أسباب تخلف المسلمين في عالمنا المعاصر
أسباب تخلف المسلمين في عالمنا المعاصر

حوار مع سماحته أجراه مراسل مجلة الوطن القطرية

1996-12-22

بسم الله الرحمن الرحيم

السؤال الأول: كيف تنظرون إلى واقع المسلمين في الزمن الحاضر ؟

واقع المسلمين في أكثر جوانبه ينتابه الضعف والتقصير، وبخاصة في ميدان العلوم و التقدم الاقتصادي والصناعي و التكنولوجي، وهذا الأمر لا يخفى على كثير من المسلمين، والسبب في ذلك يرجع إلى ضعف فهمنا لحقيقة الإسلام وأهدافه ومقاصده، وكذلك إلى ضعف الإيمان عموماً، ذلك الإيمان الذي يُنتج وُيولد العمل..والإيمان إذا لم ينعكس في حياة المؤمن إلى عمل فهو أماني وحديثُ نفس...قال تعالى { ومنهم أُميّون لا يعلمون الكتاب إلا أماني....}( سورة البقرة [ الآية:78).

إن المسلمين الأوائل لما فهموا الإسلام بحقيقته، مع أنهم أُميّون استطاعوا بأقصر المدد وأبسط الأساليب أن يحققوا نهضة عربية إسلامية شاملة...بالإيمان وفهم الإسلام تحولوا من قبائل متنافرة متناحرة إلى عباقرة أنشئوا أعظم أُمة عالمية، وحّدت إلى جانبها عشرات الأُمم الأُخرى على اختلاف القوميات واللغات، وصهروها في بوتقة واحدة ليكونوا خير أُمة أُ خرجت للناس...أُمة عالمية قائمة على قواعد حضارية أوجدها الإيمان الحقيقي والفهم الصحيح للإسلام.. فمن تلك القواعد.. فرضية التعليم، فعلى العالم أن يُعلِّم وعلى الجاهل أن يتعلم بغير اختيار... والتعليم مجاني... ولا يحده زمان، فهو من المهد إلى اللحد، ولا يحده مكان (( اطلبوا العلم ولو بالصين ))(أخرجه ابن عدي والبيهقي وابن عبد البر في العلم، وقال الناوي في فيض القدير (1/542-543 ): لم يصح فيه إسناد) ومن تلك القواعد العمل بالحكمة... والحكمة هي الإصابة في القول و العمل....ومن تلك القواعد التزكية والتربية.... أي تخليص النفس البشرية من رذائلها وتحليتها بالفضائل... فلا حسد ولا غرور ولا تكبر... بل أصبحوا كما وصفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم. ((فقهاء أدباء كادوا أن يكونوا أنبياء))(أخرجه الحاكم في مستدركه عن علقمة بن الحارث [كنز العمال 1/274-275]).

فالإسلام عندما استقبله العرب بإيمان قلبي صادق عميق، وفهموه فهما صحيحا بجوهره وحقيقته، بلغوا هذه المكانة العالية، وبنوا أعظم دولة في التاريخ، دولة انصهر الجميع فيها في قومية واحدة... هي قومية العلم لا قومية الأرض واللغة.. قومية العقل الحكيم...قومية مكارم الأخلاق... تحت راية ((مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الجسد بالسهر والحُمّى))(رواه أحمد ومسلم عن النعمان بن بشير [كنز العمال 1/149]).

فهل المسلمون اليوم يحملون هذه القواعد الحضارية ؟!.هل يحملون الفهم الصحيح للإسلام بحقيقته وجوهره...إن واقع المسلمين اليوم مُتخلّف بقدر ما هم بعيدون عن هذه القيم الحضارية التي صنعت مجدهم وقوتهم وعزتهم.. ولكن ما هو الحل ؟...وكيف نستطيع النهوض بأُمتنا من جديد...

بدايةً علينا أن نقرأ تاريخنا قراءة صحيحة... لنستفيد من عبره، ونأخذ من دروسه.. كيف تنجح الأُمم.... كيف تنهض..كيف تسقط الحضارات.. لتجتنب كل ما يضر ويؤذي.. ونُقبل على كل ما ينفع ويُسعد..ثم يجب علينا أن نستفيد من الوسائل الحديثة مثل التعليم والإعلام وغيرها لإعداد جيل الحضارة والنهوض.. ويجب أن نختار العلماء الأكفاء - قادة العلم والحكمة والتزكية، الذين أثبتوا جدارتهم وكفاءتهم، وحققوا النجاح على كافة المستويات... وذلك بوضع الرجل المناسب في المكان المناسب، من هذا المنطلق فإنني أضمن وخلال عدة سنوات أن يبدأ العالم الإسلامي حركة نهوض واسعة، من الضعف إلى القوة، ومن التفكك إلى الوحدة، ومن التخلف إلى التقدم والعزة والكرامة... ويتحمل مسؤولية تحقيق هذا النهوض ثلاثة أصناف من الناس؛ وهم... الحكام والعلماء والأغنياء... فعلى حكام المسلمين أن يتجاوبوا مع هذه الحقيقة... وعلى أغنياء المسلمين أن يبذلوا أموالهم في سبيل نهوض هذه الأُمة...وعلى علماء المسلمين أن يُعلِّموا ويجددوا الإسلام بحقيقته وجوهره في نفوس المسلمين، ويقوموا ببناء الأُمة على مكارم الأخلاق وفضائلها..
وكما قال الشاعر:

وإنما الأُمم الأخلاق ما بقيت
فإن هُمُ ذهبت أخلاقهم ذهبوا


هذا هو الواقع من حيث التشخيص.. ومن حيث الدواء... ويبقى العمل..

السؤال الثاني: هل هذا الواقع المؤسف للمسلمين بداية النهضة أم نهاية لها ؟

هذا يتوقف على الامكانات والوسائل والرجال الذين يقومون بأداء هذا الواجب. فحسب كفاءة الطبيب وإعداد الأدوية المناسبة يكون الشفاء.. سرعة أو بطئاً..وجوداً أو عدماً.. نفعاً أو ضررا..... قد يُخطئ الطبيب... أو يكون غير ذي أهلية، فينقلب الأمر بعكس ما يُراد له...فنهوض الأُمة مُرتبط بالإمكانات والوسائل والرجال.

إن الحل موجود، والمنهج موجود، ولكنّ الأمر يتوقف على العمل الذي ينبعث من دراسة وتحليل واقع المسلمين، ثم تنامي الشعور بالواجب، فكل فرد من أفراد الأُمة يجب أن يتحمل مسؤولياته، وعليه أن يعمل في حدود طاقاته وإمكاناته، وخصوصاً الحكام والعلماء والأغنياء، وعليهم جميعاً أن يساهموا ويشاركوا بأداء الواجب، لينالوا جميعاً شرف الدنيا والآخرة، وإذا صدقنا مع الله صَدقنا الله تعالى، ومن يتعامل بإخلاص مع الله لا يمكن إلا أن ينجح ويفوز، قال تعالى: { إن تنصُروا اللهَ يَنصركُم..... }(سورة محمد [ الآية: 7 ])

و قال أيضاً: { ويومئذٍ يفرحُ المؤمنون * بنصر الله.....}(سورة الروم [ الآيتان:4-5])

السؤال الثالث: تتنامى الحركات الإسلامية المتطرفة على مستوى العالم العربي والإسلامي وفي دول العالم كافة.

برأيكم ما هي العوامل التي أبرزت هذه الظاهرة ؟ وهل يمكن استيعاب هذه الظاهرة باتجاه إيجابي لخدمة الدولة والمجتمع؟

بدايةً: أنا لا أُوافقك الرأي على تنامي الحركات الإسلامية المتطرفة في كل أنحاء العالم، أنا أقول: هناك صحوة إسلامية مباركة متنامية في كل أنحاء العالم، والعالم المتقدم اليوم يُقبل إقبالاً واسعاً على الدخول في الإسلام، لأن الكثيرين منهم يشعرون بأن الإسلام يستجيب لحاجاتهم وأهدافهم، ولا يخفى على أحد أن الإسلام أصبح الدين الثاني في أكثر الدول الأوروبية وأمريكة، وأنه الدين الأسرع انتشاراً في العالم...ولكن من ناحية أُخرى نلاحظ وجود جماعات متطرفة في أماكن مختلفة تنتسب إلى الإسلام وتمارس أساليب مخالفة لروح الإسلام وجوهره ومقاصده.... والواقع علينا أن ندرس هذا التطرف، وينبغي أن نعرف ينابيعه وأسبابه...ومن هذه الأسباب، عدم التعمق في علوم الشريعة ومقاصدها، وكذلك ضعف التربية السلوكية، وتغلب القيم السياسية على القيم الإسلامية، وتحول الولاء من الإسلام إلى الجماعة، مما أدى إلى ظهور فلسفة استعلاء ومحاولة إلغاء الرأي الآخر، والقناعة بأنهم النخبة، وأن الآخرين ليسوا على شيء....هذا من جانب، ولكن من جانب آخر فإن الحكومات في البلدان الإسلامية تتحمل مسؤولية كبيرة في معالجة هذه الظاهرة.

إن شعوبنا شعوب مسلمة مؤمنة، تبحث عن أمجادها، وتؤمن بتراثها... إن الشباب المسلم الذي يعرف ماضيه وما كان عليه من عظمة وعالمية وتقدّم، ويرى اليوم حالة الضعف والتقهقر والتمزق وتسلط الأعداء على هذه الأُمة في عالمنا المعاصر... بعد أن جرّب كافة النظريات والحلول..إن جميع أفراد أُمتنا من شباب وغيرهم يريدون العودة إلى أمجادهم وقوتهم ودينهم.... وعلى الحكومات أن تستوعب هذا الاندفاع، وأن توجهه لمصلحة الدولة والمجتمع... لا أن تحارب بعنف كل ظاهرة إسلامية إيجابية باسم مقاومة العنف والتطرف...إن سدّ جميع المنافذ و الأبواب في وجه العمل الإسلامي الإيجابي....هو الذي يُغذي ينابيع التطرف والعنف..وبالمقابل هناك شباب مسلم مندفع ومتسرع وليس بمتطرف، وهو بحاجة إلى من يُرشد صحوته ويوجه مسيرته.. قد تنقصهم الحكمة... وقد ينقصهم أشياء كثيرة....كيف ؟.. ومتى ؟

أين يبدؤون العمل لبناء مجد الأُمة الإسلامية، والذي هو هدف كل المجتمع الإسلامي، فمن وجهة نظري أرى أن على الحكومات الإسلامية أن تستوعبهم وتلتقيهم بصدر رحب، وتحاورهم عبر العلماء الحكماء المتنورين، وتهيئ لهم الوسائل اللازمة، وتعطيهم الفرصة ليعبروا عن آرائهم، ونترك لهم حيّزاً للتعبير كما تُترك للأحزاب العلمانية وغيرها....فمثلاً كان على الحكومة الجزائرية أن لا تُلغي نتائج الانتخابات، وتحرم بعض الإسلاميين من حقهم بالفوز... ومن ناحية أُخرى كان على هؤلاء أن يطالبوا بحقهم بالفوز، بطريقة يوافق عليها المنهج الإسلامي، وأن لا يلجئوا إلى وسائل القتل والتفجير، والتي لا يوافق عليها الإسلام أبداً..... مع أنني أعتقد جازماً بأن الذي يُنفذ ذبح النساء والأطفال ذبح النعاج، هي الأيدي الخفيّة التي يحركها أعداء الإسلام، لأنه لا يوجد إنسان مسلم يؤمن بالله وباليوم الآخر، يقبل أن تُنفذ مثل هذه المذابح.

النبي صلى الله عليه وسلّم يقول: (( من أعانَ على قتلِ مؤمنٍ بشطرِ كلمة لقيَ الله يوم القيامة مكتوب بين عينيه يـــــــس من رحمةِ الله ))(أخرجه ابن ماجه والبيهقي عن أبي هريرة، والطبراني عن ابن عباس، وابن عساكر عن ابن عمر، والبيهقي عن الزهري مرسلاً. [كنز العمال 15/30].)

إن هذه المذابح تُنفَّذ باسم الإسلام من قِبَلِ أعداء الإسلام ليصدوا الناس عن الإسلام، فعلى الإسلاميين أن لا يتصادموا مع حكوماتهم الوطنية، وأن لا يستعجلوا النتائج.. بل عليهم أن يتعاونوا مع حكوماتهم لبناء قوة الأُمة وعزتها، لنقف جميعاً أمام العدو الصهيوني الإسرائيلي، وعلينا أن لا ننشغل بالخلافات الجانبية، ونوجه كل الطاقات للدفاع عن الأرض والمقدسات والحقوق، وعلى الحكومات أن يتقبلوا الشباب المسلم بصدرٍ رحب و يساعدوهم بدل أن يستفزوهم...، وهذا الذي يحبه الله ورسوله، ويُغيظ العدو ويُغضبه..... وبدون ذلك سوف تدخل الأيدي الخفية بين الطرفين وفي الطرفين، لتشوه الإسلام ولتزيد النار ضراماً، حتى يتمكنوا من إضعاف المجتمع وتمزيقه، وبالتالي يستطيعوا تنفيذ أغراضهم وأهدافهم في بلادنا..

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه.
والحمد لله رب العالمين