إن تنصروا الله ينصركم
إن تنصروا الله ينصركم

2003-06-20

1-إن تنصروا الله ينصركم:
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ * وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْساً لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ) [محمد:7/8]
لماذا نصر الله المؤمنين؟ لأنهم اتبعوا ما أنزل الله..
ماذا كان العرب قبل الإسلام من حيث العقل والفهم؟ كانوا وثنيين يعبدون الأحجار على أنها تماثيل للملائكة ويقولون هؤلاء بنات الله.. قال تعالى:
(أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ) [الطور:53/39] . فجاء القرآن ليوقظ العقول النائمة، وليهدي المسافرين الضالين الضائعين في صحراء الجهل، ولينقل الإنسان من الفقر إلى الغنى.. كما يقول تعالى:
(رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً) [البقرة:2/201]، ولينقله من الجهل إلى العلم، ومن التخلف إلى التقدم على مستوى الأفراد أو الجماعات أو الأمم والدول.. ولكن لمن رُزق فقه الإسلام بحقيقته وجوهره، أما أن نأخذ اسم الإسلام فقط!!! فالإسلام ليس بالتمني ولا بالتحلي .
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:
"ليس الإيمان بالتمني ولابالتحلي، ولكن هو ما وقر في القلب وصدقه العمل "1.
فهل أخذ المسلمون الآن الإسلام فهماً وعلماً؟! أم أنهم استبدلوه بالجهل والإدبار بدل الإقبال عليه -إقبال العاشق إلى من يعشق-؟! لقد أعرضوا، فأعرض الله عنهم. قال تعالى:(وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ) [محمد:47/38].

2-الإسلام وحّد نصف العالم القديم:
لم يكتفِ الإسلامُ بتوحيد العربَ في الجزيرة العربية، بل وحّد نصف العالم القديم.. والآن وبالرغم من وجود الجامعة العربية إلاّ أننا لم نستطع أن نوحّد العرب!! إذا أراد أحدنا السفر إلى الأردن مثلاً، فإنّه يحتاج إلى (فيزا) وجواز سفر، تماماً كما لو أرد السفر إلى فرنسا..
لقد أراد الله أن يعرّف العرب بتقصيرهم، فأرسل لهم اليهود.. فماذا كان موقف العروبة؟! آن للعرب -ملوكاً ورؤساء وأمراء وعلماء- أن يستيقظوا من سباتهم.. إنهم الآن نائمون، والنائم لا يحسّ بالأفعى إذا مشت عليه، وإذا مشت عليه فعلاً فإنّ ذلك لا يدلّ على شجاعته وصموده ورجولته..

3-اقرؤوا القرآن قراءة فهم وتدبر:
إذا ناداك الله في القرآن بـ (يا أيها الذين آمنوا)، و(يا أيها الإنسان) فيجب أن تقول لبيك، ويجب أن تستجيب .. ولا تكون كالذين قال الله عنهم:
(َلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ) [الأعراف:7/179].
اسألِ المسلم إذا أنهى قراءة القرآن الكريم، ماذا فهمت من هذه القراءة؟! تجده لم يفهم شيئاً.. عندما تقرأ قصة نوح في القرآن الكريم، اسأل نفسك: ما العبرة؟ وما المراد من ذكر هذه القصة؟ العبرة ألاّ تغتروا -أيها المسلمون- بحلم الله إذا عصيتموه، ولم يعاجلكم بالعقوبة.. قد يقول أحدهم: الله غفور رحيم.. نعم الله غفور، ولكن لمن؟ (لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى)[طـه:20/82] ، ورحيم، ولكن لمن؟
(وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنَا يُؤْمِنُونَ) [الأعراف:7/156].
حينما تقرأ سورة المجادلة، اسأل نفسك ماذا فهمت منها؟ لقد سمّاها الله سورة المجادلة، وهي الصحابية التي جاءت تشتكي إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فهل فهمت من قراءة هذه السورة حقوق الزوجة؟! .

4-النبي الأمي أنشأ أعظم الأمم:
كان الرسول -صلى الله عليه وسلم- أمياً لا يقرأ ولا يكتب، ولكنه أنشأ أمة هي أعظم الأمم، ودولة هي أعظم الدول، وإنسانية حقيقية راقية، حتى صار المسلمُ الإنسانَ الحقيقي، والخليفةُ الحاكم لا امتياز له على أحد من شعبه ..
لقد أتى قبطي من مصر إلى عمر بن الخطاب، يشكو ابنَ حاكم مصر –عمرو بن العاص- حيث جرى بينهما سباق فسبق القبطي، ولكن ابن عمرو بن العاص ضرب القبطي بالسوط قائلاً له: أتسبقني وأنا ابن الأكرمين!! كان بالإمكان أن يبعث عمر بن الخطاب كتاب توصية بالقبطي، ولكنه استدعى عَمْراً وابنَه، وأعطى السوط للقبطي، وقال له: اضرب ابن الأكرمين.. ثم قال له: اضرب على رأس عمرو...
وهكذا لمّا أحسنوا القدوة فتحوا شواطئ البحر الأبيض المتوسط وشاطئ البحر الأحمر وفتحوا إسبانيا، حتى وصل الجيش القومي العربي قريباً من باريس بـ
(20) كيلومتراً إلى مدينة (سانس).. فهل كان هذا بالقومية العربية أو الوطنية؟!
إننا الآن نستحي أن نقول بأنّ دين الدولة الإسلام، لماذا؟ لأنّ هناك أشخاص كثيرون وأحزاب كثيرة أميّة بتاريخها وقرآنها، وأميّة بدراسة شخصية سيدنا محمد -صلى الله عليه وسلم- وأبي بكر وعمر..
لذلك أريد من كل واحد منكم أن يكون داعية بأعماله وأخلاقه، وأن تجعلوا من بيوتكم مدرسة ومسجداً، كما قال تعالى:
(وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً) [يونس:10/87].
إنّ حال الأمة اليوم يرثى له.. وهو تماماً كما أخبر الرسول –صلى الله عليه وسلم- إذ يقول:
"يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، فقال قائل: ومن قلّة نحن يومئذ؟ قال: بل أنتم يومئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعنّ الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفنّ الله في قلوبكم الوهن. فقال قائل: يارسول الله، وما الوهن؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت"2. والله يقول:
(وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُم) [الأنفال:8/60]، يعني أعدوا لأعدائكم كل ما تملكون من طاقة وتفكير وبذل من أجل التقدم العلمي.. ولكن ما الوسيلة لتحقيق ذلك؟ الوسيلة هي أن يدفع الأغنياء المال، كما قال تعالى في تتمة الآية:
(وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شيء في سبيل الله يُوَفَّ إِلَيْكُمْ) [الأنفال:8/60].
لقد استولى الأعداء على العالم الإسلامي؛ لأنّ المسلمين قرؤوا القرآن لا ليفهموا معانيه ومقاصده ويعملوا به.. ولذلك تسلّط عليهم العدو وصاروا مطمعاً لكل طامع.
لم يكن القرآن في فجر الإسلام مجموعاً، بل كان المسلمون يكتبونه على ورق النخيل، وعلى أكتاف الغنم، هكذا كان ورقهم.. ولكن كانت قلوبهم خيراً من أوراقنا ومجلداتنا ومكتباتنا، لقد وصل الإسلام بصدق إيمانهم إلى الهند شرقاً وإلى حدود فرنسا غرباً..
وقد ذُكر لي أنهم وجدوا في جنوب أمريكا أحجاراً منقوشاً عليها باللغة العربية (لا غالب إلا الله)، وأنا رأيت هذه العبارة لما زرت الأندلس بدعوة من مريد شيخنا مدحت شيخ الأرض، وهذا دليل على أنّ المسلمين وصلوا إلى هناك .

5-اتقوا فراسة المؤمن:
كان يذكر لنا الدكتور مدحت شيخ الأرض، بأن شيخنا كان يقول له: (يامدحت ستكون طبيب الملك)، وحينما سافر إلى السعودية، عُين طبيباً في المستشفى العام في مكة.. وفي يوم جمعة، والموظفون والأطباء في عطلة نهاية الأسبوع، أُصيب الملك عبد العزيز بوعكة صحية، فطلب من المستشفى طبيباً، وكان الدكتور مدحت شيخ الأرض المناوب الوحيد في ذلك اليوم، فأرسلوه إلى الملك -وكان الملك قد جرّب الكثير من الأدوية، ولكنّه لم يُشفَ- وحينما عالجه الدكتور مدحت شيخ الأرض أجرى الله على يديه الشفاء من أول وصفة طبية، فأعجب الملك بالدكتور مدحت وقال:هذا طبيب زين، ليكن طبيبي الخاص.. وهكذا تحققت بشارة شيخنا –رضي الله عنه-. قال –صلى الله عليه وسلم- "اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله عز وجل"3. ومن باب التحدث بنعمة الله، في يوم ولادتي سمع شيخنا -الوالد- نداءاً من السماء يقول: (أتاك الشيخ عبد الغني) قال: فولدت ذلك الصباح، فذهب إلى شيخه -الشيخ عيسى- وأخبره بالمولود، فأغمض عينيه، ونظر بنور قلبه، وقال له: (اعتن بهذا المولود فإنّه سيكون له شأن) .
فرضي الله عنهم، ورزقنا حبهم، وأسأل الله أن يحشرنا معهم، ومن كان معهم محباً صادقاً في الدنيا فهو كما قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-:
" المرء مع من أحب"4. ولذلك كان من دعاء الرسول –صلى الله عليه وسلم- "اللهم ارزقني حبك وحب من يحبك" وهذا يحتاج إلى عمل، ولذلك قال:
"وحب عمل صالح يقربني إلى حبك"5.
يقول الإنسان أريد تأمين مستقبلي.. ولكن هذا المستقبل محدود مادمت محبوساً في الجسد، وهذا الحبس مؤقت، وحينما تنتهي المدة ستنتقل إما إلى حياة سعيدة، أو إلى التعاسة والشقاء.. قال تعالى: (مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَاراً) [نوح:71/25]. أما إذا كنت طيب الأخلاق والأعمال فالله يقول:
(الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ) [النحل:16/32].
فالله يرضى عنكم جميعاً، قلبي محروق يا ابني، أملي بالله أن يجعل الله من كل واحد منكم مدرسة أينما وجد في السهرة في الحافلة في بيته، وبذلك يعود الإسلام والمسلمون إلى عزتهم.

6-وفاة الشيخ محفوظ النحناح:
بلغني وفاة صديق لنا في الجزائر، وهو من كبار علمائها -الشيخ محفوظ النحناح- وهو مؤسس ورئيس حركة مجتمع السلم في الجزائر، ومن أبرز الدعاة والعلماء في العالم الإسلامي المتسمين بالوسطية، وكان صمّام الأمان الديني والوطني في الجزائر.. تعاون مع حكومته الجزائرية لما فيه خير الأمة. ومن تلامذته في الحركة الجزائرية سبعة وزراء، وكان -رحمه الله- يعتبر شيخكم والده وشيخه.. وفي الحديث "موت العالم مصيبة لا تجبر وثلمة لا تسد"6. لذلك نقرأ له التهليلة، ونسأل الله أن يرحمه ويغفر لنا وله، ثم نصلى على روحه صلاة الغائب .
و صلى الله على سيدنا محمد و على آله و صحبه و سلم
و الحمد لله رب العالمين


1- رواه الديلمي في مسند الفردوس عن أنس ، ضعفه السيوطي .
2- رواه أبو داود في سننه عن ثوبان .
3- رواه البخاري في التاريخ، والترمذي عن أبي سعيد الحكيم، والطبراني في الكبير، وابن عدي عن أبي أمامة بن جرير عن ابن عمر.
4- رواه الترمذي عن صفوان بن عسال، وقال: حديث حسن صحيح .
5- أخرجه الترمذي وصححه، والطبراني وابن مردويه عن معاذ بن جبل رضي الله عنه. والحاكم عن أبي الدرداء، وقال: هذا حديث صحيح على شرط البخاري.
6- رواه الطبراني عن أبي الدرداء مرفوعاً .














تنزيل القسم الأول


تنزيل القسم الثاني


تنزيل القسم الثالث