عيد سعيد
عيد سعيد

2003-11-28

1. الإرادة الصادقة والهمة العالية:
كان شيخنا يعلمنا أن نعمل في كل ساعة وفي كل لحظه عملاً يقربنا إلى الله كما قال الله تعالى : ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ (البقرة: من الآية197) والمؤمن الحقيقي هو الذي لا يُضيّع من عمره يوماً ولا ساعة و لا دقيقة إلا ويشغلها ويعمرها بمرضاة الله عز وجل، فالإنسان لا يدري متى يلقى الله عز وجل والموفق من يتزود من دنياه لآخرته ويكسب في كل يوم وكل ساعة من حياته عملاً صالحاً، و لا تشغله آخرته عن دنياه، ولا دنياه عن أخرته
﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ (البقرة: من الآية201).
لكنّ الناس جعلوا همهم هذا الجسد وهذه الدنيا، والنفس لا تشبع، حتى لو أُعطيت جبال الدنيا ذهباً؛ فإنها تقول: هل من مزيد؟! ولا يشبعها إلا الموت. أما المؤمن الحقيقي فلا يشبع قلبه ولا روحه ولا نفسه إلا أن يكون مع الله عز وجل قلباً، و في جسده عملاً وسلوكاً و واقعاً، وفي عقله تفكراً في مصيره و لقائه بربه عز وجل . فالعيد الحقيقي ليس في هذه الدنيا.. العيد الحقيقي أن نلقى الله عز وجل، وقد بشّرتنا الملائكة عند خروج أرواحنا بمغفرة من الله ورضوان
﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ (الاحقاف: من الآية13).
لقد فهم المسلون الأولون أصحاب سيدنا رسول الله وتلامذته هذه الحقائق، ففتحوا مشارق الأرض و مغاربها، وحرروا البلاد من الاستعمار الشرقي و الغربي، و تحولت الأمة من أمة جاهلة جاهلية إلى أمة العلم والحكمة.. فهكذا ينبغي على كلّ واحد منا -رجلاً أم امرأة- أن يكون مسلماً حقيقياً، يعطي لهذه الإرادة حقها من العمل.. إنّ دارس الطب مثلاً، يدرس بالليل والنهار، ولكن مع كلّ هذا الجهد، قد ينجح، و قد لا ينجح، وهذا في أمور الدنيا، و الدنيا كلها لا تساوي عند الله جناح بعوضة..
إنّ المسلم والمسلمة يريدان مغفرة الله -عز وجل- بالأماني و التمني، و الله -عز وجل- يقول:
﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى﴾ (طـه:82)، و الإيمان كما يقول النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- : "ليس الإيمان بالتمني و لا بالتحلي ولكن الإيمان ما وقر في القلب و صدقه العمل"1، و إذا كان المسلم يحمل الإسلام بهذه الحقيقة، فهو سيد زمانه، وسيد مجلسه، وسيد في الدنيا، وسيد في الآخرة ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ (المنافقون: من الآية8)، ولا يفقهون.

كان يثبطني في المجيء إليكم هذا اليوم، أني نزلت إلى المسجد في أيام العيد، وفي صلاة العيد، وفي كذا، وفي كذا... ولكنني قلت في نفسي: ما هكذا علمني شيخي ولا والدي..كان شيخنا -رضي الله عنه- لا يترك الدرس لا صيفاً ولا شتاءً ولا متعباً ولا مريضاً، ولذلك ﴿وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً﴾
(الكهف: من الآية49)، وتزودوا فوجدوا زوادتهم في طريقهم، فلم يجوعوا، ولم يعطشوا، حتى وصلوا إلى دار السلام وإلى دار الأمان
﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (يونس:25).
فالإسلام كله يا بني همة وعزيمة و إرادة صادقة، ففي سبيل الدنيا يمشي الإنسان تحت المطر، ويمشي بالطين، وفي الزحام، وهذا في أمر الدنيا، والدنيا زائلة، فكيف حالك أيها المسلم و أيتها المسلمة في ميدان الآخرة، و في ميدان الباقيات الصالحات، وفي ميدان حياة الأبد ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً﴾ (النساء: من الآية57)؟! .

2. الإسلام الحقيقي يصنع الرجال:
أسأل الله عز وجل أن يوفقنا و يثبتنا وأن يعطينا العقل السليم, عقل الإسلام، عقل القرآن، العقل النبوي، عقل أصحاب سيدنا رسول الله، الذين باعوا حياتهم، وبذلوا أموالهم، وتركوا أوطانهم، حتى إنّ الزوجة كانت تفارق زوجها إذا بقي على كفره، وكذلك كان الوالد مع الولد... كانوا يقدمون الله -عز وجل- على كل شيء . فبماذا خلدهم التاريخ ؟ لقد كان عمر قبل الإسلام دلالاً، ولكنه صار بإسلامه الصادق قاهر كسرى وقيصر -رضوان الله عليه-، ووصل جيش سيدنا عثمان إلى الصين.. لقد كان هذا بالإسلام، إسلام الفهم و العلم و العمل والدعوة إلى الله -عز وجل- . فأسأل الله عز وجل أن يرزقنا الإسلام الحقيقي
﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (البقرة:131) .
فإبراهيم كان مسلماً ولم يكن كافراً، و لكنّ هذه الآية تعني: الإسلام الذي يناسب مقام النبوة والرسالة، ولذلك لما ابتلي بالنمرود، آثر أن يحرق بالنار على أن يخالف أمر الله عز وجل.

3. إلهي أنت مقصودي ورضاك مطلوبي:
أيها الأخوة والأحبة: اجتهدوا حتى نلقى الله -عز وجل- وهو راض عنا، ويكرمنا بقوله تعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ (المائدة: من الآية119). آه آه اللهم ارزقنا رضاك، اللهم ارزقنا مغفرتك، اللهم ارزقنا عفوك، اللهم يا رب تكرّم علينا بفضلك وكرمك بمغفرتك ورضوانك.. و لكن مع الدعاء يجيبنا الله عز وجل بقوله تعالى :
﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً -ولم يكتف بهذه الصفات فقط بل قال:- ثُمَّ اهْتَدَى﴾ (طـه:82) أي: يطلب الزيادة.
والله يقول للنبي عليه الصلاة والسلام: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾ (طـه: من الآية114). إنني دائماً أحرص أن لا تمضي دقيقة ولا لحظة من حياتي إلا وأكون في رضاء الله، ولو حلفت يميناً، فإني إن شاء الله لا أحنث، أنني لا أنسى ربي في طعامي ولا في شرابي ولا في وضوئي... وهذا بفضل الله عز وجل وكرمه. لذلك كونوا طمّاعين بطلب رضاء الله -عز وجل- بكثرة طاعتكم له، فالعمر والوقت والحياة أنت لا تملكها، بلحظة واحدة، أو بمرض طويل أو قصير، تخسر الحياة.
فأسأل الله عز وجل -يا إ خواني يا أحبابي و يا أخواتي- أن يحفظ قلوبنا، وأن يحيي عقولنا وأن يوفقنا، ويغفر لنا، ويتقبل طاعتنا، ويتقبل من المسلمين جميعاً صيامهم وقيامهم وصدقاتهم وأعمالهم الصالحة، وخصوصاً إخواننا الذين يستمعون المحاضرة عبر الإنترنت الآن أوفي أي وقت، فسلامي لهم، وأسأل الله عز وجل أن يوفقهم، وأقول لهم: كل عام وأنتم بخير، وأنا بخير، والمسلمون بخير.

4. دعاء ورجاء:
أدعوا الله من أعماق قلوبكم، أن يفرّج عن إخواننا في العراق، وأن يفرج عن إخواننا في فلسطين. لقد هدم اليهود منازلهم، ورملوا نساءهم، ويتّموا أطفالهم، وشرّدوا عائلاتهم في البرد وتحت السماء.. فأين الإسلام ؟ أين ملوكنا ؟ أين دولنا ؟.
ها هي بلاد الشام مقسمة، فسورية دولة و لبنان دولة وفلسطين دولة، والأردن دولة وإلى آخره... وفيما أسمع وتسمعون، وأقرأ وتقرؤون في الصحف، أنّ التخطيط الأمريكي يقضي كذلك بأن تقسّم السعودية...
فأسأل الله عز وجل أن يجمع العلماء الحقيقيين مع ملوكهم ورؤسائهم، وأن يتألف من هذا الاجتماع شخصية واحدة؛ حتى يتسنى لهم رسم خريطة الطريق لأمتهم، تلك الخريطة التي توصلهم لا إلى السلام، ولكن إلى العزة وإلى الوحدة وإلى الغنى وإلى التوفيق .
ختاماً: أسأل الله عز وجل أن يغفر لنا ولكم، وأن يبارك صيامكم، وأن يجعل باقي حياتنا مصروفاً في مرضاة الله ورضائه.

وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
و الحمد لله رب العالمين

1- رواه ابن النجار والديلمي في الفردوس مرفوعاً بسند ضعيف، ولكن صح سنده إلى الحسن البصري مرسلا. (فيض القدير للمناوي الجزء الخامس. حرف اللام. رقم: 7570)














تنزيل المحاضرة