الاستعداد للدار للآخرة
الاستعداد للدار للآخرة

2003-06-13

1-الاستجابة لله وللرسول:
قال تعالى :(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ) [الأنفال:8/24].
ينادي الله -عزّ وجلّ- المؤمنين ليستجيبوا له و للرسول من أجل يحييهم ..
ولكن أيّ حياة ؟ لا شكّ أنّها حياة العزّة و الكرامة . قال تعالى : ( ولله العزة و لرسوله و للمؤمنين ) [المنافقون:63/8].
وقال : (ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) [غافر:40/60]. ولكنه قال أيضاً : (فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) [البقرة:2/186]. وقال أيضاً:
( فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُون) [البقرة:2/152]. أي اذكروني بمقام الألوهية ، أذكركم بإفاضة نعمي عليكم (وَاشْكُرُوا لِي) [البقرة:2/186].
والشكر هو ما كان باللسان وبالقلب وبالعمل كما قال الشاعر :
الشكر قيد للنعــم مسـتوجب دفع النقم
وهو على ثلاثــة قلبُ يدُ فاعلم و فـم
فنسأل الله أن يرزقنا الإسلام بمعناه الحقيقي ، وهو الاستجابة لله ، قال تعالى: (إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) [البقرة:2/131].
لقد استجاب إبراهيم -عليه السلام- لله تعالى، حتى عندما أمره أن يذبح ولده ..
وماذا ستكون النتيجة إذا استجاب المسلم لله تعالى؟ سيعزّه الله ، وسيرفع من شأنه ، تماماً كما أعزّ الله المسلمين الأُول حينما استجابوا لله و للرسول ..
وأبواب الاستجابة مفتوحة ، ولكن لمن يستجيب لله و للرسول ، فإذا زرعت قمحاً فستحصد قمحاً ، أما إذا زرعت شعيراً ، وطلبت من الله أن تحصد قمحاً ، فهذا غير ممكن و هذا حال كثير من الناس ، يعملون السيئات ويطلبون من الله العزّة و النصر .

2-الإسلام يصنع الإنسان الفاضل:
يجب أن تفتش قلبك دائماً هل هو متجه للخير أم للشر؟ إلى رضى الله أم إلى سخط الله ؟ ثمّ تطلب من الله أن يغفر لك ، وعندها يجيبك الله بقوله:
(وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى) [طـه:20/82].
ويقول الله تعالى في آية أخرى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً) [التحريم:66/8].
ما هي التوبة النصوح ؟ هي أن تترك الذنب فلا تعود إليه أبداً ، وإذا كان لأحد عليك حق تؤدي إليه حقه . هذا الإسلام هو الذي يصنع الإنسان الفاضل العظيم .
لقد وصف الله إبراهيم بقوله : (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّة) [النحل:16/120]. هذه الآية تعني يا أيها المسلم كن أمة ، ويا أيتها المسلمة كوني أمة .
أبو بكر الصديق كان أمة .. لقد وجه جيوشه إلى جهة الشرق إلى فارس ، وإلى جهة الغرب إلى الروم .... ولكن هل فعل ذلك بالوطنية و بالقومية و بالألقاب الحزبية ؟!
لماذا لا نعود إلى سيرة سيدنا محمد بن عبد الله ، وندرس حياته ، كيف استطاع توحيد الجزيرة العربية في ثلاثة وعشرين سنة ، ونحن اليوم لا نستطيع أن نوّحد بين بلدين !! .
لقد قسّم الصليبيون بلاد الشام إلى أربع دول ، ونحن نحافظ على هذه الحدود المقدسة .. فإذا أراد السوري السفر إلى الأردن فإنه يحتاج إلى جواز سفر تماماً كالأمريكي ، ولا نعلم أيهما يكون دخوله أيسر و أسهل !!
أليس واجباً على الملوك و الأمراء أن يدرسوا هذا المخطط الإلهي والمنهج الذي سار عليه سيدنا محمد -عليه أفضل الصلاة و أتم التسليم- ؟! .

3-أهمية الدعوة و الدعاة:
متى نستيقظ من سباتنا و نومنا و سكرتنا ؟! إنّ سبب ما نحن فيه هو جهلنا بالإسلام ، وفقدنا للمعلّم الذي يعلّم الحكمة ، ويزكّي النفوس استمداداً من القرآن الكريم .. فإذا لم يدخل المسلمون مدرسة القرآن ، ولم يتصلوا بأستاذ القرآن فلن تقوم لهم قائمة .
في الماضي كانت المساجد هي المدارس التي خرجت الأبطال والقادة الذين فتحوا الدنيا حتى وصلت آثارهم إلى الصين .. وحينما ضعف شأن الدولة السياسي ، قامت دولة الدعاة ، وقام المسلم الحقيقي الذي قرأ هذه الآية: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ) [النحل:16/ 125].
وهذه الآية: (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ) [فصلت:41/33]. و(عمل صالحاً) : لأنّ الداعي يجب أن يكون قدوة بأقواله و أعماله.

4-الاستعداد للدار الآخرة:
قال تعالى:
(وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ * وَلا الظُّلُمَاتُ وَلا النُّورُ * وَلا الظِّلُّ وَلا الْحَرُورُ * وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ) [فاطر:35/19-22].
فالنبي لم يكن يذهب إلى المقبرة و يعظ الأموات ، ولكن المراد من (القبور) الإنسانَ الذي يمشي على قدميه ، ولكنه كما قال تعالى:
(لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ) [الأعراف:7/179].
فقد تجد اليوم مسلماً يحمل كلّ هذه المعاني الخاسرة وإذا عُوتب أو ذُكّر أو دُعي إلى التوبة ، يقول: الله غفور رحيم ، وهذا هو الغرور الذي يحذّرنا منه ربنا بقوله : (فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا) [فاطر:35/5].
فلا تغترّ أيها المسلم بشبابك ولا بصحتك و لا بمالك ولا بجاهك و لا بحكمك ولا بسلطانك ، ففي لحظة واحدة يصبح اسمك (ميّت) ، وتصير جنازة ، ثم تترقى وتصبح قبراً .هذا بالنسبة إلى الجسد ، أما الروح فتنتقل إلى العالم الثاني ، فأنت روح تسكن هذا الجسد . فهل حضّرت الزاد والوسائل التي تحتاجها في هذه الرحلة البعيدة ؟
قال تعالى : (وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى) [البقرة:2/197]. هل تفكر بهذه الرحلة ؟ هل جهّزت جواز السفر لتبرزه عندما تقف على الحدود في السماء ويُقال لك: أين الجواز ؟ قال تعالى :
(إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ) [الأعراف:7/40].
فإذا استكبرت عن الامتثال لآيات الله و نداءاته ، وأعرضت عن أداء فرائضه ؛ فهذا استكبار و تكذيب .

5- مسؤولية ولاة أمور المسلمين:
لقد غزتنا الصليبية الأولى قبل زمان النبوة ، فاستطاع الإسلام أن يحرّر بلادنا من الاستعمار الروماني .. ثم ضعف الحكام ، وتنازعوا ، وتفرقوا ، وأصبح كل منهم يريد أن يستأثر بولاية، والله -عزّ وجلّ- يقول : (وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ) [الأنفال:8/46].
وهكذاعاد الصليبيون ، واسترجعوا مستعمراتهم ، وبقيت القدس في يد الصليبيين واحداً و ثمانين سنة ، حتى أتى الإسلام ممثلاً بنور الدين وصلاح الدين ، وحرّروا البلاد من الصليبيين.. ولكن هل حرّروها بالقومية أو بالعروبة؟ وهل كان نور الدين وصلاح الدين عربيين ؟ لقد كان نور الدين من أفغانستان ، وصلاح الدين من كردستان !! .
لذلك يجب على من يولّيهم الله أمر المسلمين ، أن يفتّشوا عن مذكّر و حكيم ، يكون مستشاراً لهم قريباً منهم ، لعلّنا نحقق حديث رسول الله –صلى الله عليه وسلم- :
( خير أمتي أولها و آخرها )1.
على كل واحد منكم أيها الأخوة -صغيراً كان أم كبيراً ، رجلاً كان أم امرأة - أن يبلّغ ما يعرف ، كما كان الصحابة -رضي الله عنهم- ، وكما فعل سلفنا الصالح حينما تفسّخت الدولة بسبب البعد عن الإسلام فقاموا بالدعوة إلى الله ، ونشروا الإسلام ، واجتازوا الهند ، ووصلوا إلى أندونيسيا وإلى الفليبين - والتي أصبحت إسلامية محضة -، و حينما فُقد الداعي الفقيه، وفُقد العالم الحقيقي ،ضعف إسلام أهالي تلك البلاد …

6- أهمية وسائل الإعلام في نشر الإسلام:
لو وُجد إسلام مسموع ومرئي ، وهُيئ له الدعاة الأكفاء الحكماء العلماء ورثة الأنبياء وورثة رسول الله ؛ لاستطعنا أن نقوم بالأمور العظيمة ..
فدرسكم هذا يسمع الآن في أمريكا وفي أوروبا و اليابان بواسطة إخوانكم المترجمين ، وهذا من فضل الله عليّ وعليكم .

7- اهتمام السويد برسالة سماحة الشيخ:
و أخيراً أدعو الله -عزّ وجلّ- أن يقرّ عيني بخليفة لي ، يكون من صلبي ، وإن شاء الله قد استجاب الله الدعاء…
[ لقد دُعي الأستاذ صلاح إلى السويد لإجراء الحوار في جامعة (فيك شو) ، وكان عنوان المحاضرة الأولى (الحوار و التعايش و العلاقات الإسلامية المسيحية في سوريا) و المحاضرة الثانية (عن فكر و شخصية الشيخ أحمد كفتارو المفتي العام) ، و قررت جامعة (لون) أن تؤلّف كتاباً عن حياة و فكر الشيخ أحمد كفتارو . و كلا الجامعتين تدرّسان كتاب (طريق الحق) لطلاب الجامعتين ، والكتاب يحوي محاضرات سماحة الشيخ عن الإسلام والمسيحية في القرآن و السنة والتي ألقاها في المؤتمرات العالمية.
كما قام الأستاذ صلاح بالمشاركة في مؤتمر الدين و العلم و البيئة المقام في منطقة بحر البلطيق، وذلك بحضور مائتي شخصية عالمية من رجال الدين المسيحي وعلماء وعلمانيين، وكان هو الوحيد المشارك من العالم العربي، وقد حضر المؤتمر رئيس جمهورية إستونية ورئيس الوزراء البولوني وشخصيات دينية ممثلين عن البابا ورئيس أساقفة السويد، وقد أثنى بعض المشاركين بالمؤتمر على شخصية الرئيس بشار الأسد ومواقف سوريا الثابتة والمبدئية].
لقد اهتموا بالأمر على هذا القدر وهم في السويد ، و هناك من يكون الشيخ في بلدهم ولا يستفيدون منه ، ولا يفتحون الطريق أمامه ، ونحن في أشد المخاطر التي تمرّ على شعبنا و أمتنا !! .

8-عهد ووفاء:
وأخيراً وفي ذكرى وفاة رئيسنا حافظ الأسد عليه رحمات الله، فإني أود أن أذكر لكم بأنه كان صديقي، ولكن صحبة صديق صدوق. كان يزورني في المزرعة وهو وزيراً للدفاع ويجلس عندي الساعة والساعتين، فرحمة الله عليه وغفر الله لنا وله، فلنشركه في ثواب التهليلة، وهذا حق علينا لأن له أيادي بيضاء على مجمع أبي النور.
وصلى الله على سيدنا محمد و على آله و صحبه و سلم والحمد لله رب العالمين


1- رواه الحكيم عن أبي الدرداء ، وضعفه السيوطي .














تنزيل القسم الأول


تنزيل القسم الثاني