المولد النبوي
المولد النبوي

2003-05-30

- ولادة الجسد ، وولادة النبوة والرسالة:
مولد الرسول صلى الله عليه وسلم نوعان : ولادة الجسد، وهي في ربيع الأول، وولادة النبوة والرسالة، وكان عمره (40 ) سنة، ولكن كانت تظهر عليه قبل ذلك علامات ومبشرات النبوة ، ففي طفولته كان يمشي فيسمع الشجر والحجر يسلّم عليه بالرسالة والنبوة ..
وحين بلغ الأربعين حُبّب إليه الاختلاء في غار حراء، ووقع في قلبه حبّ الله حتى اشتهر ذلك في قريش، وقالوا : إنّ محمداً قد عشق ربه.

2- مدرسة حراء:
كان النبي صلى الله عليه وسلم يمكث في غار حراء عشرة أيام متواصلة ، ينقطع فيها عن كل ما سوى الله، وكانت زوجته خديجة تهيء له الطعام لذلك ، فإذا نفد الطعام عاد إلى أهله وتزود لمثلها ، ثم يعود إلى حراء ، وكان يسمع في ذهابه وعودته الشجر والحجر يسلمون عليه -السلام عليك يارسول الله-.
وهذه العناية الإلهية بالرسول صلى الله عليه وسلم قبل النبوة من محض فضل الله عز وجل، وأنتم أيضاً إذا طهّرتم قلوبكم ، وصدقتم في توجهكم إلى الله ، فإنّ الله هو أكرم الأكرمين ، إذا رأى صدقكم ، أفاض عليكم من عطائه وكرمه -اللهم ارزقنا جميعاً من بحر هذه العناية ،ما يليق بكرمك ، وما يليق بفقرنا وعجزنا- .
وذات يوم وبينما هو في الغار، نزل عليه جبريل الأمين، وقال له: (اقْرَأْ بِاسمِ رَبِّك الّذِى خَلَق) [العلق: 96/1] .
أسأل الله أن يفتح عليكم يا أبنائي ، وأن ينظّف قلوبنا حتى يصيبنا سهم من هذا الفضل الإلهي ، فإنّ خزائن الله ملأى لمن عمل لنفسه حراء ، حيث يعطيه الله على حسب صدقه وإخلاصه ، أما بالأماني فقط فلن تحصل على شيء ، لقد أخبر الله عن المسلمين واليهود -في زمن النبي صلى الله عليه وسلم- لمّا صار كل منهم يقول: نحن على الحق ، والجنة لنا ، فأنزل سبحانه
(لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللّهِ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً * وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتَ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَـئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيراً) [النساء :4/123-124] .

3- كيف نقيم حفل المولد:
يجب أن تمتلئ قلوبنا في شهر المولد فرحاً برحمة الله بعباده ببعثة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وولادة النبوة المحمدية.
وينبغي لمن يقيم المولد أن يدعوَ عالماً تقياً صالحاً يذكّر الناس، ويعرّفهم بالمولد الحقيقي لتكون ذكرى المولد بذرة تُزرع في قلوب المستمعين، ينبت فيها الإيمان في القلوب ، ولا مانع من الأناشيد والتنغيم ، المهم أن يتحقق المقصود من الاحتفال بالمولد ، وهو تذكير الناس بما عاناه الرسول صلى الله عليه وسلم في سبيل نشر الدعوة الإسلامية .

4- المولد الحقيقي:
يجب علينا في شهر المولد ، شهر نزول الرحمة الإلهية بالولادة المحمدية ، أن نقيم المولد الحقيقي بأن نعمل بالدعوة إلى الله في منازلنا ، ومع أصحابنا ، وفي أسواقنا ، وأينما كنا ، بل ينبغي للمؤمن أن تكون سنته كلها ربيع الأول ، بل أن يكون عمره كله ربيعًا ، وأن يولد في قلوبنا حبّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالعمل والاتباع ، وأن يولد في عقولنا فَهْمُ طريقة الدعوة إلى الله عز وجل
(يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً * وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُّنِيراً) [الأحزاب :33/45-46]. أي إنّ الشمس تقلب الليلَ وظلامَه إلى نـهار وضياء ..
فكن شمس رفاقك ، وشمس سوقك ، وبذلك تكون مسلما ً، لأنّ الإسلام معناه الاستجابة لما يحبه الله ، ولما يأمرنا به ..
فإذا استجبت لكلام الله عندما يقول لك : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً) [الأحزاب :33/41] ، وعندما يقول لك :
(وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) [النور :24/56] ، تكون مسلماً لأنك استجبت لله ..
فأسأل الله أن يجعلنا مسلمين بالعمل ، والعمل يكون بالعلم ، والعلم يكون بالمعلم ، ولن تنتفع من المعلم ما لم ترتبط به برابطة الحب .. فإذا لم تحب فلن تتعلم ، وإذا لم تحب فلن تقتدي ..
ولذلك كان من دعاء الرسول صلى الله عليه وآله وسلم : "اللهم إني أسألك حبك وحبك من يحب يحبك وحب عمل يقربني إلى حبك.."1.

5- مسؤولية الدعوة إلى الله:
لقد كانت ولادة الرسول صلى الله عليه وسلم في شهر ربيع ، وكما أنّ الربيع ينبت الأزهار ويورق الأشجار ، ثم يعطي الثمار ..
كذلك يجب أن يكون المسلم والمسلمة، ولو أنّ كل مسلم صدق الله، لتغيّر المجتمع من السيء إلى الأحسن ..
والمسؤولية على كل واحد منّا ، وبقدر ما يملك من طاقة، الرجال والنساء والأطفال ..
وكذلك الحكام والرؤساء ، هم مسؤولون أمام الله عز وجل ، وذلك بعد الموت ، ويوم القيامة ، حيث لا ألقاب ، لا جلالة الملك ولا صاحب الرياسة والفخامة .. ولكن: (فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ) [الزلزلة :99/7-8] .

6- شروط المغفرة:
المغفرة ليست بدون مقابل .. قال تعالى :
(إِنّ الْمُسلِمِينَ وَ الْمُسلِمَتِ وَ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِنَتِ وَ الْقَنِتِينَ وَ الْقَنِتَتِ وَ الصدِقِينَ وَ الصدِقَتِ وَ الصبرِينَ وَ الصبرَتِ وَ الْخَشِعِينَ وَ الْخَشِعَتِ وَ الْمُتَصدِّقِينَ وَ الْمُتَصدِّقَتِ وَ الصئمِينَ وَ الصئمَتِ وَ الحَْفِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَ الْحَفِظتِ وَ الذّكرِينَ اللّهَ كَثِيراً وَ الذّكرَتِ أَعَدّ اللّهُ لهَُم مّغْفِرَةً وَ أَجْراً عظِيماً) [الأحزاب :33/35]
فلا بد من هذه الصفات العشر حتى تصل للمغفرة .. أما أن تقصّر ثم تقول : الله غفور رحيم .. فهذا أماني وغرور ، والله عز وجل يقول:
(فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ) [فاطر :35/5] .

7- الهجمة الصليبية بين الماضي والحاضر:
لقد مرّت بالمسلمين ظروف قاسية ، يوم استولى الصليبيون على بلادهم ، وبقوا في البلاد الإسلامية (190) سنة .. حتى قام نور الدين الشهيد الذي حرّر (150) بلداً ، ثم جاء صلاح الدين الأيوبي، فأكمل تحرير البلاد بعد نور الدين ، وسجّل لهم التاريخ ذلك ، وهذا في الأرض ، أما في السماء ، فقد سُجّلوا في التاريخ الإلهي ، فهنيئاً لهما ، ورضي الله عنهما .
وما يحدث الآن في فلسطين وفي العراق ، ما هو إلاّ عودة إلى الحروب الصليبية ، وقد أعلنها بوش حرباً صليبية ، وهذا النداء -إن شاء الله- سيوقظ المسلمين، وسيوقظ فيهم روح نور الدين ، وروح صلاح الدين.
وإن نحن بدأنا من هذا الشهر ، بأن نعمل زيادة عمّا كنا عليه ، نكون قد أصبنا بركة المولد . ولا تقولوا : هذا آخر الزمان، ولا فائدة من العمل .. إذا صدقتم مع الله فإنّ الله يمدكم بمدد من عنده ، ويمدّكم بقوته ، وبروح القدس ، فيجعل على أيديكم شيئاً لا تتصورنه من نصر الله عز وجل .

8- الصدق مع الله عز وجل:
لقد استطاع سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم - من بعد هجرته إلى المدينة وحتى وفاته - أن يوحَّدَ الجزيرة العربية، وقد جهّز قبيل وفاته جيشاً ليحرر بلاد الشام .
أما أصحابه الكرام فقد لهم التاريخ إنجازاتهم، سجّل لأبي بكر، وسجّل لعمر قاهر كسرى وقيصر، وسجّل لعثمان الذي وصلت فتوحاته إلى الصين، وإلى شواطئ إسبانيا .. ومع ذلك لم يحملوا لقب إمبراطور، ولا رئيس، ولا جلالة الملك .
لقد صدقوا الله فصدقهم الله .."قال أحد الصحابة للرسول صلى الله عليه وآله وسلم في غزوة من الغزوات: إنما تبعتك ليصيبني سهم من هاهنا وأشار إلى حلقه"2. وكان له ما أراد ، لقد صدق الله فصدقه الله .."
وكان أحدهم يضع نفسه أمام صدر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم حتى لا تصيب الرسولَ سهامُ العدو ، ويقول : روحي لروحك فداء وجسدي لجسدك وقاء"3.
ونحن الآن بمن يجب أن نقتدي؟ بهؤلاء الصحابة ، أم بالأجانب وما يصدّرون لنا من موضات وخلاعة؟.

9- الناس كلهم بخير:
ما وجدت إنساناً لا خير فيه ، لقد كان خالد بكداش -زعيم الشيوعيين- يمرُّ من أمام بيتنا ولا يسلّم ، وفي يوم من الأيام تقدّمت إليه ، وسلّمت عليه ، ودعوته إلى البيت ، وجلسنا حوالي ساعة ونصف ، لم أتكلم معه عن الوضوء أو الاستنجاء ، ولكن حدّثته عن الاشتراكية في الإسلام ، عن الزكاة التي هي اشتراكية ، قال تعالى :
(وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ * لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ) [المعارج :70/24-25] .
ومنذ ذلك الوقت صارت الزيارات بيننا متبادلة، حتى إنّه قال لي يوما ً: الإسلام الذي أسمعه منك أضعه على رأسي ..
إذن الناس كلهم فيهم القابلية ، كان سيدنا عمر قبل - أن يسلم - يريد قتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وذهب مغضباً ، والسيف معه ، ودخل على أخته القوية بالله ، فقال: بلغني أنكم أسلمتم ، فقالت : نعم أسلمنا رغماً عنك يا عمر..
يقولون إنّ المرأة ضعيفة ، في الإسلام لا يوجد ضعيف .. إذا صرت مسلماً حقيقياً ، يصير رئيسك تابعاً لك.. لأنّ الإسلام قوة ، والمرأة بالإسلام صارت أقوى من الرجل ، وأقوى من عمر ، لأنّ معها قوة الله عز وجل.. وبعد ذلك دخل عمر في الإسلام ، وكان ما كان منه ، حتى أنه نال أحد أوسمته التي أعطاها له الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قائلاً له : "إن الشيطان ليفر من ظلك يا عمر"4.

10- الحب في الله:
اللهم ارزقنا الصدق في إسلامنا، وارزقنا الحب في الله ، يقول الرسول صلى الله عليه وسلّم: "المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل"5. أي تتخلل محبته بقلبك ونفسك وجوارحك .
اللهم إنا نسألك حبّك وحبّ من يحبّك وحبّ عمل صالح يقرّبنا إلى حبّك
اللهم اجعلنا هادين مهديين ولا تجعلنا ضالين ولا مضلين
اللهم فرّج عن إخواننا في العراق وفي فلسطين واجمع كلمة أمة محمد
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

1- أخرجه الترمذي وصححه، والطبراني وابن مردويه عن معاذ بن جبل رضي الله عنه. والحاكم عن أبي الدرداء، وقال: هذا حديث صحيح على شرط البخاري.
2- المستدرك على الصحيحين ج: 3 ص: 688 رقم: (6527).
3- رواه البخاري ج: 3 ص: 1386 ومسلم ج: 3 ص: 1443بألفاظ مقاربة.
4- في صحيح مسلم ج: 4 ص: 1863 (والذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان قط سالكا فجا إلا سلك فجاً غير فجك).
5- رواه الترمذي:4/589، وأبو داود:4/259، والحاكم: 4/ 188، والإمام أحمد:2/334.














تنزيل القسم الأول


تنزيل القسم الثاني