نظرة الإسلام للتعايش مع غير المسلمين
نظرة الإسلام للتعايش مع غير المسلمين

حوار مع سماحته أجراه مراسل جريدة الراية القطرية دمشق في 14/12/1997م

1997-12-14

بسم الله الرحمن الرحيم

السؤال الأول: إذا عرفنا الآخر غير الإسلامي بصورة مختصرة بأنه (المختلف) كيف ينظر الإسلام والمسلمون إلى الآخر؟

الجواب:

الحقيقة أن القرآن الكريم وضع قواعد واضحة للعائلة البشرية، وأعلن الإسلام أن الناس جميعاً خلقوا من نفس واحدة، وهذا يعني وحدة الأصل الإنساني، فقال الله تعالى: {يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساءً واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحامَ إن الله كان عليكم رقيباً}(سورة النساء: [الآية: 1].) والناس جميعاً في نظر الإسلام هم أبناء هذه العائلة الإنسانية، وكلهم له الحق في العيش والكرامة دون استثناء أو تمييز، فالإنسان مكرم في نظر القرآن الكريم، دون النظر إلى دينه، أو لونه، أو جنسه، قال تعالى: {ولقد كرَّمنا بني آدم}(سورة الإسراء: [الآية: 70].) وما اختلاف البشرية في ألوانها، وأجناسها، ولغاتها، إلا آية من الآيات الدالة على عظيم قدرة الخالق تعالى، قال عز وجل: {ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالِمين}( سورة الروم: [الآية: 22].).

وهذا الاختلاف لا يجوز أن يكون سبباً في التنافر والعداوة، بل بالعكس يجب أن يكون سبباً للتعارف والتلاقي على الخير والمصلحة المشتركة، فالله تعالى يقول: {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا}(ر) وميزان التفاضل الذي وضعه القرآن الكريم، إنما هو ما يقدمه هذا الإنسان من خير للإنسانية كلها مع الإيمان الحق بالله تعالى، فالله يقول: {إنَّ أكرمكم عند الله أتقاكم}(سورة الحجرات: [الآية: 13].) والآخرون الذين لم ينتسبوا إلى مدرسة الإسلام، لم ينظر القرآن الكريم إليهم على أنهم ليسوا بشراً، وإنما نظر إليهم نظرة الطبيب إلى المريض، فهؤلاء الآخرون عندما يرفضون دعوة الإسلام، لا يحاربهم دين الله عز وجل ولا يقاتلهم، لأنه لا إكراه في الدين، وأما القاعدة التي وضعها القرآن في التعامل، مع هذا الآخر، إنما هي قوله تعالى: {لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين}(سورة الممتحنة: [الآية: 8].).

فالآية واضحة في أننا نحن المسلمين عندما لا يريد الآخرون أن ينضموا إلى مدرسة الإسلام، فلنا الحرية التامة في صلتهم، والعدل معهم، ومعاملتهم المعاملة الطيبة، بناءً على مبدأ الاحترام المتبادل، والعلاقات والمصالح المشتركة.

السؤال الثاني: يتسم عالم اليوم بنزوع البشر إلى التعايش والتقارب، وفي هذا تبدو للإسلام أسبقية في موضوع التعايش ليس على صعيد المجتمعات بل على صعيد المجتمع الإسلامي الأول زمن النبي صلى الله عليه وسلم، فما هي الأسباب التي قام عليها التعايش بين المسلمين وغيرهم في المدينة المنورة ؟

الجواب:

النبي الكريم صلى الله عليه وسلم لما هاجر إلى المدينة المنورة، كان فيها أتباعه من المسلمين، إضافة إلى بعض المشركين العرب، وقبائل يهودية، فأقام حلفاً مبنيّاً على التكافؤ والعدالة بين المسلمين واليهود، فلم يأت النبي صلى الله عليه وسلم ليمحو وجود اليهود من المدينة، وإنما اعترف بدينهم، وترك لهم حرية ممارسة شعائرهم، ولم يتعرض أبداً لشعائرهم، بل كان يدعوهم إلى الإسلام بالحكمة والموعظة الحسنة، حتى إنه ورد في أسباب نزول قوله تعالى: {لا إكراه في الدين}(سورة البقرة: [الآية: 256].) أن بعض المسلمين كان لهم أولاد يدينون بالديانة اليهودية، فأرادوا أن يجبروا أولادهم على ترك اليهودية واعتناق الإسلام، فنهاهم الله في هذه الآية عن ذلك.

وعندما حارب النبي صلى الله عليه وسلم اليهود لم يحاربهم بسبب الاختلاف معهم في الدين، وإنما كان سبب الحرب معهم هو نقضهم للمعاهدات التي كانت بينهم وبين المسلمين، إضافة إلى سعيهم الدائم لتأليب العرب والمشركين ضد النبي والإسلام، فالحرب كانت دفاعية وقائية بالدرجة الأولى، ولما توسعت رقعة الدولة الإسلامية زمن النبي صلى الله عليه وسلم كان هناك مجموعة كبيرة من القبائل المسيحية العربية وبخاصة في نجران، فما كان منه صلى الله عليه وسلم إلا أن أقام معهم المعاهدات التي تؤمن لهم حرية المعتقد، وممارسة الشعائر، وصون أماكن العبادة، إضافة إلى ضمان حرية الفكر والتعلم، فلقد جاء في معاهدة النبي لأهل نجران: ((ولا يغير أسقف من أسقفيته، ولا راهب من رهبانيته ولا كاهن من كهانته وليس عليه دنية)) وكان لهؤلاء ولغيرهم الحرية التامة في التنقل والحركة وممارسة أي نوع من أنواع التجارة والنشاطات الاجتماعية، فهذه هي الأسس التي قام عليها التعايش بين المسلمين الأوائل مع غيرهم.

السؤال الثالث: هل يمكن اعتبار الأسس السابقة كافية لتعايش المجتمعات والدول الإسلامية مع غيرها من المجتمعات والدول في عالم اليوم ؟

الجواب:

مما لاشك فيه أن الأسس التي وضعها الإسلام في إطار التسامح الديني والتعايش مع الآخرين تعد صالحة للعمل بها في كل زمان ومكان، فالتاريخ الإسلامي يذكر بوضوح تام كيف كان المسلمون يعيشون مع كافة أتباع الأديان المختلفة سماوية وأرضية جنباً إلى جنب، والكل يعيش في حرية دينية سامية، ويمارس سائر أشكال الحياة العلمية والاجتماعية والعملية، وحتى تولي المناصب العليا في الدولة، والأمثلة التاريخية كثيرة جداً، ربما لا يمكن حصرها، ولا أظن بحال من الأحوال أن البشرية التي تدعي التقدم وقد وصلت إلى أعتاب القرن الحادي والعشرين يمكن لها أن تصل إلى ما وصل إليه الإسلام من التسامح والتآخي الإسلامي، والتعايش السلمي المشترك بين كافة الأجناس البشرية، فلا يوجد شيء في الإسلام اسمه إلغاء الآخر، لأن هذا الآخر ولو كان مخالفاً للمسلمين في الاعتقاد والتدين، فهو إنسان له كافة الحقوق الإنسانية، طالما يريد أن يعيش مع المسلمين جنباً إلى جنب فعلى الرحب والسعة، ولعل في المثال العملي الذي نشاهده في بلاد الشام أعظم دليل على صحة ما أقول، فالمسلمون والمسيحيون عاشوا أربعة عشر قرناً جنباً إلى جنب، يتقاسمون الأفراح والأتراح، والشدائد والمسرات، ويواجهون دائماً عدواً واحداً، ويحاربون في خندق مشترك.

السؤال الرابع: كيف يرى سماحة المفتي أثر التدخلات الأجنبية والأوروبية خصوصاً في طبيعة علاقات التعايش في المنطقة العربية بين الجماعات المختلفة ؟

الجواب:

هذا الأمر لعلي قد أشرت إليه في إجابتي السابقة، وهو أن المسلمين وغيرهم من أبناء الوطن الواحد كانوا يعيشون سوية عبر التاريخ، ويواجهون المصير نفسه، وعندما كانت تتدخل الدول ذات المصالح الاستعمارية والاقتصادية والسياسية فإن تدخلها دائماً يبث الفرقة والتباغض بين أبناء الوطن الواحد، ويعمق بذور الطائفية، وتسعى هذه الدول إلى إشعال نيران هذه الطائفية بين الحين والآخر، بحجة أن هذا مسلم وهذا غير مسلم، وإذا كانت هذه الدعوات الطائفية والمذهبية تسبب في بعض الأحيان شيئاً من سوء العلاقات أو تعكير صفو التعايش بين أبناء الوطن الواحد، فإن المسلمين وغيرهم في داخل بلدان العالم الإسلامي يعرفون أهداف هذه الدول التي تتدخل بحجة حماية الأقليات، ويعرف تماماً المسيحيون العرب أن الدول الاستعمارية عندما تمد يد الدعم لبعض الفئات المسيحية لا تبتغي من وراء ذلك إلا مصالحها الخاصة، وأذكر هنا كلمة قالها فارس الخوري وهو من رجال الفكر والسياسة في سورية في احتفال أقامه المسلمون في الجامع الأموي ضد الاستعمار الفرنسي، وقف خطيباً ليعلن على الملأ: ( إن مبرر وجود فرنسة في سورية هو حماية النصارى، أنا نائب النصارى فارس الخوري أطلب الحماية منكم أيها المسلمون، وأرفضها من فرنسة)

السؤال الخامس: في ضوء الصراعات التي شهدتها المنطقة، وبخاصة الصراع العربي الإسرائيلي، إلى أي مدى يمكن أن تشهد المنطقة سلاماً بين الجماعات، وبخاصة بين المسلمين واليهود ؟

الجواب:

يجب أن أنبّه هنا إلى نقطة، وهي أنه من الواجب علينا أن نفرق تماماً بين شيء اسمه يهودية وشيء اسمه صهيونية، فاليهودية دين منسوب إلى سيدنا موسى عليه السلام، وأتباع اليهودية في بلاد المسلمين كانوا كغيرهم عبر مراحل التاريخ طائفة من الطوائف التي لها كيانها واحترامها، لأن هؤلاء كانوا يسمون في المجتمع باسم أهل الذمة، أي لهم ذمتنا وحمايتنا ورعايتنا، فالمسلمون لا يوجد بينهم وبين الأقليات اليهودية المنتشرة في العالم الإسلامي أي صراع أو عداوة، وهؤلاء نعيش معهم في سلام واطمئنان وهذا هو الواقع تماماً، لكن الصراع في حقيقته ليس مع اليهودية إنما هو مع الصهيونية، وهي حركة سياسية عنصرية استعمارية تهدف إلى محاربة الإنسان، ليس المسلم فقط بل المسلم والمسيحي في أرض فلسطين، حتى تهجره من أرضه، وتقتله، وتغتصب حقوقه، وتنتهك حرماته ومقدساته، وتهدر كرامته، فهؤلاء لا يمكن وصفهم إلا بالمستعمرين المغتصبين، والصراع الذي بين المسلمين وبين الصهاينة هو الصراع نفسه الذي بين المسيحيين العرب وبين الصهاينة، ولذلك فإن الحديث عن السلام في المنطقة يجب أن يكون مبنياً على أساس العدل، ورد الحقوق، وإيقاف الظلم والعدوان الذي ترتكبه الحركة الصهيونية العالمية المتمثلة بدولة إسرائيل، ضد أبناء العرب مسلمين ومسيحيين على السواء، فالسلام المنشود لابد أن يكون سلاماً عادلاً وشاملاً يرد الأرض لأصحابها، ويعيد الحقوق لأهلها، أما السلام الذي تريده إسرائيل فهو سلام المصلحة الخاصة، وسلام استمرار الظلم والطغيان، وهذا ما لا يرضى عنه عاقل في الدنيا.

السؤال السادس: اتخذ الإسلام والإسلاميون موقفاً متشدداً إزاء إيديولوجية بعينها منها الإيديولوجية الماركسية والإيديولوجية القومية، هل تغيرت نظرتهم إلى هذه الإيديولوجية في ضوء متغيرين أساسيين: الأول: سقوط الاتحاد السوفييتي وكتلته والثاني الحوار الإسلامي القومي العربي ؟

الجواب:

ربما هناك خطأ في السؤال وهو القول ( الإسلام والإسلاميون ) وقضية التشدد، فالإسلام هو تلك الرسالة السماوية الخاتمة التي جاء بها النبي صلى الله عليه وسلم من أجل سعادة البشرية، ونشر الخير والرفاهية لكل بني الإنسان، وإذا كان الإسلام يرفض الفكر الماركسي، فالسبب في ذلك هو أن الماركسية حاربت الأديان كلها، دون تمييز بين الدين الصحيح والدين المحرف والمزيف، فلما قالوا عن الأديان ( الدين أفيون الشعوب ) قصدوا بذلك الأديان التي تحارب العقل والتفكير العلمي، وتحتقر الكرامة الإنسانية، ولكنهم أخطئوا الخطأ الكبير عندما أسقطوا هذه النظرة على الإسلام، فالإسلام دعوة إلى التحرر والتقدم وإسعاد الإنسانية، وفيه الملاذ الكافي للعلم والعلماء، لكل ما هو خير الإنسان، فهذا الموقف الإسلامي لا يصح أن يسمى تشدداً أو تطرفاً، ولقد أثبت الواقع صدق وصحة المبادئ الإسلامية، فالشيوعية لم تصلح للبقاء والاستمرار، لأنها لبَّتْ جوانب جزئية من حاجيات الإنسان، وأهملت جوانب كبيرة، ولقد كنت دائماً وبخاصة قبل عشر سنوات من سقوط الشيوعية أنبه إخواني وكل الذين التقيتهم إلى أن الشيوعية ستسقط بعد عشر سنوات، لأن ما بني على باطل فهو باطل، وهذا ما حدث بالفعل.

وأما الشق الثاني من السؤال وهو أن الإسلام يحارب القومية ويتشدد معها، فهذا الكلام باطل لا أساس له من الصحة، والذين يتشددون ويقولون: إن الإسلام والقومية لا يلتقيان، فهؤلاء قد جهلوا طبيعة وحقيقة رسالة الإسلام، ومن الخطأ الكبير أن تُشوه صورة الإسلام بناء على الفهم القاصر لهؤلاء، فلا يوجد أي صراع أبداً بين الإسلام وبين القوميات، وبخاصة القومية العربية، فعندما أتى الإسلام سجل للأمة العربية الفخر والحضارة والازدهار، ولم يأت الإسلام ليحارب الأمة العربية، ولا القومية العربية، وكذلك عندما فتحت بلدان العالم القديم أمام الدعوة الإسلامية، ودخل الناس في دين الله أفواجاً، لم نسمع أبداً أن الفاتحين الأوائل من الصحابة الكرام قد حاربوا القوميات، فهناك العشرات من القوميات مازالت إلى الآن تحتفظ بهويتها القومية، وثقافتها، وتراثها، بعد أن دخلت في دين الله عز وجل، فلم يأت الإسلام لإلغاء شخصيتها القومية، ونجد في القرآن الكريم أن الأنبياء كانوا يُوصَفون بأنهم إخوة لأقوامهم، لا أعداء لهم ولقومياتهم، فقد قال تعالى: {وإلى مدين أخاهم شعيباً قال يا قوم اعبدوا الله}(سورة الأعراف: [الآية: 85].) و {وإلى عاد أخاهم هوداً قال يا قوم اعبدوا الله}(سورة الأعراف: [الآية: 65].)، {وإلى ثمود أخاهم صالحاً قال يا قوم اعبدوا الله}(سورة الأعراف: [الآية: 73].).

ونرى في القرآن الكريم أن الأنبياء كانوا يخاطبون أقوامهم بقوله تعالى:
( يا قوم ) وليس يا أعدائي، ويبقى تمايز الناس كشعوب وقوميات للتعارف، وتبقى التقوى والعمل الصالح لخدمة الإنسانية ميزاناً للتفاضل، كما قال الله تعالى: {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم}(سورة الحجرات: [الآية: 13]).

ولقد وجد القوميون العرب أنفسهم بعد عقود من التنافر مع الإسلاميين في خندق واحد معهم في النضال ضد الصهيونية والاستعمار، وأثبتت الحركات الإسلامية فعاليتها المتميزة على الآخرين في هذا النضال.

فالعروبة جسد والإسلام روحها، وكما قال سيدنا عمر رضي الله عنه: (نحن قوم أعزنا الله بالإسلام ومهما نبتغي العزة بغيره يُذلنا الله...)

السؤال السابع: ما هو أثر الآخر في ضعف العالم الإسلامي والمسلمين عموماً، هل ذلك الأثر ناتج عن سياسة سببها الإسلام والمسلمون أم إنه بسبب سياسة عامة يقع الإسلام والمسلمون في إطارها ليس إلا ؟

الجــواب:

لقد مرت بالأمة الإسلامية عصور من التخلف في شتى مجالات الحياة الدينية والدنيوية، وكانت أسباب هذا التخلف تعود إلى عاملين: الأول: خارجي وهو الحروب الاستعمارية كالحروب الصليبية والتتار والاستعمار الحديث، والثاني وهو الأهم: هو تخلف المسلمين عن تطبيق أحكام دينهم، فالقرآن دائماً يأمرنا بالسعي لتحقيق السعادة في الدنيا وفي الآخرة {ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة}(سورة البقرة: [الآية: 201].) وعندما أهمل المسلمون دنياهم، ولم يلتزموا أحكام دينهم التي تأمرهم بالتوازن بين الدنيا والآخرة، بحجة الزهد والتقشف وغيرها من المفاهيم المغلوطة، تخلف المسلمون، فاستفاد أعداؤهم من هذا التخلف، وحاولوا منذ زمن بعيد أن يضعوا العراقيل دائماً في وجه المسلمين، حتى لا يعودوا إلى دينهم، بهدف أن تبقى دول العالم الإسلامي لقمة سائغة لأهداف الآخرين؛ اقتصادياً، وسياسياً، وعسكرياً، والذي يتحمل مسؤولية التخلف من الداخل هم السياسيون، وعلماء الدين، وأغنياء المسلمين.

السؤال الثامن: هل توافق سماحتكم على القول بأن الغرب بالفعل قد نصب الإسلام عدواً له، وهل ثمة طريق لتغيير تلك العلاقة من جانب المسلمين ؟

الجــواب:

إذا كان الغرب المقصود به سياسة الدول الأوروبية وأمريكة تجاه المسلمين، فهذه الدول بشكل عام تنحاز دائماً إلى موقف الخصم ضد المسلمين، وكثير من هذه الدول تسعى إلى فرض هيمنتها على العالم الإسلامي، وتدعم ألواناً كثيرة من الظلم والعدوان الموجه إلى العالم الإسلامي، فإسرائيل في حقيقتها ليست إلا وليدة الدعم الغربي لها، ومازال إلى الآن مجلس الأمن يكيل بمكيالين، فلا ينتصف للضعيف من القوي، ولايرد الحق لأصحابه، والسبب في ذلك كما قلت: هو تخلف المسلمين، وعدم وحدتهم، وعدم سيرهم على منهاج النبوة، القائم على العلم، والتزكية، والحكمة في كل شيء، والمسلمون اليوم مقصرون جداً في إيصال حقيقة الإسلام وصورته الصحيحة إلى العالم الغربي وغير الغربي، فإذا تهيأ الدعاة الحكماء المخلصون الذين يمكن لنا أن نوجههم إلى العالم الغربي، لينشروا مبادئ الإسلام بالحكمة والموعظة الحسنة، وليعرِّفوا الناس على حقيقة هذا الدين السماوي، فإن البشرية اليوم في عطش شديد، لملء هذا الفراغ الروحي الذي تعيشه وبخاصة في العالم الغربي، ويمكن للمسلمين أن يغيروا بذلك نظرة الغرب إذا عرضوا الإسلام على حقيقته.

السـؤال التـاسـع: كيف ينظر سماحة المفتي إلى تأثيرات العنف على علاقات المسلمـين مع غيرهـم ؟

الجــواب:

إن قضية العنف التي تشهدها الساحة الدولية والساحة الإسلامية هي على أنواع:

عنف سببه الظلم والعدوان، حيث تقوم به الدول غير الإسلامية فتهاجم المسلمين في بلادهم وتغتصب حقوقهم، كما هو الحال الآن في فلسطين والجولان وجنوب لبنان.

فعندما يقوم المسلمون بمواجهة هذا العدوان لا يجوز بأي حال من الأحوال أن نسمي هذه المواجهة عنفاً، لأنها حق مشروع، وهو الدفاع عن النفس والأرض، بل هذا عنف يحمد عليه الإنسان، لأنه جهاد ومواجهة للعدو، فعندما واجهت دول أوروبة النازيين لإيقافهم عند حدهم، ولمنعهم من الظلم والعدوان، لم يسم أحدٌ هذه المواجهة عنفاً أو تطرفاً، ولكن الشيء الخطير هو أن يمارس المسلمون هذا العنف بعضهم مع بعض، كما يحدث الآن في أفغانستان، حيث يتقاتل الإخوة بسلاح عدوهم، ولكن الخاسر الحقيقي هو الإسلام والمسلمون في تلك البلاد، فهذا عنف باطل وجريمة شنيعة، وأما ما يحدث بين الحين والآخر في بعض بلدان العالم الإسلامي أو غير الإسلامي؛ من قتل الأبرياء، وتفجير الحافلات، وإسقاط الطائرات المدنية، وتخويف الآمنين، وكل ذلك بحجة الدعوة إلى الله، وبحجة أن الإسلام يأمر بهذا، فهذا أمر لا نشك مطلقاً أن هناك أيد غريبة مشبوهة وعميلة، تسعى لتفجير هذه الأحداث بين الحين والآخر من أجل تشويه صورة الإسلام الحقيقية، حتى يقول العالم: انظروا إلى الإسلام، إنه دين القتل والإرهاب، فهذه لعبة مكشوفة رهيبة، مازال يقع ضحيتها بعض الجهلاء وأصحاب المصالح الخاصة، وإن النتيجة التي تنتج عن هذا العنف إنما هي تشويه صورة المسلمين، وتلهية وتشغيل الدعاة إلى الله بقضايا جانبية، حتى لا يحققوا الهدف من وجودهم، ألا وهو إيصال نور الله ودعوته إلى كافة أنحاء العالم، وكذلك ضرب الاستقرار في الدول الإسلامية، وصرفهم عن الوقوف صفاً واحداً أمام عدوهم الرئيسي.

السؤال العاشر: منذ فترة يجري الحديث عن الحوار الإسلامي المسيحي، ما رأي سماحتكم بهذا الموضوع من حيث ضرورته واحتمالاته ؟

الجواب:

الحوار الإسلامي المسيحي هو واجب إسلامي عملاً بقول الله تعالى: {قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله}(سورة آل عمران: [الآية: 64].)، وقوله تعالى: {ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن}(سورة العنكبوت: [الآية: 46].) والحوار هو قضية جوهرية في الدعوة الإسلامية اليوم، وأنا أدعو إليه منذ الخمسينات من هذا القرن، لأن هذا الحوار في حقيقته شكل من أشكال الدعوة إلى الله، فالنبي صلى الله عليه وسلم قد حاور المشركين، وحاور اليهود والنصارى، وجلس معهم الجلسات الطويلة يدعوهم إلى الله، بالحكمة والموعظة الحسنة، وعندما يمارس الدعاة الحكماء الحوار الإسلامي المسيحي بالشكل المطلوب، وبالمنهج الذي رسمه القرآن، فيمكن لنا أن نستفيد فائدة كبيرة جداً، قد تعجز عنها قوتنا وجيوشنا، وهذه الفائدة تتلخص في أننا نستطيع أن نوصل الإسلام إلى كل أبناء المسيحية في العالم من خلال الحوار، وأن نزيل الصورة المشوهة التي رسمتها الصليبية والصهيونية العالمية للإسلام في نفوس المجتمعات الغربية، كما يمكن من خلال الحوار أن نحقق التفاهم والوحدة الوطنية في البلاد التي يعيش فيها المسلمون والمسيحيون سوية، بحيث لا يتدخل أصحاب المطامع لبث الفتن والفرقة بينهم.

وإنني قد حاورت المئات من المسيحيين بكل طوائفهم ورتبهم، وزرت البابا الحالي في الفاتيكان مرتين، فحدثته عن الإسلام، وعن الإيمان العقلي، وبينت له المسؤولية الكبرى الملقاة على عاتق رجال الدين إذا لم يعرضوا الدين السماوي الحق بالصورة الصحيحة، فالدين إذا عُرض بصورة مخالفة للعقل، فإن العقل الإنساني السليم سوف يرفضه، وهذا ما حدث في أوروبة عندما رفضت الدين واختـارت العـلمانية.