الإسلام والتحدي الحضاري المعاصر
الإسلام والتحدي الحضاري المعاصر

حوار مع سماحته أجراه مراسل جريدة القبس الكويتية

1997-12-20

بسم الله الرحمن الرحيم

السؤال الأول: يكبر التحدي الحضاري بوتيرة متسارعة وقوة ضاغطة، كيف هي - من وجهة نظركم - رؤية الإسلام إلى هذا التحدي؟ وما العمل؟ وما هي العدّة التي علينا التزود بها لكي نشارك في بناء ذاتنا وبناء العالم؟

الجواب:

إن التحدي الحضاري الذي نراه اليوم على الساحة العالمية، إنما هو حضارة مادية، تقوم على الجمادات، وتأمين الرفاهية للإنسان، وكل حسب مقدرته، حيث كان الإنسان يركب الدابة، فأصبح اليوم يستخدم الطائرة، وعلى هذه الوتيرة في كل شؤون الحياة؛ في المسكن، والملبس، والمأكل، والعلاج الدوائي للأبدان.

ولكن ليست هذه هي الحضارة بكاملها؛ بل المادة جزء من حياة الإنسان، وأما الجزء الآخر فهو: الروح، والعقل، والفكر، والثقافة، وكما قال الله تعالى {ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار}(سورة البقرة: [الآية: 201].) وكما قال رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم ((ليس بخيركم من ترك دنياه لآخرته ولا آخرته لدنياه حتى يصيب منهما جميعاً))(رواه ابن عساكر عن أنس: (كنز العمال 3/238).) وكما قال المسيح عليه السلام: ((ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان)).

وهذه الحضارة المادية، وهذا التحدي في السباق الموصل إلى امتلاك نواصي المادة، كان له أثر سلبي واضح في حياة الإنسان، فعندما ضربت أمريكة هيروشيما بالقنبلة الذرية، كان ذلك عن علم ومعرفة بالذرة وأثرها المدمر، وفي الحربين العالميتين قُتِلَ ما يزيد على 50 مليون إنسان، فهل نسمي هذا حضارة؟

وأما الإسلام الحق - ذلك المجهول، ويا ليت العالم يعلم حقيقة الإسلام قولاً وعملاً وتطبيقاً - فهو الدين الذي بنى الحياة المادية على أفضل ما تكون، وفتح أبواب الأمل أمام الناس ليسلكوا كل الدروب الموصلة إلى رفاهيتهم وسعادتهم، كلٌ بجهده وعمله، لا على حساب الآخرين وسعادتهم كما يفعل الغرب اليوم، ومع هذا البناء المادي يسعى الإسلام إلى بناء الكيان الروحي، والعقلي، والأخلاقي في الإنسان، لذلك قال رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم: ((ليس مني إلا عالم أو متعلم))(رواه ابن النجار، والديلمي في الفردوس عن ابن عمر (كنز العمال 10/156).) فقد جاء صلى الله عليه وسلم يحمل العِلْم، والعلم هو ما كان في مصلحة الإنسان، لذلك لابد لهذا العلم من أخلاق تحجزه عن الشر والاستخدام السلبي له، لذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق))(رواه البخاري في الأدب المفرد، برقم (273) عن أبي هريرة.رواه البخاري في الأدب المفرد، برقم (273) عن أبي هريرة.). فالعلم والأخلاق جناحان متساويان يطير بهما الإنسان إلى عوالم السعادة والرفاهية والخير، لذلك فعلى المسلمين مهمة كبرى، للقيام بواجب نشر الإسلام في العالم وبخاصة المتقدم مادياً، لتلقيح حضارته المادية بالمبادئ الأخلاقية والروحية في الإسلام، وذلك لتحصين هذه الحضارة من الشر والفساد وهدم القيم الفاضلة في الإنسان، ومن ناحية أخرى على المسلمين الخروج من واقعهم المتخلف، والعمل على بناء مجدهم المعاصر القائم على التقدم المادي الموجه بروحانية الإسلام، وبذلك يَسعدوا ويُسعدوا، ويهتدوا ويقوموا بواجب الهداية الذي دعاهم الله تعالى للقيام به على أحسن وجه.

السؤال الثاني: ثمة دعوات في الغرب عن صِدَام الحضارات وليس التحاور والتفاعل فيما بينها، في أي موقع نكون نحن؟

الجواب:

الأمة العربية والإسلامية اليوم ليس في مقدورها أن تقف في وجه هذا الصراع المادي الدموي لأنها لاتملك أسبابه، ولكن الحضارة الإسلامية استطاعت أن تتفاعل مع كل الحضارات الفارسية والرومانية والهندية، فأخذت وترجمت وطورت مناهج العلوم والمعرفة حتى كان لها طابعها المميَّز.

إن حضارة الغرب اليوم قائمة على منطق القوة الذي هو شريعة الغاب، وهذا ظاهر من القرن الخامس عشر حيث انطلقت دول أوروبة لاستعمار الشعوب في آسية وأفريقية وغيرها، ولازالت الشعوب التي استعمرت سابقاً وتحررت لاحقاً تدور في فلك تلك الدول، لغة، وثقافةً، واستغلالاً للموارد، وفي المحافل السياسية.

وأين نحن اليوم؟ بعض الدول الإسلامية تدور في فلك السياسة العالمية، وبعضها الآخر واقع تحت الضغوط الدولية والمقاطعات الاقتصادية والحصار للشعوب.

وإذا أردنا الانتصار في معركة تحقيق الذات، فلا بد لنا من الاعتماد على النفس لإحياء الشعوب الإسلامية، لنقف صفاً أمام كل التحديات التي تواجهنا، وهذا ممكن وليس بالمستحيل، ومن ناحية أخرى نحن نملك القدرة على المبادرة من خلال نشر الدعوة الإسلامية، وإقامة حوار مفيد مع الشرق والغرب، فالإسلام لديه الكثير مما يستطيع أن يقدمه في حوار الحضارات، وبخاصةٍ إذا تهيأ له الدعاة الأكفاء الموهوبون.

إن الإسلام يملك الطاقات الفكرية، والروحية، والأخلاقية، لإخراج الحضارة المادية من مأزقها، وتحويلها إلى حضارة إنسانية يشارك فيها الجميع.



السؤال الثالث: يريدون دمغ الإسلام بالتطرف والعنف كصفة ملازمة له في المنشأ وفي المسار. ماذا نقول نحن؟ وماذا علينا أن نفعل؟

الجواب:

إن وصم الإسلام بالتطرف والعنف أكذوبة أطلقها الغرب بالتعاون مع الصهيونية للحد من نشاط الأمة العربية والإسلامية في الدفاع عن الإنسان والأرض والمقدسات، وهذه عملية إسقاط، فحياة الغرب بداية من أمريكة قائمة على العنف والتطرف، والدارس للواقع الأمريكي يرى أن الوافدين الأوروبيين إلى القارة قد أبادوا الهنود الحمر، واستوطنوا أرضهم، وأخذوا ثرواتهم، واليوم أعاد الصهاينة هذه الجريمة في فلسطين، فشردوا شعباً آمناً في وطنه وأرضه، واغتصبوا الأرض، ودنسوا المقدسات.

ولازال القتل والاضطهاد والتدمير قائماً على مسمع الدنيا وبصرها، وبتأييد المنظمات الدولية التي أصبحت لعبة في يد النظام العالمي الجديد، وبالمقابل فنظرة عابرة في تاريخنا الإسلامي مع كل الفتوحات التي قامت بها جيوش المسلمين لم يسجل التاريخ واقعاً سلبياً، وقد قال المنصفون من فلاسفة الغرب (لم يعرف التاريخ فاتحاً أرحم من العرب).

وصورة الأندلس صورة مشرقة، فقد بنى المسلمون فيها حضارة وثقافة بقيت إلى اليوم شاهد عدل على أن الإسلام يبني ولا يهدم، يسامح ولا يحقد، ولكن المنكر أصبح اليوم معروفاً والمعروف منكراً.

وسيبقى الإسلام شجرة ثابتة أصلها ثابت وفرعها في السماء، وعلينا العودة إلى هذا الإسلام الحق، البعيد عن التشويه وأنصاف الحلول، وعن الإفراط أو التفريط.

وأما العنف الذي ينفذ في بعض البلدان الإسلامية، ويُنسب إلى حركات إسلامية متطرفة، فإن هذه الأعمال المشبوهة !!! الغاية منها تشويه صورة الإسلام، وهي أعمال مدانة، والإسلام براء منها.