشياء التي تشتهيها، وتعود بالمضرة والأذى عليه، مثل المخدرات، أو المسكرات، أو الظلم، أو الاعتداء.

فَبِصِلةِ روحه بالله، لا يجد في الامتثال لأوامر الله صعوبة أو حرجاً.

لذلك، وعلى سبيل المثال، لما نزل روح القدس، جبريل عليه السلام، على النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، يبلغه عن الله عز وجل تحريم المسكرات، ثم بلَّغ النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين تحريمها، كسر المسلمون، في يوم واحد، كل أواني الخمر، وكل جرارها، وصار الخمر يسيل في أزقة المدينة مثل السواقي(ورد هذا في حديث أخرجه مسلم، الأشربة: 1980.).

أما الهدف الثاني: فبعد تحقيق صلة الإنسان بالله، على الإنسان أن يحسن صلته مع أخيه الإنسان، بقطع النظر عن لونه، أو دينه، أو قوميته. وبناء على هذه القاعدة كان النبي محمد عليه الصلاة والسلام يقول: ((الإنسان أخو الإنسان أَحَبَّ أم كره))(

- أخرجه أحمد: 3/154 بإسناد حسن.

- وابن حبان: عن أنس، في البر والإحسان (510) بإسناد صحيح على شرط مسلم.

. وكان يقول، تحت عنوان أخوة الإنسان للإنسان: ((أَلاَ أُخْبِرُكُمْ بِالْمُؤْمِنِ : مَنْ أَمِنَهُ النَّاسُ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ ، وَالْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ النَّاسُ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ ، وَالْمُجَاهِدُ مَنْ جَاهَدَ نَفْسَهُ فِي طَاعَةِ اللهِ ، وَالْمُهَاجرُ مَنْ هَجَرَ الْخَطَايَا وَالذُّنُوبَ)).أخرجه أحمد وابن حبان والطبراني والحاكم(ويتألف الوفد من حشد من الفعاليات الدينية والفكرية والسياسية والجامعية، بإشراف السيد جيرارد كونتسلمان مدير برامج الدراسات الميدانية في المقاطعة الألمانية.)، ((والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه))(أخرجه ابن عساكر 13/201، عن عبد الله بن عمرو.).

والنبي محمد صلى الله عليه وسلم يقول: ((مثلي في النبيين كمثل رجل بنى داراً، فأحسنها، وأكملها، وأجملها، وترك فيها موضع لبنة لم يضعها، فجعل الناس يطوفون بالبنيان، ويعجبون منه، ويقولون: لو تم وضع هذه اللبنة، فأنا في البنيان موضع تلك اللبنة))(أخرجه البخاري: في المناقب (3535).).

وبمرور الزمن على الأديان، والترجمات من لغة إلى لغة، وتغلب شهوات الإنسان على نفسه، صار مفهوم الدين بعيداً عن قناعة الإنسان، وعن عقلانيته.

ومن أصول الإسلام، الإيمانُ بكل رسالات الأنبياء. فأنا -مثلاً كمسلم- أؤمن برسالة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وفي الوقت نفسه، أؤمن برسالة السيد المسيح، وأؤمن برسالة سيدنا موسى وإبراهيم، ولكن يجب أن أستعمل عقلي في كل ما ينافي العقل، لأن الدين ما أتى ليناقض العقل، وإنما أتى لينمي العقل، ويجعل العقل مع الدين أخوين توأمين.

وباللبنة الأخيرة، التي كان فيها تمام الدين، أقام النبي محمد صلى الله عليه وسلم الأمة العالمية، وأقام الدولة العالمية، ليتساوى في ظلها الإنسان مع اختلاف اللون، والقومية، والدين.

بهذه المبادئ السماوية، القائمة على وحي السماء، وعلى إحياء العقل، والاستجابة لضيائه، قام المجتمع الإيماني.

ولعشرات السنين لم يكن هناك سجن، لأنه لا يوجد مجرم، ولا يوجد محكمة ولا قاض، لأنه لا يوجد ظالم ولا مظلوم.

وكان النبي محمد صلى الله عليه وسلم يدعو إلى إعادة النظر في أمور الدين والإسلام كل مئة سنة(

عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مئة سنة من يجدد لها دينها)). رواه أبو داود في الملاحم (4291)، والطبراني في الأوسط بسند رجال ثقات، والحاكم عن ابن وهب وصححه، والبيهقي في المعرفة، وقال الحافظ العراقي: سنده صحيح.

انظر: كنز العمال 12/193، وكشف الخفاء 1/282، وفيض القدير للمناوي 2/282.

)، حرصاً على بقاء قانون السماء نقياً من سوء فهم بعض علماء الدين. وأديان السماء، هي في الأصل، كماء المطر، والذي من دونه لا تبقى الحياة. ولكن عندما يختلط ماء السماء بأوساخ الأرض، فإنه يعطي الموت بدل أن يعطي الحياة. وهكذا الدين، إذا بقي على نقائه، فإنه يعطي حياة الروح، وحياة الجسم، وإذا اختلط بأخطاء وتفسيرات غير صحيحة، فيعطي عكس ما أنزله الله وما شرعه.

لذلك، فإننا نجد الإنسان في عصرنا الحاضر، قد ابتعد عن مدرسة السماء، وعن تعاليمها.

وليس السبب في ذلك تعاليم السماء، أو لأن هذه التعاليم ليست في مصلحة الإنسان وسعادته. وإنما السبب كامن فيما وقع من أخطاء، وقع فيها علماء ورجال الأديان؛ من مسلمين، ومسيحيين، ويهود، ونتيجة لذلك، أبعدوا الحيوية الدينية عن الأديان.

ثم إن الإنسان، وقد تحرر عقله، ورأى هذا الدين لا يتناسب مع حياته، ومع عقلانيته، لذلك أصبح عَلمانياً، أو بعيداً عن الدين. والذنب ليس ذنب هذا الإنسان، وإنما هذا بسبب أخطاء بعض علماء ورجال الدين.

عندما طُبِّقَ الإسلام، في زمن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم إلى ما بعد وفاته بثلاثين سنة، استطاع المؤمنون بهذه المبادئ السماوية الأصيلة، أن يوجدوا الأمة العالمية، من حدود إسبانيا إلى بكين. واستطاع الإسلام بمبادئ السماء أن يجعل مع الأمة العالمية، الدولة العالمية، لتحقيق الأمن والواجبات التي لا يتحقق وجودها إلا بوجود الدولة.

أنجز الإسلام هذا العمل التاريخي العظيم بثلاثين سنة، وبوسائل الإنسان البدائية، حيث لم يكن هناك سيارات، ولا طائرات ولا لاسلكي، ولا محطات فضائية، ولا فاكس، ولا إنترنيت... الخ. أما لو ملك النبي محمد صلى الله عليه وسلم والمؤمنون معه الوسائل الموجودة في القرن العشرين؛ من المواصلات، والمطبوعات، والإذاعات، والمحطات الفضائية وغيرها فأعتقد أنه كان بإمكانهم أن يوحدوا العالم في أمة واحدة ودولة واحدة بأقل من ثلاثين سنة، وهذا ماكان يتخيله الفلاسفة ويتمنونه، ولكنهم عجزوا عن تحقيقه.

وأخيراً، أقول: لو استطاع الإنسان في هذا الوقت، ومن أي دولة، ومن أي شعب، تبني هذا المشروع السماوي، وبوسائل الإعلام المعاصرة، فأعتقد أنه سيتحقق السلام، بل والإخاء، وسيصير سكان العالم عائلة واحدة، لا حرب، ولا بغضاء، ولا شقاء...الخ.

2- المناقشة:

سؤال: قد علمنا جمال الإسلام وجمال تعاليمه، ونرى نحن في الغرب أن هناك نزعةً لما يسمى بالأصولية والأصوليين، فما هذه النزعة وكيف تصفها ؟

جواب: الإسلام هو برنامج سماوي. وأي إنسان ينتسب إليه ولا يمشي على مخططه التام، فإن المسؤولية تكون عليه، لا على الإسلام كبرنامج سماوي وإيماني وحياتي.

هناك خطآن: خطأ ترتكبه الحكومات، وخطأ من الإسلاميين.

العنف في الإسلام غير مقبول، كما أن على الحكومات أن تستجيب لمطالب الشعب.

سؤال: هل تبيّن لنا شيئاً عما يوجد في الإسلام من خلافات، كأن نقول هناك سنّة وهنا شيعة.. ما سبب ذلك، وما تفسيركم له ؟!

جواب: هذا ليس من أصل الإسلام. وهذا الأمر يمكن أن ينشأ في كل المبادئ الدينية أو السياسية أو غيرها. إذ إنها تبدأ موحدة، ثم باختلاف أفكار الناس، واختلاف اجتهاداتهم يحصل هذا التفرع، سواء كانت دينية أو غير دينية. لكن هذا الانقسام آخذ في الزوال. لأن القرآن الكريم لم يترجم، بل بقي في لغته الأصلية، وبالتالي فهو لم يُحَرَّف، وهو واضح كل الوضوح، ويجتمع عليه المسلمون جميعاً بجميع فرقهم ومذاهبهم.

إن جميع الطوائف الإسلامية تتقارب الآن نحو الوحدة الإسلامية من ناحية العقيدة.

كذلك - ومن جهة أخرى - فإن التعصب بين أبناء الديانتين الإسلامية والمسيحية قد بدأ يتراجع، وبسبب التقدم الفكري والعقلي في الإنسان، أصبح التقارب بين أبناء الديانيتين العالميتين يبشر بكل خير في المستقبل القريب لمصلحة الإيمان، ولمصلحة الإنسان.

فنحن مثلاً في سورية، كمسيحيين ومسلمين، لا نشعر إلا أننا أبناء عائلة واحدة، يتعاون بعضنا مع بعض، كما يتعاون أبناء الأب والأم من عائلة واحدة.

سؤال من امرأة ألمانية: ما مكانة المرأة في المجتمع الإسلامي ؟

أجاب ضاحكاً: سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم يقول: ((النساء شقائق الرجال))(

أخرجه ابو داود: في الطهارة (236).

- والترمذي، في أبواب الطهارة (113).

- وأحمد (6/256) بإسناد صحيح. عن عائشة.

)، والقرآن الكريم يقول: {ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف}(سورة البقرة: [الآية: 228].)، كذلك يقول النبي محمد صلى الله عليه وسلم: ((الجنة تحت أقدام الأمهات))(

أخرجه أحمد والنسائي وابن ماجه والحاكم عن معاويه. وورد بنحوه عن معاوية بن جاهمة السُّلَمي بلفظ: ((أن جاهمة جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، أردت أن أغزو، وقد جئت أستشيرك، فقال صلى الله عليه وسلم: هل لك من أم ؟ قال: نعم، قال: فالزمها، فإن الجنة تحت رجليها)) أخرجه النسائي في الجهاد (6/11).

انظر: كشف الخفاء للعجلوني (1/401) رقم 1078.

ويقول أيضاً: ((من كانت له ثلاث بنات، فصبر على لأوائهن وضرائهن أدخله الله الجنة بفضل رحمته إياهن، فقال رجل: وثنتان يا رسول الله ؟ قال: وثنتان، فقال رجل: أو واحدة ؟ قال: وواحدة))(

أخرجه الحاكم في مستدركه، عن أبي هريرة رضي الله عنه (4/176)، وقال عنه صحيح الإسناد.

انظر: تخريج الحافظ العراقي لأحاديث الإحياء 2/113.

وكانت آخر جملة قالها قبل أن تفارق روحه جسده: ((استوصوا بالنساء خيراً))(أخرجه الشيخان عن أبي هريرة، (كنز العمال 16/372).)، وما زال يكررها حتى انقطع نفسه.

سؤال: ما هو رأي الإسلام في فصل الدين عن الدولة، أو الكنيسة عن الدولة ؟

جواب: الإسلام هو دين ودولة بآن واحد. وعندما فُصلَ الدين عن الدولة كان ذلك عملاً سياسياً. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((الإسلام والسلطان أخوان لا يصلح واحد منهما إلا بصاحبه))(لفردوس للديلمي: (396) عن ابن عباس بلفظ: ((الإسلام والسلطان أخوان لا يصلح واحد منهما إلا بصاحبه، فالإسلام أسّ، والسلطان حارس، وما لا اسّ له منهدم، ومالا حارس له ضائع)).).


- انتهى الحوار -