شهر رمضان المبارك
شهر رمضان المبارك

حوار مع سماحته أجراه مراسل مجلة العالم اللندنية

1997-12-10

بسم الله الرحمن الرحيم

السؤال الأول: تستقبل الأمة الإسلامية من جديد شهر رمضان المبارك، فما الذي يعنيه هذا الشهر لهذه الأمة في يومها الحاضر؟

الجواب: إن رمضان بالنسبة للأمة الإسلامية هو شهر مبارك، ذكره الله في القرآن الكريم مرة لبيان أنه شهر الصيام فقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كُتب عليكم الصيام كما كُتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون}(سورة البقرة: [ الآية: 183 ].) أظهرت هذه الآية الحكمة من الصيام حين ذكرت {لعلكم تتقون}، والتقوى: هي مراقبة الله في السر والعلن، مع الخشية التي تجعل المؤمن يقف عند حدود الله في الأمر والنهي .

وذكر القرآن رمضان مرة ثانية حين أخبر أنه الشهر الذي اتصلت فيه السماء بالأرض ، وبدأ الوحي ينزل على سيدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال تعالى: {شهر رمضان الذي أُنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان}(سورة البقرة: [ الآية: 185 ].).

ويأتي رمضان ليفرض وجوده على عالم المسلمين وفي كل المجالات ؛ على الفرد والأسرة والمجتمع والإعلام المسموع والمنظور، لهذا فشهر رمضان هو شهر التغيير والتبديل في كل شأن من شؤون الحياة، فمواعيد الطعام والشراب والنوم تتغير، والطاعات والعبادات والإقبال على الله يظهر بشكل واضح، والبر والإحسان والصدقات توزع على الفقراء والمساكين والمحتاجين، وهنا أقول: إن رمضان هو شهر الإرادة التي تستطيع أن تحقق كل شيء، ولا يمكن أن يصل الإنسان إلى أي هدف أو مطلب في الدنيا والآخرة إلا بالإرادة، ونحن اليوم أحوج ما نحتاج إليه هو هذه الإرادة ؛ لتغيير الواقع الإسلامي العام والخاص إلى واقع أفضل وأحسن في بناء الحياة ؛ من إنتاج وتصنيع وثروة وبناء الإنسان على الأخلاق الفاضلة، ليعمَّ الخير والعدل والحب والعطاء في بناء المجتمع وبشكل عام.

السؤال الثاني: هل اختلفت حكمة رمضان اليوم عنها بالأمس، وهل تقتصر هذه الحكمة على إقامة شعائر العبادة فقط؟

الجواب: التشريعات والتكاليف التي فرضها الخالق العظيم على الناس لا تختلف في هدفها وحكمتها من زمن إلى زمن، بل تتسع لكل زمان ومكان ؛ لأن الإنسان هو الإنسان في نوازعه ومتطلبات حياته، وما التكاليف الشرعية إلا مدارس يتخرج منها المسلم ليكون إنساناً وعضواً في مجتمع سليم، يعيش فيه الفرد من أجل الكل، ويحيا الكل من أجل الفرد، فالمؤمنون بعضهم لبعض كالبنيان المرصوص، يشد بعضه بعضاً.

من هنا أقول: إن العبادات فرض لازم على كل مسلم ومسلمة، يجب عليه أداؤها لتحقيق الغاية من هذه العبادة.

وقد ذُكر هذا في القرآن المجيد صراحة، فقال ربنا جل وعلا عن الصلاة: {وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر}( سورة العنكبوت: [ الآية: 45 ].) وقال عن الصيام: {لعلكم تتقون}(سورة البقرة: [ الآية: 183 ].) وعن الزكاة: {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها}(سورة التوبة: [ الآية: 103 ].) فهي طهارة من الصفات السلبية، مثل: البخل والطمع وحب اللذات والأنانية وحب الدنيا، التي تبعد عن الحق والعدالة والمساواة، وقال عن الحج: {ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله}(سورة الحج: [ الآية: 28 ].) وهذه المنافع هي دنيوية من تجارة وغيرها، وأخروية من كسب الأجر والثواب، والحصول على رضاء الله تعالى، ثم يكون كل شيء لله وفي سبيل الله، فالمقصود من أحكام الإسلام هو سعادة الإنسان وبشكل دائـم.

السؤال الثالث: ما هي الترتيبات التي يتخذها مجلس الإفتاء الأعلى استعداداً لاستقبال شهر رمضان الكريم على صعيد الدعوة؟

الجواب: في رمضان يتحرك الإنسان المؤمن لِيُعوِّضَ تقصيره، فيصلي الفرائض، ويؤدي النوافل ؛ من سنن وتراويح وغيرها قبل الفجر في السَّحَر، ويحاول أن يقف عند حدود الله ؛ فلا غيبة ولا نميمة، ولا تناول للناس بالكلام أو التجريح ؛ لأن الصيام امتناع عن المفطرات المادية والمعنوية، وهنا تضع إدارة الإفتاء برنامجاً للمدرسين الدينيين لزيادة المحاضرات، واللقاءات في المساجد ؛ للتعليم والإرشاد، وتلقِّي أسئلة الصائمين بما يعترضهم من أمور لبيان حكم الشريعة بذلك، ونشاطات أخرى إعلامية وغيرها.

السؤال الرابع: هل عرف العالم الصيام قبل شهر رمضان الكريم؟

الجواب: نعم لقد عرفت الديانات كلها ؛ السماوية منها وغير السماوية عبادة الصيام، وقد ذكر القرآن العظيم ذلك صراحة حين قال: {يا أيها الذين آمنوا كُتب عليكم الصيام كما كُتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون}(سورة البقرة: [ الآية: 183 ].) فذكرت الآية ذلك ؛ فهناك صيام في ديانتي موسى وعيسى عليهما السلام، ووجدت في ديانة الإسلام، ولكن كيفية الصيام ربما تختلف من دين إلى دين.

السؤال الخامس: تمر ذكرى يوم القدس خلال هذا الشهر الفضيل، وبيت المقدس ما يزال يرزح تحت نير الاحتلال .. فما هي توجهاتكم وتوجيهاتكم في هذا المجال؟

الجواب: القدس الشريف هو المكان الذي ذكره الله صراحة في القرآن الكريم، فقال عز من قائل: {سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله}(سورة الإسراء: [ الآية: 1 ].). وقد مرت أحداث كثيرة على القدس أهمها الحروب الصليبية، حيث بقيت القدس تحت الاحتلال الصليبـي مدة /90/ سنة، واليوم تدنس إسرائيل أرض القدس.

لقد تحررت القدس بداية على يد عمر بن الخطاب رضي الله عنه وجند المسلمين، ثم تحررت على يد صلاح الدين في حطين، وانتهت الحروب الصليبية التي دامت قرنين من الزمن، بصدق جهاد المؤمنين أصحاب الحق، واليوم يخيم الظلام والظلم على القدس، ولابد أن تنتهي هذه المأساة كما انتهت سوابقها لا محالة، وهانحن نرى ومنذ عام 1917م، مروراً بعام 1948م، وإلى الآن ومازال الشعب الفلسطيني المؤمن بحقه يناضل ويجاهد ويقدم الشهداء.

وكم نرفع الرأس عالياً بهذا الشعب حين نرى الأطفال يقاومون الاحتلال بالحجارة فقط، يجابهون الرصاص والقنابل بأجسامهم الطرية، ولكن أرواحهم أقوى من الحجارة التي يحملونها سلاحاً ضد عدوهم، لذلك مهما طال الزمن فلا بد من أن يتحقق النصر، ولكن لابد من التعاون والدعم، مع الإخلاص وصدق الجهاد، والذين يجاهدون من داخل الأرض المقدسة هم أبطال لا يوازي جهادهم أي عمل اليوم، وقد رأينا أن عملية استشهادية واحدة هزت أركان العالم كله، فكان لقاء شرم الشيخ للرد عليها، والحقيقة، إن صاحب الحق لا ينهزم، ومازال الطريق طويلاً، والله معنا إذا كنا نحن مع أنفسنا نعمل من أجل قضيتنا ومستقبلنا.

السؤال السادس: هل من حكمة توجهونها للأمة الإسلامية في هذا الشهر الكريم من خلال مجلة العالم؟

الجواب: أقول للأمة العربية والإسلامية في هذا الشهر الكريم:

إننا يجب أن نسعى لإصلاح أنفسنا بداية، من خلال الالتزام بأمر الله ونهيه، فإذا صلح الفرد صلحت الأسرة وصلح المجتمع، وأن نعلم أن الإسلام هو الطريق الأسلم والأقرب إلى تحقيق كل الأهداف والغايات الشريفة والنبيلة، التي تجعل من أمتنا خير أمة، كما كانت، ولكن أي إسلام هذا؟!... إنه إسلام العلم والحكمة وتزكية النفس، من غير تطرف أو تعصب، بل بالتعاون والحوار والإيثار..

والحمد لله رب العالمين