الإســـلام والـعلـمانـية
الإســـلام والـعلـمانـية

حوار مع سماحته أجرته مراسلة صحيفة باسم (168 ساعة) تصدر في صوفيا

1998-03-28

بسم الله الرحمن الرحيم

السؤال الأول: ما هو دور ومكانة الجامع في الجمهورية العربية السورية العلمانية؟

الجواب:

نشأ مفهوم العلمانية في العالم الغربي، لأن الكنيسة كانت تعرض المسيحية بشكل يتناقض مع العلم والعقل، ولأنها كانت تقف حائلاً دون تقدم الإنسان العلمي والحضاري.

أما الإسلام فقد جعل طلب العلم النافع وتعليمه فريضة، لا يصح إيمان وإسلام المسلم إلا به، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((طلب العلم فريضة على كل مسلم))(رواه ابن ماجة كتاب: [ المقدمة ]، رقم ( 224 ). )، والحقيقة أن الإسلام لم يدعُ إلى تنمية العقل فقط، بل دعا إلى تنمية العقل الحكيم الذي يصيب في القول والعمل، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((رأس العقل بعد الدين التودُّد إلى الناس، واصطناع الخير إلى كل برٍ وفاجر))(رواه البيهقي في الشعب، عن علي رضي الله عنه (كنز العمال 3/382).).

بعد ذلك نقول: إن العلمانية التي تعتمد العلم التجريبي، هي حلقة صغيرة من حلقات الإسلام، وإن العلمانية التي تعني الإباحية لا محل لها في الإسلام.

وإذا كانت بعض الدول الإسلامية قد اتخذت العلمانية منهجاً في سياستها، فسبب ذلك الجهل بحقيقة الإسلام، وبسبب أن المسلمين لا يعبرون عن الإسلام بشكل صحيح ؛ بأقوالهم وأعمالهم، ولا يجيدون التعريف به.

إن التعريف بحقيقة الإسلام الحي هي مسؤولية كل مسلم، فالإسلام لم يأت بشيء يتناقض مع العقل والعلم والعدل وحقوق الإنسان ؛ أيّ إنسان كان، ومهما كان لونه أو قوميته أو دينه، فقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه مرت جنازة يهودي أمامه، فقام احتراماً لها، فقال بعض المسلمين: يا رسول الله ! إنها جنازة يهودي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أليست نفساً))(رواه البخاري في صحيحه، كتاب [ الجنائز ]، رقم ( 125 )، ومسلم في كتاب: [ الجنائز ] رقم ( 961 ).). هذا هو احترام الإنسان الميت غير المسلم في الإسلام، فما بالك بالنسبة للإنسان الحي؟

وأما بالنسبة للإنسان غير المسلم فالقاعدة ((لهم مالنا وعليهم ما علينا)). أي من الحقوق والواجبات.

بعد ذلك نقول: لا مشكلة للإسلام مع العلم، ولا تناقض بينهما، وإن الإسلام يأمر بالتقدم العلمي والتكنولوجي والحضاري، ولا يقف حائلاً مانعاً أمام الإنسان وتطلعاته، بل أتى ليناصر العقل والعلم وحقوق الإنسان.

ومما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك: ((ليس مني إلا عالم أو متعلم))(رواه ابن النجار، والديلمي في الفردوس عن ابن عمر ( كنز العمال 10/156 ).)، وقال أيضاً: ((أُغدُ عالماً أو متعلماً أو مستمعاً (للعلم) أو محباً (للعلم والعلماء) ولا تكن الخامس فتهلك))(رواه البيهقي وابن عبد البر من حديث عطاء بن مسلم الخفّاف عن أبي بكرة مرفوعاً بسند ضعيف، انظر: (كشف الخفاء 1/167). )، وإذا تخلى الإنسان عن هذه الصفات الأربعة فهو جاهل، والجهل يؤدي إلى الهلاك، بعد ذلك هل يمكن للعلمانية أن ترفض هذه الحقائق العلمية في الإسلام؟

السؤال الثاني: ما هي طبيعة العلاقات بين رجال الدين المسيحي والإسلامي في سورية؟

الجواب:

أنا أزورهم في أعيادهم، وهم يزوروني في أعياد المسلمين، ونحن نلتقي ونتعاون في كثير من القضايا الوطنية، ويعيش المسلمون والمسيحيون في وحدة وطنية متينة، وفي سورية حرية المعتقد والعبادة مصانة قانوناً ودستوراً.

السؤال الثالث: ما هو دور الدين في السياسة العالمية؟

الجواب:

مع مرور الزمن، وبفعل الترجمات والمصالح الشخصية، فقدت الأديان الكثير من أصالتها وجوهرها وجمالها، فحدثت الثورات ضد الكنيسة في أوروبة وروسية، ورُفع شعار فصل الدين عن السياسة والدولة، من أجل التحرر والتقدم، وسرت هذه العدوى إلى بعض البلدان الإسلامية، وكانت حصيلة ذلك ما نراه اليوم من حياة مادية تسببت في كثير من التحديات المعاصرة، في مجالات الفقر، والبطالة، والإباحية، وانهيار الأسرة، والعنف المتمثل بالجريمة، والصراعات، والحروب الاجتماعية والاقتصادية.

لكن ما حدث من تحريف في الأديان لم يحدث في الإسلام، حيث إنه ما يزال في مجمله محافظاً على أصالته وجوهره، ذلك لأن الله عز وجل تكفل بذلك فقال: {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون}(سورة الحجر: [الآية: 9]. )، فالإسلام بحقيقته وجوهره دين (أي نظام وبرنامج) يحقق للإنسان سعادته الجسدية والروحية في هذه الدنيا، كما يحقق له السعادة في عالم الروح والخلود.

ذلك لأنه دين التوحيد والوسطية، وهو يدعو إلى الإيمان بكل الأنبياء والرسل، فهو يقدس إبراهيم وموسى وعيسى، كما يقدس النبي محمداً صلى الله عليه وسلم، والحقيقة، إن الإسلام لم يأت لينقض رسالات الأنبياء قبله، بل أتى ليتمم الرسالات السابقة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن مثلي ومثل الأنبياء من قبلي، كمثل رجل بنى بيتاً ؛ فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية، فجعل الناس يطوفون به، ويعجبون له، ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة، قال: فأنا اللبنة، وأنا خاتم النبيين))(رواه البخاري في صحيحه، كتاب: [المناقب]، باب: (خاتم النبيين)، وروى مسلم نحوه، كتاب: [الفضائل]، باب: (ذكر كونه صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين).).

فالإسلام يعترف بالأنبياء ورسالاتهم ويقدسهم جميعاً، ومن قواعد الإسلام وأصوله أنه صان الحقوق والحريات الإنسانية لكل بني البشر، مهما كانت معتقداتهم ومذاهبهم ؛ ومنها حرية المعتقد، والعبادة، والتعبير، وقد أثبتت الحوادث التاريخية قدرة المسلمين على التعايش والتعاون مع غير المسلمين، سواء في أوطانهم الإسلامية، أو في الأوطان غير الإسلامية.

وبناءً على ما تقدم، فإن دور الدين الإسلامي كنظام قادر على إسعاد الإنسان دور مشهود له تاريخياً، فالمسلم مكلف بالعمل الجاد لإسعاف ومواساة الإنسان البائس، مهما كان انتماؤه ومعتقده، ومن أجل هذا الهدف النبيل شُرع الجهاد المقدس، وبذل جيل المسلمين الأُول دماءهم وحياتهم دفاعاً عن حقوق الإنسان وكرامته، ولم تكن الفتوحات لاستعمار الشعوب واضطهادها وقهرها ونهب ثرواتها وإذلالها وتقيد حرياتها، بل كانت لتخليص الشعوب من اضطهاد وقهر الملوك الطغاة المتسلطين المستبدين، من أجل أن تتمتع الشعوب بحرياتها كاملة.

فكانت الدولة الإسلامية ترعى مواطنيها مهما كانت أديانهم ومعتقداتهم رعاية متساوية وتامة، فإن كان المواطن مديناً وعجز عن أداء دينه لدائنه تقوم الدولة بوفاء دينه، وإن كان عاطلاً أو عاجزاً عن العمل، فإن الدولة تقدم له كل احتياجاته المعيشية، مسلماً كان أو غير مسلم، وعندما رأت الشعوب عدالة وسماحة ورحمة الإسلام والمسلمين، صارت تتعاون مع المسلمين وتناصرهم ضد حكامهم وملوكهم الطغاة، واعتنقوا الإسلام بمطلق القناعة والحرية والمحبة، ولم يثبت في التاريخ أن المسلمين أكرهوا أحداً على ترك دينه ليعتنق الإسلام، قال تعالى: {لا إكراه في الدين}(سورة البقرة: [الآية: 256]. ).

ومن مشاهداتي وتجاربي، وقد زرت العالم من أمريكة إلى اليابان، مروراً بالفاتيكان مع البابا، وفي الكرملين مع كبار رجاله، كانوا يُصغون إلى الإسلام باهتمام وتقدير واحترام، والمشكلة الآن أن الإسلام مجهول لكثير من الشعوب الإسلامية، فضلاً عن الشعوب الأخرى، وأعتقد أنه لو ظهر الإسلام الحقيقي في الشعوب الإسلامية في مجالات حقوق الإنسان وحرياته في المعتقد والفكر والتعبير والتملك والكفاية الحياتية ؛ لتوحدت شعوب العالم، وصارت عائلة واحدة ؛ لأنها ستجد في الإسلام المنقذ والمخلص والملاذ.

وإذا استطعنا أن نقدم الإسلام بصفائه ونقائه كمناهج وبرامج تنموية، فسيكون له دورٌ بارزٌ في الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية، ذلك لأنه يملك المنطق والمنهجية القادرة على معالجة المشكلات والتحديات المعاصرة التي تهدد البشرية، والمتمثلة في انتشار الفقر والجوع والأمراض العضوية والجنسية والنفسية، واتساع رقعة العنف والجريمة والتطرف والحروب العرقية والاقتصادية.

السؤال الرابع: ما هي أسباب ازدياد العنف الإسلامي في الآونة الأخيرة؟

الجواب:

لكل فعل رد فعل، فعندما تُشن حروب التصفية على مختلف الأصعدة ؛ لإلغاء دور الإسلام الحضاري، من قبل الجهات الدولية التي تعتقد بنظرية التصادم الحضاري، بدل التعايش والتكامل الحضاري، وتتعرض الأقليات الإسلامية للقهر والاضطهاد والتصفية، عندها تبدأ دوامة العنف التي لا تخدم إلا المؤسسات التي تسعى إلى نهب مقدرات وثروات وموارد الشعوب النامية.

وهذا العنف الذي ينسب للإسلام زوراً وبهتاناً ليس له صلة بسماحة ورحمة الإسلام لا من قريب ولا من بعيد، إنما هو مفتعل، وملفق، وتديره أيد خبيثةٌ مأجورةٌ لتشويه صورة الإسلام وإلغاء دوره الإنساني.

ولو أن المسألة مسألة عنف محلي لكان من الممكن معالجته بالوسائل الحضارية والإيجابية، من خلال مبدأ الشورى والحوار، والمشاركة في تحمل المسؤوليات، ونشر الثقافة والتعليم وتوعية العامة وصيانة الحقوق الإنسانية، ولكنا لا نرى شيئاً من ذلك...

وفي الإسلام الحاكم أجير مسئول عن رعيَّته، والمسؤولية في الإسلام أمانة وليست تسلط ووصاية.

فقد دخل أحد رعايا الدولة الأموية - التي كانت حدودها من إيران إلى المغرب - على أمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان وقال له السلام عليك أيها الأجير.

فما كان من بعض الحاضرين إلا أن زجره، عندها قال معاوية: لقد صدق.

أمير الأمة خادمها وأجيرها، إنما أنا أجير الأمة...!! بهذه القيم والأخلاقيات تنتهي دوامة العنف، وتصبح الأمة كالجسد الواحد، ويعيش الناس في محبة ووئام وإخاء وسلام، وبهذه المنطلقات والمبادئ السلوكية ترتقي الأمة إلى أعلى مراتب العزة والحضارة.

السؤال الخامس: يبدو لي أن الشباب في سورية يرجعون إلى الإسلام، والشابات يرتدين الحجاب، فهل هذا صحيح، وما هو السبب؟

الجواب:

الإسلام هو ماء الحياة، والحياة لا تزدهر إلا بماء الحياة، وعندما يعود الناس إلى الإسلام رجالاً ونساء، أطفالاً وشباباً، فهذا يعني تنامي الوعي والإدراك لحقائق الحياة، وتنامي الشعور بالمسؤولية، والإحساس بالفراغ الروحي الذي خلفته الحياة المادية والغريزية التي نعيشها.

فالإسلام ما أتى ليناصر المرأة فقط، بل ليناصر كل ذي حق ويعطيه حقه كاملاً، وبحمد الله نجد الآن في سورية رجال دين يحسنون ترجمة وتقديم الإسلام بشكل منهجي ومنطقي وحضاري، وعندما لامس الإسلام الحضاري عقول وقلوب الشباب الذين ما يزالون صحائف بيضاء نقية، وهم مسلمون في الأصل، أقبلوا على معين الإسلام، ينهلون منه للتخلص من حالة الجوع والعطش، لأنهم وجدوا في الإسلام وسيلة الخلاص والنجاة من حالة الغرق في بحار الشهوات والماديات والغرائز الطاغية، وبدأ الناس يتداولون التعاليم الإسلامية، ويحرصون عليها، لأنهم وجدوا فيها حياتهم وسعادتهم وكرماتهم.

فالإسلام يحرم المسكرات والمخدرات والزنى، وفي ذلك صحة الفرد والمجتمع الجسدية والنفسية، كما أن الإسلام يحرم الظلم والعدوان، ويأمر بالعدل والإحسان، ويأمر بأداء الحقوق والقيام بالواجبات خير قيام، وعلى أتم وجه، وفي ذلك صيانة للموارد والثروات والكرامات، وتحقيق لما يحتاجه المجتمع من الأمن والأمان.

كما أمر الإسلام بالتعاون والتعاطف والتراحم وبر الوالدين وصلة الرحم ومواساة الفقراء والمرضى والبائسين، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الجنة تحت أقدام الأمهات))(رواه القضاعي، والخطيب في الجامع، عن أنس، (كنز العمال 16/461).)، وكانت آخر وصية لرسول الله صلى الله عليه وسلم عند وفاته قوله ((استوصوا بالنساء خيراً))(

- رواه البخاري في صحيحه، كتاب: [النكاح] رقم (4890).

- ومسلم في صحيحه، كتاب: [ الرضاع ]، رقم (1468).

- ومن توجيهات رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من عال ثلاث بنات فأدبهن ورحمهن وأحسن إليهن فله الجنة))

- رواه أحمد في مسنده ( باقي مسند المكثرين ) رقم ( 11514 ).

- وفي سنن أبي داود: ((من عال ثلاث بنات فأدبهن وزوجهن وأحسن إليهن فله الجنة))، كتاب: [الأدب]، رقم ( 5147 ).

- وروى مسلم قريباً منه في كتاب [البر والصلة]، رقم (2631)

- والترمذي كتاب [البر والصلة] رقم: (1914).

-وعن الخالة قال صلى الله عليه وسلم: ((الخالة بمنزلة الأم))

- رواه البخاري في صحيحه، كتاب: [الصلة]، باب: (كيف يكتب هذا ما صالح..).

- والترمذي، كتاب: [البر والصلة]، باب: (ما جاء في بر الخالة).

وعن بر الوالدين قال تعالى: {فلا تقل لهما أُفٍّ ولا تنهرهما وقل لهما قولاً كريماً * واخفض لهما جناح الذل من الرحمة...}(سورة الإسراء: [ الآيتان: 23-24 ].) وإذا ماتا علمنا ربنا أن ندعو لهما بقولنا: {رب ارحمهما كما ربياني صغيرا}(سورة الإسراء: [ الآية: 24 ].).

وفي اعتقادي أن الإسلام كالماء البارد للعطشان، فهل يرفضه؟ والنور لمن يمشي في الظلام، هل يمتنع عن قبول المصباح الكهربائي إذا قدم له؟ وهل يمتنع الغريق من أن يمسك بالحبل وبقارب النجاة إذا ألقي له؟..

وبحسب مشاهداتي وتجاربي مع كبار السياسيين في العالم، ما استطاع أحد منهم أن يرفض الإسلام بصفائه ونقائه، ولقد قال لي نائب بريجنيف في الكرملين: إذا كان الإسلام ما أسمعه منك فهذا شيء حسن، وبعد ما يقارب من ساعتين من لقائي مع نائب رئيس الدولة في بلغارية أيام الشيوعية قال لي: أنعشتني روحياً وجسدياً، وعندما تحدثت له عن حال مسجد صوفيا المتداعي أمر فوراً بترميمه وإصلاحه، وفي زيارتي له بعد سنة وجدت المسجد وكأنه الحمامة البيضاء، وعلى أحسن حال.

وإن من المهم الآن أن نحسن التعريف بالإسلام، وذلك بالبلاغ المبين، وبالحكمة والموعظة الحسنة، وأن نحسن الأداء والتوجيه والتعليم، وأن نسعى لإيجاد القدوة الحسنة في كل زاوية وناحية ومجال، وبذلك تتحقق للبشرية كل الأماني والتطلعات.

والحمد لله رب العالمين