من وحي سورة اقرأ
من وحي سورة اقرأ

2003-11-21

1. مقــدمـــة:
نحن الآن في تفسير سورة (العلق)، وسبب نزول هذه السورة، هو أنّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يتعبد الله في غار حراء قبل النبوة بإلهام من الله عز وجل وتعليم منه، كما يلهم الله عز وجل المولود، كيف يرضع من ثدي أمه، وكما كان شيخنا رضي الله عنه يختلي في مسجده -مسجد أبي النور- اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم..
هكذا كانت مدرسة النبي صلى الله عليه وسلم وجامعته، بلا أستاذ ولا معلم، بل بقيادة إلهية ربانية، قادته إلى أن يترك الخلق.. وهذا هو التوفيق الإلهي والإلهام الرباني.
لما كنت في الدراسة الابتدائية في الصف السادس، كانت همتي ونيتي أن أصبح طبيباً، ولكن في آخر السنة أتى التوفيق الإلهي والإلهام الرباني، بأنه إذا مات والدك فسيبقى الجامع يتيماً بلا معلم، فاترك الطب والدراسة، وتعلم ما تعلمه والدك... ولقد شجعني والدي وشيخي وروحي، وقال لي: على بركة الله ..
لقد كان -رضي الله عنه- يحدثني بأنه يوم ولادتي سمع نداءً من السماء يخاطبه قائلاً: أتاك الشيخ عبد الغني، فأتى إلى شيخه الشيخ عيسى -رضي الله تعالى عنهما- وأخبره، فأغمض الشيخ عينيه، ونظر بنور القلب، ثم قال لوالدي وشيخي وحبيبي وقرة عيني: اعتن بهذا المولود فإنه سيكون له شأن . -فرضي الله عنهم- وكما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله"1، وكما قال تعالى:
﴿هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّاً﴾ (يوسف: من الآية100).

2. مدرسة حراء:
سورة (العلق) تعليم لكل مسلم، أن يختلي بالله –عز وجل- بأن يجعل وقتاً محدداً ولو في كل يوم وليلة، يخلو فيه مع الله، بذكره، فإذا ذكرت الله عز وجل ذكرك ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُم﴾ (البقرة: من الآية152). وقال –سبحانه-: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾
(البقرة: من الآية186)، ولكن أستجيب لهم إذا استجابوا لي ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ (البقرة: من الآية186).
لما استجاب المسلمون الأوائل لله -عز وجل- استجاب الله لهم، فأعزهم بعد ذلة، وكثرهم بعد قلة، ونصرهم على عدوهم مع ضعفهم وقوة عدوهم.. وهكذا يجب على كل مسلم إذا قرأ القرآن أو سمع شيئاً من سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكون كما قال الله تعالى:
﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (الأحزاب: من الآية21)، ويجب عليك أن تبحث عن المعلم الذي يعلمك بلسانه، ثم تطهر قلبك؛ ليعلم قلبُه قلبك بتوجهه، وإذا صدقت مع الله عز وجل صدقك ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ﴾ (الأحزاب: من الآية24).
وهكذا حُبب إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- هجر الناس، وعدم مخالطتهم، وآوى إلى حراء يتعبد الله فيها، ولم يُروَ كيف كانت عبادته في الغار، ولكن أعتقد بأنها كانت توجهاً إلى الله -عز وجل- والله أعلم . وبينما هو في هذه الحال إذا به يُفاجأ بظهور جبريل أمامه بصورة إنسان، وقال له: اقرأ. فقال له النبي -صلى الله عليه وسلم-: ما أنا بقارئ . فقال له: اقرأ - يا الله، ما أعظم هذه العناية الإلهية !! وإذا العناية حفت بالعبد وأحاطت به الألطاف والعطاءات... أسأل الله عز وجل أن يرزقنا عنايته وتوفيقه- فقال له النبي: وماذا أقرأ؟ قال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ (العلق:1)
فالأمر ليس من عند جبريل، ولكنه من عند الله الذي أمر جبريل أن يبلغه ذلك الأمر.

3. القرآن يسبق العلم الحديث:
أربعة عشر قرناً والمفسرون يفسرون كلمة (علق) بنقطة دم، إلى أن اكتشف العلم الحديث أنّ الإنسان مخلوق من علقة وهي الحيوان المنوي، واكتشف أيضاً أنّ الإنسان لا يُخلق من حيوان منوي فقط، وإنما يُخلق من بويضة المرأة أيضاً، حيث يخترق الحيوان المنوي جدار البويضة، ويختلط ويمتزج بها، فيتكون الإنسان.. وهذا ما عبّر عنه القرآن بقوله: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ﴾ (الانسان: من الآية2) أي ممتزجة بعضها ببعض ( نبتليه) أي نختبره، نريد أن ننعم عليه ونكرمه ونعطيه السمع والبصر والقوة والمال والرئاسة؛ لنفحصه ونختبره، والآن كلكم في الفحص، فهل تسهرون الليالي؛ لتنجحوا في الاختبار والانتقال إلى الصف الثاني والثالث؟. ﴿فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً﴾ (الانسان: من الآية2) ليتعلم من المعلم، وليبصر الحقائق، فيجتاز الاختبار

4. النسب وحده لا يكفي:
لم يذكر القرآن اسم أحد من الكفار إلا أبا لهب عم النبي -صلى الله عليه وسلم- ، حيث قال تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ (المسد:1) وهذا تعليم لمن يكون قريباً من العلماء بالجسد والعظم واللحم فقط، ثم لا يكون قريباً منهم بالتعليم والإقتداء والأخلاق والسلوك، فهذا حظه من النسب ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ (المسد:1). ولو كان عم النبي -صلى الله عليه وسلم- ولو كان من أهل البيت فهذا لن يغني عنه شيئاً، لقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول : يا فاطمة اشتر نفسك من الله أنا لا أغني عنك من الله شيئاً، يا عباس عم رسول الله اشتر نفسك من الله، أنا لا أغني عنك من الله شيئاً، لا يأتيني الناس بأعمالهم وتأتوني بأنسابكم.
وما النسـب الزكي بمعتبر إذا لم يصاحبه علـم ولا أدب
فهل ضر سلمان الفارسي وهل نفع النسب الزكي أبا لهب
كان النبي صلى الله عليه وسلم كل يوم في زيادة ، وكما قال صلى الله عليه وسلم "من لم يكن في زيادة فهو في نقصان ومن كان في نقصان فالموت خير له"2، فإذا كان كل يوم كما تزداد من غضب الله وتزداد من معاصي الله وتخالف فرائض الله وأوامره فتبت يدا أبي لهب ، فأنت أبو لهب زمانك وأبو لهب نفسك فاحذر أن تكون أبا لهب،
لم يكن أبو بكر -رضي الله عنه- عمّ النبي -صلى الله عليه وسلم- ولا خاله، بل كان رجلاً من قريش ومع ذلك ذكره الله في القرآن بقوله:
﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَار﴾ (التوبة: من الآية40).
لقد أحاط العدو بنا، وبكل ازدراء وبلا مبالاة، وذلك لأن المسلمين لما نسوا الله عز وجل نسيهم ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ (التوبة: من الآية67) الله لا ينسى ولكن عبر بكلمة نسيان للمقابلة ، فنسأل الله أن يوفقنا لذكره ليذكرنا، كما قال تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُم﴾ (البقرة: من الآية152).

5. ذلك فضل الله:
درسكم الآن يسمع في كل أقطار الدنيا في أوربا وأمريكا وفي استراليا وفي اليابان ، وقاد الله لكم الطلاب من كل أقطار الدنيا وهذه السنة أتاكم وفد من جنوب أمريكا زهاء عشرة طلاب يدرسون في مجمعكم . فمن قادهم؟ ومن عرّفهم؟ هذا من فضل الله علي وعليكم.. كما أنّ درسكم الآن يُترجم إلى ست لغات، ويسجل أيضاً بالإنترنت، بمعنى أنه إذا فاتك درس اليوم، تستطيع أن تراه وتسمعه في أي وقت وحتى بعد شهر وبعد سنة وبعد عشرين ومئة سنة... وهذا أفضل من تأليف الكتب؛ لأنّ الكتاب قد يضيع، ويحترق، أما هذا فلا يضيع، ولا يحترق.
لقد زرت البارحة أخاً لكم في الله مريضاً، شفاه الله، وعافاه، ولما رجعت مررت بجانب المعاهد وقت خروج الطلاب في الشارع، فرأيت الشارع مملوءاً بالطلاب.. لم أرَ هذا المنظر من قبل، هؤلاء الطلاب كلهم سيكونون علماء، وكذلك الطالبات، وهذا من فضل الله علي وعليكم وعلى كل من ساهم، وكذلك رئيسنا حافظ الأسد عليه رحمة الله ومغفرته، وكذلك رئيسنا بشار الأسد، فهو يرعى مجمعكم، وحبه لكم إرثاً من الوالد، ولما يعرفه عن مسيرة مسجد أبي النور.
فأسأل الله أن يوفقه ويحفظه ويحقق أهدافه، وهو الآن في معركة، ونحن أيضاً في معركة، أعلنها فرعون هذا العصر (بوش) متحالفاً مع الذين غضب الله عليهم من اليهود .

6. الحب الحقيقي:
أيها الأخوة : أكثروا من ذكر الله عز وجل، واسألوا الله عز وجل أن يرزقكم حبه، الحب بمعناه الحقيقي "المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل"3 يعني: أن تتخلل روحك بروح من تحب، وهكذا فإنّ ملعقة اللبن في وعاء حليب ساخن، تقلبه إلى لبن، أما إذا كان قلبك بارداً فلا يتروب .
كان من دعاء النبي -صلى الله عليه وسلم-: "اللهم إني أسألك حبك وحب من يحبك وحب عمل صالح يقربني إلى حبك"4.

7. النصارى المزيفون:
المسلمون الآن تحت مؤامرة هؤلاء النصارى المزيفون، أما النصارى الحقيقيون، الذين آمنوا بموسى، الذي بشّر بسيدنا محمد -صلى الله عليه وسلم-، فلا يدخلون في الغضب الإلهي، الذي أخبر عنه بقوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ* صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ -وهم اليهود- وَلا الضَّالِّينَ﴾ (الفاتحة: من الآية7) الذين ضلوا عن توحيد الله، وقالوا المسيح ابن الله، أو الله ثالث ثلاثة... اليهود الحقيقيون والنصارى الحقيقيون هم الذين قال الله عنهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا -آمنوا بالصدق والإخلاص- وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ -كان هؤلاء قوماً في العراق وكان لهم نبي وآمنوا به-مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ -لهم المكافأة من الله- وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ -لا عند الموت، ولا في القبر، ولا يوم القيامة، ولا في البرزخ- وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (البقرة: الآية62) لما يفارقونه من منصب وأولاد وتجارة ومال...

فأسأل الله عز وجل أن يتقبل منكم صالح العمل، وأن يفرج عن إخواننا في العراق وفي فلسطين، وأن يحفظ إخواننا في إيران، وأن يحفظ سوريا وبلاد الشام، وأن يسود الله وجه بوش، وقد ظهر سواد وجهه في العراق حيث ظن أن العراق كأس ماء بارد لعطشان، ونحن نشاهد كل يوم ما يسود وجهه ويخزيه، وقد نزلت أسهمه في أمريكا، وكذلك بلير نزلت أسهمه في إنكلترا، والمظاهرات قامت حتى في فلسطين من بعض اليهود المنصفين الذين قاموا على شارون، فالدعاء مطلوب منا.
وأسأل الله أن يجعلنا من الذين يستمعون القول ويتبعون أحسنه، والإخوان اليوم يحيون ليلة القدر في مسجد أبي النور، فلا تنسونا من دعائكم، وأنا بقلبي معكم إن شاء الله وبروحي معكم، وأسأل الله عز وجل أن يتقبل منا ومنكم، وكل عام وأنتم بخير، ولا تنسوا رئيسنا من الدعاء له، فحمله ثقيل، فهو يقف في وجه دولتين عالميتين، ولكن من كان مع الله كان الله معه، فأسأل الله عز وجل أن يبيض وجهه بنصر من الله، وأن يحفظ سوريا ويحفظ رئيسنا ويحفظنا جميعاً .

وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

والحمد لله رب العالمين

1- رواه الترمذي ( 3127 ) من حديث أبي سعيد الخدري – رضي الله عنه - ، ورواه الطبراني في " الكبير ، ورواه ابن جرير الطبري في " التفسير " ( 14 / 46 ) ، وأبو نعيم في " حلية الأولياء " ( 4 / 94 ) من حديث ابن عمر – رضي الله عنه .وإسناده ضعيف.
2- أخرجه أبو داود والترمذي وحسنه والحاكم من حديث أبي هريرة وقال صحيح إن شاء الله.‏
3- أخرجه أبو داود والترمذي وحسنه والحاكم من حديث أبي هريرة وقال صحيح إن شاء الله.
4- حديث اللهم أسألك حبك خرجه الترمذي من حديث معاذ وقال حسن صحيح والحاكم وقال صحيح الإسناد، ولم يخرجاه.














تنزيل القسم الأول


تنزيل القسم الثاني


تنزيل القسم الثالث