الإفتاء وشهر رمضان
الإفتاء وشهر رمضان

1998-12-20

حوار مع سماحته أجراه مراسل وكالة أنباء الشرق الأوسط

بسم الله الرحمن الرحيم

السؤال الأول: ما هو المعنى والقيمة لشهر رمضان المبارك؟ وهل برأيكم تغيرت المفاهيم والقيم ومظاهر الاحتفال بشهر رمضان؟ وإذا كان هناك تغيير هل هو نحو الأفضل أم العكس؟ وما السبب في ذلك؟

الجواب:

قال تعالى: {شهر رمضان الذي أُنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان} وقال سبحانه: {إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين}، وقال جل وعلا: {إنا أنزلناه في ليلة القدر وما أدراك ما ليلة القدر ليلة القدر خير من ألف شهر...}.

تفيد هذه الآيات أن الله تبارك وتعالى أنزل القرآن في شهر رمضان، وفي ليلة القدر؛ ليكون للناس بياناً وهدى، وموعظة ورحمة، وشفاء لما في الصدور، وليخرج الناس من الظلمات إلى النور، وليهدي الناس إلى صراط العزيز الحميد، يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام.

مما سبق يتبين لنا أن شهر رمضان هو شهر القرآن، ومما ورد، أن سيدنا جبريل كان في رمضان يراجع القرآن أكثر من مرة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، لذا فإن على المسلمين أن يغتنموا شهر رمضان في مراجعة تلاوة وتدبر القرآن مرات عديدة، قال تعالى: {أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها}. وبالقرآن الكريم عُز المسلمون وصار لهم مجد ورفعةٌ، قال تعالى: {وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تُسألون}.

ولقد عَرف هذه الحقيقة (غلادستون) رئيس وزراء بريطانيا في أوائل هذا القرن، فوقف في مجلس العموم البريطاني رافعاً المصحف بيده قائلاً: «مادام هذا القرآن بيد المسلمين فلن تستطيعوا استعمار بلادهم». قال تعالى: {لقد أنزلنا إليكم كتاباً فيه ذكركم أفلا تعقلون} أي فيه عِزُكم ومجدكم.

والذي حدث أننا عندما أهملنا دراسة وحفظ وتدبر القرآن أصابنا وحلّ بنا هذا الهوان الذي يخيم على العالم الإسلامي، والذي أصبح تحت رحمة المظلة النووية |لإسرائيلية والأمريكية، وحلّ به البؤس والشقاء، قال تعالى: {ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى} وعندما أخذ آباؤنا القرآن الكريم بقوة {يا يحيى خذ الكتاب بقوة وآتيناه الحكم صبياً}؛ صارت لهم العزّة والمجد والكرامة والسيادة، قال تعالى: {ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين}، وقال: {ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين} وفي شهر رمضان تقل وتتراجع الأعمال الشائنة والمنكرة، والمعاصي الموبقة المهلكة، وينخفض معدل الجريمة إلى أدنى مستوى؛ لأنه في هذا الشهر تفتح أبواب الجنان، وتغلق أبواب النيران، وتصفد الشياطين، وفي شهر رمضان تبدو معالم البهجة والفرح في كل المجالات؛ الرسمية والشعبية والإعلامية، ويتمثل ذلك بالبرامج والندوات والحوارات واللقاءات على كل المستويات؛ للتعاون على البرّ والتقوى، وفي رمضان تضاء المساجد وتبدو في أحلى زينة، وتمتلئ بالمصلين والمعتكفين، وتقام مجالس العلم والعرفان والرشاد، كما تقام صلاة التراويح لتدبر القرآن والتقرب إلى الله، ويتزاور الأهل والأقارب والمعارف؛ لتعزيز صلة الرحم؛ ومواساة وإسعاف الفقراء والمساكين والمحتاجين والأرامل والأيتام، ويجتهد المحسنون لإدخال الفرح والسرور على قلوب أولئك، والحقيقة إن برنامج ودورة رمضان وما فيها من فيوضات وتجليات روحانية تسمو بالفرد والمجتمع، فتحيي المجال الروحي وتجعل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كالجسد الواحد، وفي تقديري أننا إذا أردنا التحول نحو الأفضل فإن علينا أن نغتنم شهر رمضان لإحياء المجال الروحاني والمدارك العاقلة للأمة، وهذا هو الرد الصحيح على ما نراه من إذكاءٍ وتأجيج للغرائز، وتسلط الشهوات على المدارك العاقلة مما يتسبب في تدمير القيم الإنسانية؛ قيم الحياة المزدهرة، قيم الجمال والنماء.

وإن ما يفسد روحانيات شهر رمضان تلك الموجات الإعلامية الاستعراضية التي تثير الغرائز وبخاصة عند ساعة الإفطار؛ ساعة نزول الرحمات والنفحات واستجابة الدعاء، حيث تُشْغِلُ الناس عن الإنابة إلى الله تعالى والالتجاء إليه بالدعاء والرجاء.

السؤال الثاني: كيف يتعاون مجلس الإفتاء في سوريا مع مجالس الإفتاء في الدول العربية لتوحيد الفتاوى المتعلقة بالقضايا العربية والإسلامية الأساسية؟

الجواب:

يقوم مجلس الإفتاء في سوريا منذ زمن طويل بالتواصل مع مجالس الإفتاء في البلدان العربية والإسلامية والاطلاع على الفتاوى الصادرة عنها، ويتم التنسيق والتعاون معها لتوحيد الجهود والمفاهيم وذلك من خلال اللقاءات في المؤتمرات والندوات وتبادل المطبوعات والنشرات، وأستطيع أن أقرر وبحمد الله، أن مواضيع الاتفاق صارت أكثر من المواضيع المختلف فيها، وأن تباشير التوحد في الآراء والمواقف انطلاقاً من الكتاب والسنة تتزايد وتتعاظم، وهذا ليس بالغريب فأمة الإسلام هي أمة التوحيد، وهي المؤهلة لنشر وتعميم التوحيد، ذلك لأنه بالتوحيد يدخل الإنسان عالم الروح، عالم الخلود في النعيم المقيم، وبالتوحيد تدخل البشرية دار السلام على الأرض.

السؤال الثالث: ما هو الدور الذي يقوم به رجال الدين ومجلس الإفتاء بشأن رعاية الأسر الفقيرة؟ وهل هناك دور مواز للجمعيات الخيرية الدينية في ذلك.

الجواب:

يقوم رجال الدين من خطباء وأئمة ومدرسين دينيين ومفتين بتشجيع المحسنين على أعمال البرّ والإحسان، والتواصل معهم لمساعدتهم على إسعاف الفقراء والمساكين والأرامل والأيتام، وذلك من خلال الجمعيات الخيرية، وحسب القوانين الناظمة لهذه الأعمال الإسعافية والخيرية، وأستطيع أن أقرر وبحمد الله أن بلدنا سورية تنعم بأجواء التعاون والتآخي والتراحم والمواساة، وأن العمل الديني والخيري والإصلاحي يلقى الدعم والمساندة، وهو يقوم بدور رائد ومتميز.

السؤال الرابع: ما هو رأي فضيلتكم بمشروعية موائد الرحمن، خاصة إذا كانت مصادرها المالية مشكوك بنظافتها؟

الجواب:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى....)) وعلينا أن نعمل بالقاعدة المأثورة (نحن نحكم بالظاهر والله يتولى السرائر)، وعلينا تشجيع أعمال الخير والبرّ والإحسان من أي جهة كانت. وليست مهمتنا صدّ الناس عن أعمال البرّ والإحسان والتشكيك في نواياهم ودوافعهم، وإنما مهمتنا تشجيعهم وتنمية دوافع الخير لديهم. والإسلام يقبل العمل الصالح من كل من يقول: لا إله إلا الله ومما ورد (أن الله غفر لبغيّ كانت تمشي في الصحراء فوجدت كلباً يلهث من العطش، فقالت: مسكين هذا الكلب أصابه ما أصابني من العطش فنزلت البئر فشربت وملأت فمها وخُفيها وصعدت، وسقت الكلب فشكر الله صنيعها وغفر الله لها، وأدخل الله النار امرأة بسبب هرّة حبستها حتى ماتت فلا هي أطعمتها ولاهي تركتها تأكل من خشاش الأرض).

والخلاصة: أمر العباد عائد إلى الله، والله وحده المطلع على نواياهم وأعمالهم، إن شاء غفر، وإن شاء عذب، قال تعالى: {إن إلينا إيابهم ثم إن علينا حسابهم} وهذا من شأن الله، وليس لنا أن نكون أوصياء على العباد، ولكننا من ناحية أخرى نؤكد ما ورد في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً)).

السؤال الخامس: كيف يرى الإسلام مسألة الإرهاب بكل أشكاله الموصوفة دولياً؟ وما هو رأي الشريعة بصدد التفجيرات والأعمال الانتحارية الهادفة إلى تحرير الأرض؟

الجواب:

إن قضية العنف التي تشهدها الساحة الدولية والساحة الإسلامية هي على أنواع :

عنف سببه الظلم والعدوان ، حيث تقوم به الدول غير الإسلامية فتهاجم المسلمين في بلادهم وتغتصب حقوقهم ، كما هو الحال الآن في فلسطين والجولان وجنوب لبنان والبوسنة وا لشيشان والعراق والسودان. فعندما يقوم المسلمون بمواجهة هذا العدوان لا يجوز بأي حال من الأحوال أن نسمي هذه المواجهة عنفاً ، لأنها حق مشروع للدفاع عن المقدسات والنفس والأرض ، بل هذا عنف يحمد عليه الإنسان ، لأنه جهاد ومواجهة للعدو ، فعندما واجهت دول أوروبة النازيين لإيقافهم عند حدّهم ، ولمنعهم من الظلم والعدوان ، لم يسمّ أحدٌ هذه المواجهة عنفاً أو تطرفاً ، ولكن الشيء الخطير هو أن يمارس المسلمون هذا العنف بعضهم مع بعض.

والحقيقة أن العنف والإرهاب جاءَنا من البلدان غير الإسلامية، ودليل ذلك ما حدث في الحرب العالمية الأولى والثانية، وإن استخدام السلاح الذري في اليابان خير شاهد ودليل ، وأيضاً ما جرى في الثورة الأمريكية والشيوعية والفرنسية وغيرها من سفك للدماء كالأنهار ، وما يعرض من الأفلام البوليسية والجريمة والرعب وما فيها من فوضى وإباحية جنسية، تعتبر من الأسباب المهمة والمباشرة في إشاعة هوس العنف من أجل إفساد طبائع الأجيال، وما ينتج عن ذلك من عدوان وعنف ودماء، فإن معظمها من إنتاج أمريكي وأوروبي، وأهم من ذلك كله إرهاب الدولة التي تمارسه إسرائيل وأمريكا وبريطانيا ضد العرب عموماً والفلسطينيين واللبنانيين خصوصاً. وإن الحرب في أفغانستان إنما تتم بإدارة وتمويل جهات أجنبية غايتها تشويه صورة الإسلام المشرقة ، وبغرض نهب ثروات هذا الشعب الفقير حيث إنَّ هذه الأحداث لا تخدم إلا الاحتكارات الاستعمارية. وإني لأُهيب بالمسلمين في كل مواقعهم لأن يدركوا مخططات أعدائهم حتى لا يكونوا ألعوبة بأيديهم.

وإن ما نراه من تطرف وعنف وإرهاب هو نتيجة طبيعية لغياب العلم والتربية الإسلامية المتصلة بعهد النبوة والخلفاء الراشدين ، وما ترتب على ذلك من انتشار الأوبئة الاجتماعية المتمثلة باتساع دائرة الجهل والفقر والأمراض الجنسية والنفسية ، وسيطرة التسلط والاستبداد على السلوك العام، وما ينتج عن ذلك من فوضى اجتماعية وتَرَدٍّ في العلاقات الإنسانية والدولية بدل الشورى واحترام الآخر.

وإني لأجد الحلّ باعتماد منهج الإسلام بصفائه ونقائه وشموله كما أنزل على قلب الرسول الأمين صلى الله عليه وسلم منهجاً تاماً لصيانة الحياة والأحياء.

وأما ما يتعلق بمشروعية العمليات الاستشهادية من أجل تحرير الأرض المغتصبة فقد أجازها الفقهاء بشروط يمكن الرجوع إليها في مصادرها.

السؤال السادس: ما هو رأيكم بخصوص الحديث المكشوف عبر الأقنية العربية الفضائية تحت عناوين فتاوى إسلامية، وخصوصاً ما يتعلق منها بالعلاقات الجنسية الزوجية؟

الجواب:

قال تعالى: {وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم، فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ` بالبينات والزبر وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون}.

وقال تعالى: {وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه وهدى ورحمة لقوم يؤمنون}.

وقال تعالى: {وما جعل عليكم في الدين من حرج}.

والحقيقة الثابتة أن من مقاصد الشريعة رفع الحرج والشدة والضيق عن الناس.

قال تعالى: {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر}.

وإذا بحثنا عن أسباب البؤس والشقاء الذي حلّ بالمسلمين لعرفنا أن من أهم الأسباب هو جهلهم بأحكام شرع الله تعالى، وما فيه من تعاليم ووصايا وأحكام وآداب تعود عليهم بالحياة السعيدة والرغيدة، قال تعالى: {طه * ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى}

ولا حياء في الاستفسار عن أحكام وتكاليف وأمور الدين. بل إن الجهل بها وعدم الإلمام بتفاصيلها إثم يحاسب عليه المسلم ويعاقب .

والحقيقة أن الإسلام أعطى هذه العلاقة الجنسية الأهمية التي تستحقها، ونظمها ووضع لها سلوكيات وأخلاقيات وآداب فريدة متميّزة، ولعل المشكلة ليست في البيان والتبيين، ولكنها في الجهل والتعتيم.

والحمد لله رب العالمين