الدعوة بالحكمة
الدعوة بالحكمة

2003-06-06

1- الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة:
يقول الله تعالى : (ادْعُ إِلى سبِيلِ رَبِّك بِالحِْكْمَةِ وَ الْمَوْعِظةِ الحَْسنَةِ وَ جَدِلْهُم بِالّتى هِىَ أَحْسنُ) [النحل :16/125]. أي إذا لم يستجيبوا لك ، وجادلوك ، فجادلهم بالتي هي أحسن .
وما هي الثمرة والنتيجة إذا مشينا حسب المخطط الإلهي بالدعوة إلى الله ؟ سينقلب ضعف المسلمين إلى قوة ، وذلهم إلى عزة ، وهذا ما كان عليه المسلمون زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم .

2- المؤمنون كالجسد الواحد:
لقد جعل الإسلام الشعوب والأمم الإسلامية كالجسد الواحد ، فإذا اشتكى شعب من الشعوب تداعت وتنادت سائر الشعوب الإسلامية، قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم : "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى"1..
لقد استطاع الصليبيون في حربهم على المسلمين أن يحتلوا القدس وساحل بلاد الشام ( واجهة العالم الإسلامي والعربي ) ، ومع أنّ الله يقول :
(وَ كانَ حَقاّ عَلَيْنَا نَصرُ الْمُؤْمِنِين) [الروم :30/47] ، فلماذا انهزم المسلمون في المعركة ؟ لاشكّ أنّه كان هناك خلل في حكام المسلمين إلى جانب فرقتهم وتمزقهم ، ولكن حينما جاهد المسلمون تحت لواء الإسلام والقرآن ، انتصروا على الصليبيين وحرّروا القدس والشام .

3- الوحدة ليست بالأماني:
لقد وحّد الإسلام البلاد من الهند إلى إسبانيا ، وجعلها وطناً واحداً .. أما العرب في وقتنا الحاضر ، فقد أصبحوا ( 22 ) دولة، والعالم الإسلامي ( 52 ) دولة، ونحن ننادي بالوحدة العربية ، ولكن لن تتحقق الوحدة بالأماني .
عندما ادّعى اليهود والمسلمون أنّ الجنّة لهم ، ردّ الله عليهم فقال :
(لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللّهِ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً * وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتَ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَـئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيراً)
[النساء :4/123-124] .

4- المسلمون في الماضي:
أيها الأخوة : لماذا لا نكون كأولئك المسلمين الذين فتحوا الدنيا ووحّدوا نصف العالم القديم حتى وصل دعاتهم إلى جنوب أمريكا ، وقد ذكرت لكم أنّ أحد طلابنا الأمريكان أخبرني أنهم عثروا في أمريكا الجنوبية على أحجار منقوش عليها (لا غالب إلا الله)، وهذه العبارة كنت قد رأيتها في الأندلس ، حينما زرت بعض مساجدها ، فوجدت مكتوباً على الجدران (لا غالب إلا الله) .

5- لا تعارض بين الإسلام والقومية:
هذا عرب الإسلام ، فأين نحن اليوم ؟ هل نحن عرب الإسلام أم عرب القومية ؟ ولماذا لا نرفع رؤوسنا بعرب الإسلام ؟! هل حارب الإسلام القومية ؟! كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "أنا عربي والقرآن عربي ولسان أهل الجنة عربي"2 .
ها هي فلسطين أخذها العدو ونحن لا نزال ندعو بالقومية والعروبة.. ولكن أين الإسلام ؟ الإسلام لم يحارب القومية ، ولم يحارب العروبة ، لقد ذكر القرآن ذكر على لسان كل نبي قوله : يا قومي يا قومي .
فما هو السبب ؟ السبب قصور المسلم الحقيقي بالقيام بالدعوة إلى الله ، فلو قام كل منا بتبليغ ما يتعلمه إلى من يجهله ، لانتشر الإسلام ، سيما وقد هيأ الله في هذا الزمان وسائل الإعلام من إنترنت وإذاعة وغيرها .

6- واجب المسلمين اليوم:
واجب الدعوة إلى الله على كل مسلم ومسلمة ، وهذه فريضة مثل فريضة الصلاة . قال تعالى :
(وَ لْتَكُن مِّنكُمْ أُمّةٌ يَدْعُونَ إِلى الخَْيرِ وَ يَأْمُرُونَ بِالمَْعْرُوفِ وَ يَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَ أُولَئك هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [آل عمران :3/ 104] .
وواجب المسلم أيضاً أن يفهم القرآن جملة جملة وآية آية، وأن يتمثله أخلاقاً وسلوكاً ، ثم يقوم بتعليمه للآخرين ، وهكذا ينقلب حال مجتمعنا وحال المسلمين ، ونعود كما كان المسلمون عليه ، ونستطيع أن نوحّد العالم كله تحت راية لا إله إلا الله محمد رسول الله .
يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : "إذا تبايعتم بالعينة ، وأخذتم أذناب البقر وتركتم الجهاد ، سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم "3 و( العينة ) هي أكل الربا بالتحايل ، و( مشيتم خلف أذناب البقر ) أي أنكم أصبحتم أمة زراعية ، و
( تركتم الجهاد في سبيل الله ) كم مرة ذكر الجهاد في القرآن ؟! ولكنّ الجهاد لا يكون إلاّ في أمة قوية .

7- حاجة الأمة للدعاة الأكفاء:
ماهو الحل ؟ الحل : هو إيجاد الداعي إلى الله بالقول والفعل والسلوك . قال تعالى: (أَتَأْمُرُونَ النّاس بِالْبرِّ وَ تَنسوْنَ أَنفُسكُمْ)
[البقرة:2/44] ، فيجب أن يقوم كلّ واحد منّا بهذا الواجب مستكملاً الشروط.
والحكمة : أن نخاطب كل إنسان بحسب قابلية عقله ، فالطفل لا يُحدَّث بعقلية الكبار ، وعدوُّ الإسلام لا تخاطبه كحبيب ، ولا يقولنّ قائل بأنّ الدولة لا تريد ذلك ..
الدولة تحبّ المرشد الذي يجمع ولا يفرّق وينتزع العداوة والبغضاء من القلوب .
أذكر حينما كان لي درس في جامع (يلبغا) ، دعوت النصارى ذات مرة إلى المسجد من خلال الإعلان في الصحف ، وتحت عنوان (وحدة الأديان والتآخي بين المسيحية والإسلام) ، وقد طلبت من الإخوان أن يرفعوا السجاد عن نصف المسجد ويملؤونه بالكراسي ، وتّم اللقاء وامتلأت الكراسي ، وحصل من ذلك الخير الكثير حتى وصل الأمر بفضل الله أن وصلت دعوة هذا المسجد إلى مشارق الأرض ومغاربها .
والآن أخوكم وابننا البار4، أتته دعوة رسمية من المؤتمر العالمي الإسلامي المسيحي ، لإجراء حوار ، وقد ذكر لي ما وفقه الله إلى بيانه
كما دُعي أيضاً لإلقاء محاضرات في جامعات أوسلو .. فهذا إن دلّ على شيء فإنما يدل على أنّ الإسلام إذا دُعي للتحدّث عنه قائده المؤهل للدعوة، فلا شيء يقف أمام الإسلام .
كان خالد بكداش زعيم الشيوعية في العالم العربي ، يسكن في الحي الذي كنت أسكن فيه، وقد دعوته يوماً وحدثته عن الاشتراكية –لم أحدثه عن الصلاة والصيام ، لأنّ تربة أرضه لا تقبل هذا البدار- وكنت فيما ذكرت له عن الزكاة ، أنّ الفقير يُعطى من صندوق الزكاة إذا كان مزارعاً يّملك أرضاً… ومن ذلك اللقاء انعقدت الصحبة ، وكان يزورني وأزوره ، ولا حديث لي معه إلاّ عن الإسلام ، فكان يقول : الإسلام الذي أسمعه منك أضعه على رأسي .. حتى أن فقيدنا الغالي حافظ الأسد قال له يوما ً: بلغني أن المفتي قد أسلمك ؟ فقال خالد : الإسلام الذي أسمعه من المفتي أضعه على رأسي .
فأحسنوا -أيها الإخوة- في الدعوة إلى الله بالحكمة ، والحكمة: أن تقول بحسب ما يتقبله عقل من تتكلم معه.

8- شروط الداعي إلى الله:
أيها الإخوة والأحبة: هيّئوا أنفسكم للدعوة إلى الله عز وجل ّ..
أولاً: بالتوبة الصادقة إلى الله ، فأنت إذا أردت أن تلبس ثوباًً جديداً ، فإنك لا تلبسه على ملابس مهنتك وعملك .. بل تخلع ملابسك المتسخة ، وتغتسل ، ثم تلبس الطقم .
ثانياً: أن تعمل بما تدعو إليه قبل أن تدعو الآخرين، وبذلك تكون قد مشيت على هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأحييت سنته ، وبذلك ينقلب ضعف المسلمين إلى قوة ، وذلهم إلى عزّة ، وتمزّقهم إلى وحدة.. قال تعالى : (وَ للّهِ الْعِزّةُ وَ لِرَسولِهِ وَ لِلْمُؤْمِنِين)
[المنافقون :63/8] .

9- نحن والحكومة نعمل لهدف واحد:
لا تيأسوا -إخواني وأحبابي- تمثلوا الإسلام بأقوالكم وأفعالكم ، واعملوا مع حكومتكم لهدف واحد ، وهو إصلاح الأمة وإسعادها ، وبذلك تصير الأمة والشعب والدولة شخصاً واحداً وكجسد واحد .. وعندها يعطينا الله شهادة (وَ كانَ حَقاّ عَلَيْنَا نَصرُ الْمُؤْمِنِين)
[الروم :30/47] .

10- شرط استجابة الدعاء:
أدّ ما طلبه الله منك أداءً كاملاً ،يؤدي الله لك ما وعد وهيأ لك .قال تعالى: (ادْعُونى أَستَجِب لَكم) [غافر :40/60] ، ولكن لاتنسَ شرط الإجابة
(فَلْيَستَجِيبُوا لى وَ لْيُؤْمِنُوا بى لَعَلّهُمْ يَرْشدُون) [البقرة :2/186] هذا هو طريق الرشاد والتوفيق والسعادة .

11- كان العرب قبل الإسلام قبائل يسكنون الصحراء:
كان العرب قبل الإسلام قبائل يسكنون الصحراء ، أميين أعداءً متقاتلين .. أراد الله أن يكرم الأمة العربية والعروبة وقوميتها ، فأنزل قرآنه ووحيه باللغة العربية ، حتى صارت اللغة العربية لغة المسلمين .
فكم هي مّنة الإسلام على العروبة وعلى القومية ؟ وهل العروبة في عصرنا تقدّر هذا العطاء الإسلامي فتعطي الإسلام حقه من التشجيع والمعونة ، وحقّه من وسائل النشر والإعلام ؟!
يجب علينا كأمّة وكمسؤولين ، أن نبلّغ رسالة الله بكلّ ما نملك من طاقة .. وهذا يحتاج إلى من يحسن تصوير الإسلام ، ويحسن عرضه بالحكمة والموعظة الحسنة .
أسأل الله عز وجل أن يوفقنا لأن نفهم الإسلام بمعنى الاستجابة لله عز وجل بأقوالنا وأفعالنا وبقلوبنا
وأن نكون هاديين مهديين غير ضالين ولا مضلين أو جاهلين
اللهم اجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
والحمد لله رب العالمين


1- رواه مسلم : البر والصلة ، رقم /4685/ ، وأحمد في مسنده ، رقم/17648/ .
2- أخرجه الطبراني في الأوسط والحاكم في المستدرك وهو ضعيف .
3- رواه أبو داود في مسنده /البيوع-3003/ .
4- الأستاذ : صلاح كفتارو ، مدير مجمّع الشيخ أحمد كفتارو .














تنزيل القسم الأول


تنزيل القسم الثاني