التعاليم الأخيرة! (زيارة وفد مسيحي)
التعاليم الأخيرة! (زيارة وفد مسيحي)

2002-05-31

- الإسلام رحمة للعالمين و للإنسانية:
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين و أفضل الصلاة و أتم التسليم على سيدنا محمد و على أخويه سيدنا موسى و عيسى و على أبيه سيدنا إبراهيم و على جميع الأنبياء و المرسلين و آل كل و صحب كل أجمعين وبعد:
اليوم لدينا ضيوف من إخواننا المسيحيين, أرجو من الله أن يكون اللقاء خيرا لأبناء الملتين و خيرا للإنسانية جمعاء.
الإسلام كما يقول القرآن في خطاب رب العالمين لرسوله:
(وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) (الأنبياء:107)
ليس فقط سلاما, لا تؤذني و لا أؤذيك, لا تقاتلني ولا أقاتلك, بل رحمة و حنانا و عطفا تحاببا و تعاونا بين كل شعوب العالم.
تعريف الإسلام يجب أن يكون بهذا الشكل و بهذا المعنى, في هذا الزمن و العصر الذي لم يمر على الإنسان عصر أخطر على الإنسانية منه, عصر يقولون أن فيه تقدم الإنسان فهل تقدمت إنسانية الإنسان؟ هل تقدمت بحيث يكون العالم كله كالجسد الواحد.
الجسد الواحد!! أيّ تعبير عن الوحدة أفضل من هذا التعبير النبوي عندما وصف النبي (ص) المؤمنين في الحديث بأنهم في توادهم و تراحمهم و تعاطفهم كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر و الحمى.
وهذا ما ينص عليه القرآن, فلماذا إذن لا يُفهم الإسلام بهذا المعنى؟ لأن القرآن مجهول للمسلم يقرؤه و لا يفهمه, ولماذا لا يفهمه؟ لأنه يريد أن لا يفهمه, فلو أراد الإنسان أن يفهم لهيأ الأسباب, و لو أراد أن يطبخ لهيأ وسائل الطبخ و هيأ أسباب الأكل كالصحو ن, فهل هيأ المسلم أسباب فهمه للقرآن؟


2- الإسلام أقر الأخوة بين الديانات:
الأخوة بين الديانات رشحة من رشحات النبي محمد (ص) حيث يقول: (نحن معاشر الأنبياء أخوة ديننا واحد)
وهذه الكلمة مشتقة من القرآن من سورة الأنبياء عندما يقول الله تعالى بعد أن يذكر قصص ستة عشر نبيا و يختم هذا العدد بالصدّيقة العذراء مريم
(إن هذه أمتكم أمة واحدة و أنا ربكم فاعبدون) (الأنبياء:92)
ليذكر الإنسان بعد أن ذكر له هؤلاء الأنبياء بأن هدف كل الأنبياء و كل الأديان واحد وهو بناء الإنسان الفاضل ثم ختم الله النبوة بالنبي محمد (ص).

3- هذا العصر هو الأخطر على الإنسان و الإنسانية:
وضع الإنسانية في المرحلة الراهنة من أخطر ما مر على الإنسانية, لأنه في الزمن الماضي كان الخطر على الإنسانية من الوحوش و الأمراض أما الآن فيتجسد الخطر الأكبر على الإنسانية في الإنسان و علمه, فالمال الذي يصلح لشراء الدواء يصلح أيضاُ لشراء السم, هذا العصر الذي نعيشه هو من أخطر العصور على الإنسان حيث بالعلم وصل الإنسان إلى سلاح يستطيع به أن يهلك الحياة و الأحياء على الكرة الأرضية ست مرات أي صار عند الإنسان ما يعدم الحياة على ستة كواكب بحجم كوكبنا, فهو إذن في وضعه الراهن في خطر محدق بسبب السلاح المدمر للحياة و الأحياء.

4- هل يجهز الإنسان ما يحميه من الأخطار المحدقة به في هذا العصر:
فهل فكر الإنسان في تهيئة الدرع الواقي الذي يحميه لكي يتفادى هذا الصدام أو هذا الفناء؟
رب العالمين الذي يعلم الماضي و الحاضر و المستقبل هيأ قبل ألف و أربعمائة عام هذا الدرع فأنزل كتابه على النبي محمد (ص) دواء و شفاء لأمراض الإنسانية فقال:
(وننزل من القرآن ما هو شفاءٌ و رحمة) ولكن لمن؟
(للمؤمنين) (الإسراء:82) أي لمن يصدقه بعد أن يهضمه عقله بعمق فيكون رحمة و نجدة و إنقاذا, أما إذا أعرض عنه فيكون كالبيت الذي نشب فيه الحريق ولم يستنجد صاحبه بالإطفاء فالمسؤولية ليست على فرقة الإطفاء بل على من أهمل ولم يفعل ما وجب عليه فعله.
أنا شخصياُ متفائل أن هذا القرن لن يكون فقط قرن السلام بل قرن الأخوة الإنسانية و المحبة الإنسانية إذا استعمل الإنسان عقله فوضع دولاب فهمه و بحثه و تعلمه على سكة الله, ووضع دولاب حياته و عقله على تعاليم الله.

5- الاعتقاد بالإسلام هو تصديق بكل الرسالات السابقة:
تعاليم الله الحديثة أو الأخيرة!! فعندما نشتري سيارة نفضل الطراز الأخير الذي يجمع كل مزايا الطراز السابق مضافاُ له من المزايا الجديدة مما يجعل السيارة تعطي الهدف المرجو منها بشكل أوسع و أفضل.
أتى الإسلام الذي يعني ككلمة الاستجابة لتعاليم الله التي أنزلها على جميع أنبيائه و ليس فقط محمد(ص), لأن محمد تلميذ علمه الله عز و جل ليعلم البشرية طريقة السعادة و النجاة حاملاُ معه تعاليم إخوانه الأنبياء إبراهيم و موسى و عيسى.
والديانات السماوية في تتابعها و تكاملها مثل مراحل التعليم المتتابعة فالطالب الجامعي عندما يتعلم في الدراسة الجامعية لا يهجر ما تعلمه من قبل كالقراءة و الكتابة ويتعلم الجديد فقط, هذا غير معقول و القرآن يقول في هذا المعنى بأن الله أنزل تعاليمه في القرآن وهناك من يؤمن به من أبناء الديانات الأخرى:
(وكذلك أنزلنا إليك الكتاب فالذين ءاتيناهم الكتاب يؤمنون به ومن هؤلاء من يؤمن به) (العنكبوت:47)
هذه التعاليم الأخيرة التي تحمل في طياتها تعاليم إبراهيم و موسى و عيسى و محمد هي كالطالب الذي يحمل الابتدائية و الإعدادية و الثانوية فهل يرفض أن تقدم له الدكتوراة؟!
الله يخاطبك في القرآن, إذا كنت موظفاُ عاديا و أرسل إليك رئيس الجمهورية كتابا فان هذا سيسعدك و يعزك و يرفعك, فهل هناك أعز من خالق النجوم و الكواكب الذي يخاطبك بأن أنزل لك الكتاب .
ولما خاطب الله نبيه محمدا (ص) وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين هل صدق الله تعالى قوله؟

6- أثر الإسلام على العرب لمّا نزل عليهم قبل 1400عام:
لما بلغ النبي محمد الرسالة بأقواله و أفعاله و سلوكه, إذا به بين عشية و ضحاها يقلب الصحراء ومن فيها إلى أمة متعلمة عقلانية متحابة بأخلاق عالية حتى صارت في آخر حياته أمة العلماء الحكماء الذين كادوا من فقههم أن يكونوا أنبياء ثم استطاعت هذه الأمة بتعاليم الله خلال سبعين سنة تقريبا أن توحد نصف العالم القديم من حدود فرنسا إلى قلب الهند و كل ذلك بوسائل بدائية, و زمانهم لم يكن فيه من وسائل الاتصال الحديثة ما يجعل من الممكن أن يسمع صوت الله في كل العالم, فكيف لو هيأ لهذه التعاليم وسائل الاتصالات الحديثة.

7- نشر تعاليم السماء بوسائل الاتصال الحديثة التي يقوم عليها الأكفاء من العلماء يجعل العالم متحابا كالجسد الواحد و يوفر ميزانيات الحروب بين الإنسان و أخيه:
فما أحوج إنسان هذا العصر إلى قناة فضائية تحمل هذه المعاني و تنقلها للناس ينتقى لها الرجال الأكفاء الذين يحسنون مخاطبة الإنسان المعاصر, لتحمل هذه الغاية الرفيعة المقدسة باللغات الحية و لتوفر على الإنسانية ميزانيات وزارات الدفاع لحكومات العالم التي تتجاوز المليارات, هذه الميزانيات التي تنفق ليس تخوفا من الوحوش ولا السباع بل خوفا من الإنسان, فما هذا الإنسان الذي يخاف منه أخوه الإنسان و لا يتقي شره إلا بهذه الميزانيات التي لا حدود لها؟!
وهل يرتقي الإنسان بهذه الإنسانية أم يتقهقر؟ يتخلف و يظن أنه يتقدم.
فكيف الحل إذن ؟
يحتاج هذا النائم إلى من يوقظه ولكن بلطف و رحمة و حنان كما توقظ الأم طفلها الرضيع لتطعمه.
تعاليم الله هي هدية من الله تعالى للإنسان فإذا قبل الإنسان هدية الله هل يكون خاسرا؟
هل يكون نادما؟ و الله يعطيها له بلا ثمن, الإيمان هو أغلى شيء في الوجود يحصل عليه الإنسان على هذا الكوكب الذي لا يمثل ذرة في الفضاء الخارجي, فأي عناية أحاطنا الله بها!
يخاطبك الله
يحادثك الله
يحاورك الله
ثم أي خسارة أن يعطى الإنسان كل هذه الوسائل التي تمكنه من معرفة الحقيقة ثم لا يقوم بالتعرف عليها

8- العاقل إذا سمع أخبار متناقضة عن الإسلام أو أي شيء آخر يتريث حتى يتبين الحقيقة:
أو لا يقوم باستجلاء سوء الفهم المحيط بها, فالعاقل إذا قيل له عن الإسلام أو أي شيء آخر أخبارا متناقضة لم يفهمها فيقول: لا أتسرع و أحكم بل أستوضح حتى أرى بعيني كي أميز الحق من الباطل و الظلام من النور.
أنا متفائل و ليس لنا عذر أمام الله إذا انتهت حياتنا و إذا خلعنا ثوب هذا الجسد و أصبحنا بين يدي الله.
هذا الجسد الذي هم كثير من الناس أن يعبدوه و يكونوا في خدمته أما الإنسان الروح و النفس و الخلود فماذا غذوته؟ و ماذا كسوته؟
يقول القرآن في هذا المعنى:
(يا بني ءادم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم و ريشا)
يعني خلقنا لكم ما تلبسونه على أبدانكم يستر عورتكم, ولكن هناك لباس آخر هو لباس التقوى, لباس النفس و الروح
(ولباس التقوى ذلك خير) (الأعراف:26) ،يعني تعاليم الله وتطبيقها بعد التعرف عليها هي لباس للنفس.
و إذا قدمت هذه التعاليم للإنسان هل يستطيع رفضها؟ الجائع إذا تعرف على الطعام الفاخر هل يتأخر في الذهاب إليه؟ طبعا لا. ولكن المهم أولا أن يتعرف الجائع على جوعه وعلى المطعم الذي يقدم الطعام الفاخر.

9- تعاليم الله الأخيرة شملت كل شيء فكان لها أبلغ الأثر في حياة العرب:
تعاليم الله الحديثة أو الأخيرة ما تركت شيئا إلا و ذكرته, موجزا و مختصرا ولكن موضحا لتتحقق للإنسان سعادته في العقل و النفس و الروح.
وعندما بلغت هذه التعاليم الأمة العربية كانت في مؤخرة الأمم في التقدم الحضاري و العلمي و إذا بها بين عشية و ضحاها تنقلب عداوتها إلى محبة, وفرقتها إلى وحدة و تنتقل من الذل تحت الاستعمار الفارسي و الروماني إلى الاستقلال التام.
ولم يكونوا دولة فأصبحوا دولة.
ثم بعد ذلك لم تكن هذه الأمة أنانية غير مبالية بغيرها بل قامت لتنقذ الأمم من جهلها و تسلط المستعمرين عليها (الأباطرة و الأكاسرة الذين أدعى بعضهم الألوهية, بينما النبي محمد (ص) كان يقول أنا عبد الله ورسوله).
وإذا بتعاليمه وبعد أربعة عشر قرنا كل من يشم رائحتها يقبلها.
لذلك على الإنسان أن يتعرف على الرسالة الأخيرة التي تحمل معها ما قبلها والتي تحقق سعادة الفرد و العائلة و المجتمع الوطني ثم المجتمع العالمي.
التعاليم الأخيرة التي تحقق السلام النفسي, كم من الناس ينتحرون اليوم!؟
لماذا؟ لأنهم في عذاب نفسي داخلي. الإسلام حرم الانتحار, المسلم الحقيقي لا ينتحر, لا يؤذي نفسه و لا يؤذي غيره, ولا حتى حيوانا صغيرا فقد أخبر النبي محمد (ص) عن امرأة دخلت نار جهنم من أجل هرة حبستها, لا هي أطعمتها ولا تركتها تأكل من خشاش الأرض, كما أخبر عن بغي غفر الله لها من أجل كلب عطشان سقته.
فلماذا الحروب إذن؟ ولماذا تكديس الأسلحة؟ القنبلة الكيماوية لا تكفينا, نحولها إلى ذرية, و الذرية لا تكفينا فنحولها إلى هيدروجينية, هذه القنابل ضد السباع؟ ضد الأفاعي؟ أم ضد الإنسان؟ لماذا صار الإنسان مخيفا أكثر من الحيوان؟
لأنه عاش أميا لم يدخل مدرسة الله وثم أعرض الناس عن الدين.
و قد قلت لكم كثيرا لا يستطيع أن يلحد, هل يستطيع أحدكم أن يلحد بوجود النهار الآن؟ ألا إذا كنتم في سرداب مغلق, فهل يرضى أحد أن يبقى في سرداب مغلق لا يميز النهار من الليل؟

هل حقق مجلس الأمن و هيئة الأمم سلاما ؟ ألم تحدث الحرب العالمية في ظل عصبة الأمم؟
ما لم تكن عصبة الأمم في قلب الإنسان تشعره أنه جزء من هذا الجسد العالمي لن يتحقق السلام, فالمؤمنون بتعاليم الله, في توادهم و تراحمهم كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر و الحمى. فهل تمثلت هيئة الأمم هذه الحقيقة؟
نرجو الله أن يجعلنا نتقبل رسالة و تعاليم من هو أرحم من الوالدين بولدهما و من هو أرحم بنفسك من نفسك لتسعد على هذا الكوكب المحدود و تنتقل إلى حياة بلا حدود إلى الخلود الأبدي.

و صلى الله على سيدنا محمد و على آله و صحبه و سلم