اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً
اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً

2004-01-23

1- مقام العبودية لله:
يقول الله عز وجل: (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) (النساء: من الآية36).
آية واحدة من القرآن العظيم يمكن أن تصلح الإنسان والعائلة والبلد والعالم كله. فالعبودية تقضي بأن لا يتصرف العبد إلا بإذن سيده، لا يخرج من البيت إلا بإذنه، ولا يعمد إلى السوق إلا بإذنه.. فيا ترى هل أنت عبد الله ؟ اللهم حقق لنا مقام العبودية. بهذه العبودية التي شرف بها أصحاب رسول الله، وببركة إيمانهم وصحبتهم ومحبتهم الصادقة لرسول الله جعلهم الله عز وجل أسياد العالم. فانظر في نفسك، هل أنت عبد الله، أم عبد الشيطان؟ إذا كنت عبداً لله فالسيد متكفل بأمور عبده بلباسه وطعامه وشرابه ومسكنه، وإذا اعتدى عليه أحد فلا يسكت السيد على ذلك الاعتداء.. ولكن قد تكون عبده، ولكنك تعبد معه إلهاً آخر (أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ) (الفرقان: من الآية43).
إذا كنت عبداً لله وغضبت، فالواجب أن تفعل ما يحبه الله (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظ) (آل عمران: من الآية134)، ولكن قد تكتم غيظك وتنوي نية سوء! ولذلك قال: (وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ) (آل عمران: من الآية134) ثم قال:
(وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (آل عمران: من الآية134).

2. يا مرحباً بلقاء الله :
القرآن العظيم (لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ) (الواقعة:79). الذين تطهرت قلوبهم من ظلمات الغفلات عن الله عز وجل، ومن ظلمات المعاصي، فتنساق نفوسهم وأرواحهم إلى صراط الله المستقيم، لا يغضب أحدهم إلا لله، ولا يحب إلا في الله، يخرج من بيته طالباً رضاء الله، وهكذا طيلة حياته.
فإذا جاء لهذا المؤمن البريد من السماء، بأنّ السفر في اليوم الفلاني والساعة الفلانية، فما أحلى الخروج من الدنيا لهذا المؤمن؛ لأنّ الله قال:
(إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا) (فصلت: من الآية30).
ما أحلى هذه الساعة! وأنت في سكرات الموت تأتيك ملائكة الموت؛ لتقول لك: لا تخف مما يستقبلك بعد الموت، ولا تحزن على ما تفارق؛ لأنّ أمامك ما هو أفضل
(وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ) (فصلت: من الآية30) وهذا في جنة البرزخ:
(نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُون* نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيم* وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ) (فصلت 30)
حياته وفكره دائماً في الدعوة إلى الله...
إخواني و أحبابي: لا الحياة تبقى، ولا الشباب يدوم، ولا الغنى كذلك. هذا المال، هل تأخذه معك؟ و إذا أخذته إلى القبر، هل تستطيع أن ترشي منكر و نكير؟.
إخوتي و أخواتي: هذا كلام الله عز وجل، هذه نصائح الله عز وجل، هو –سبحانه- أحنّ عليك من أمك التي ليس لها غيرك، ومن والدك الذي لم ينجب أولاداً خمس عشرة أو عشرين سنة ثم أنجب ولدا،فما مقدار محبته لولده؟ إنّ الله يحب الإنسان أكثر من محبة هذا الوالد لولده.. لكنّ المشكلة عندما يصير هذا الولد عاقاً، يُغضب والده، ويزعجه!! فنسأل الله عز وجل أن يوقفنا إلى ما يحب ويرضى، وأن يجعلنا من الذين يفقهون القرآن
(الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ) (الزمر: من الآية18).

3. الصدق مع الله:
(وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ) (آل عمران: من الآية133) سارعوا إلى الأعمال الصالحة، إلى التوبة الصادقة؛ حتى يغفر الله لكم.
(وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى) (طـه:82).
(وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ) (لأعراف: من الآية156) إنّ رحمة الله ليست رخيصة، ومغفرة الله لا تقدم من غير مقابل.. لكنّ كرم الله عز وجل واسع… تزرع حبة قمح في الأرض، ينبتها لك سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة، تزرع بزرة المشمش، فتصبح شجرة، هذا عطاء الله، وهذه هي نتيجة الصدق مع الله.
يذكر أنّ رجلاً أراد الذهاب إلى صلاة الجمعة، وكان الجو ماطراً بل مثلجاً، ولا يوجد في بيته خبز، وكان عليه أن يحضر طحنته من الطاحون، فحدث نفسه قائلاً: أأذهب إلى المسجد أم إلى الطاحون لأحضر طحنتنا؟ ثم إنه آثر رضاء الله، وذهب لصلاة الجمعة… وحين هم بالذهاب أمسكته زوجته وقالت له:كيف تذهب، والأولاد جائعون، ولا يوجد طحين في البيت؟ قال لها: الله يتكفل بذلك، ولابد أن أجيب نداء الله. قالت له: إذاً لن أفتح لك الباب عندما تعود.. وبعد انتهاء الصلاة عاد إلى بيته، وقرع الباب، فما هي إلاّ أن فتحت زوجته الباب، واستقبلته بكل فرح وترحاب!! قال لها مستغرباً: خيراً إن شاء الله، ما الذي حصل؟ قالت له: حين ذهبت إلى صلاة الجمعة، ذهب جارنا ليحضر طحنته، فأحضر طحنتنا بالخطأ… اللهم ارزقنا اليقين بالله.

4. المسلمون بين الماضي والحاضر:
المسلمون الآن في حالة يرثى لها.. لو كنت في العراق و هدمت دارك، وقتل أطفالك، وفقدت زوجتك ومالك، وبقيت في العراء، ماذا تفعل؟ إخواننا في فلسطين كذلك، ونحن الآن مهددون -كلكم يعلم ذلك- فينبغي علينا أن نتوب إلى الله عز وجل جميعاً توبة صادقة في أنفسنا، وأن نعمل كلّ ما يطلبه الله منا، وأن نعمل على إصلاح أنفسنا، وإصلاح أولادنا وأزواجنا.. الجار مع جاره، و الصديق مع صديقه… حتى نأخذ لقب الدكتوراه الإلهية، وهي العبودية لله تعالى.
ماذا كان العرب قبل سيدنا محمد صلى الله عليه و سلم؟ ماذا كان سيدنا محمد قبل النبوة؟ كان رجلاً من قريش. و لكن لما أراد الله عز وجل أن يختاره، رسم له خريطة الطريق، وأدخله في مدرسته، في غار حراء بعيداً عن الناس، حتى كان كفار قريش يقولون: إنّ محمداً قد عشق ربه. إذا صرت عاشقاً لله محباً له، عندئذ تصبح محبوباً عند الله، فإذا صرت كذلك، فإنّ الله يذكرك في عالم السماوات.. وحاشى لله عز وجل أن يخذل من يصدقه…
لقد تحمّل أصحاب رسول الله من البلاء و العذاب الشيء الكثير… ولكنهم صبروا. فماذا كانت النتيجة؟ كانوا قلة فكثّرهم الله عز وجل، وأذلة فأعزهم الله عز وجل، وفقراء فأغناهم الله عز وجل.
كانوا رعاة جمال قبل نهضتهم وبعدها ملؤوا الأكوان تمدينا
والآن: ما هو حال العرب والمسلمين؟ لقد قال الله عن اليهود:
(ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ....... وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ) (آل عمران: من الآية112) ولكنهم نزعوا ثوبهم، وألبسوه للعرب في فلسطين.. وكلكم تسمعون ما يحل بالمسلمين! هذا عار على كل مسلم في مشارق الأرض ومغاربها.

5. واجب الدعوة إلى الله:
على العلماء أن يقوموا بواجبهم في الدعوة إلى الله، وعلى كل مسلم أن يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، ويصدق الله عز وجل، (إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ) (محمد: من الآية7)، وعلى كل واحد منا أن يعتبر نفسه مسؤولاً بحدود ما يملك من طاقة، ولا بدمن التوبة الصادقة لنا جميعاً…
الملك إذا اجتمع مع الملوك فعليه أن يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، والتاجر مع التجار… وهكذا إذا تناصحنا ونفّذنا أوامر الله عز وجل في كل موطن ومع كل إنسان وبحسب خريطة الله عز وجل خريطة الطريق - عند ذلك يكون الله معنا (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ) (البقرة: من الآية152).
لا تغتروا بهذه الحياة، أنا شخصياً في شبابي كنت أسبح في نهر (يزيد) في أشهر الشتاء! هل تستطيعون أنتم الشباب ذلك؟ وكنت أخرج من دار القرآن إلى رأس الجبل بثلاث عشرة دقيقة، وأنزل من رأس الجبل إلى دار القرآن بخمس دقائق! والآن أنا معكم، وما أدري لعله يأتي النداء الإلهي و الأمر الرباني للروح بأن تخلع ثوب هذا الجسد، الذي بلي وعتق.
الله يعلم يا أبنائي كم أتحمل من المشقة في لباسي و في ركوبي السيارة لما آتي إليكم.. ! حتى راودتني نفسي هذا اليوم عند الفجر بأن لا أنزل إلى المسجد، وتعلمون كيف كان الجو.. وكيف هو وضع سني وجسمي وصحتي.. لكن قلت في نفسي: سأنزل ولو كان الثلج إلى الصدر، والثواب على قدر المشقة.. والله ما فكرت بالثواب، ولكن فكرت بالواجب! و ها قد نزلت فما الذي جرى؟
الحمد لله يا إخواني، لقد أكرمنا الله عز وجل بالجامع وقد دُفّئ، والراحة مؤمنة، والوسائل ميسرة، وأسأل الله عز وجل أن يتممها معي ومعكم، فلا نخرج من الجامع إلا وقد غفر لنا، وكتب لنا بكل خطوة إلى المسجد حسنة، ومحا عنا سيئة، ورفعنا بها درجة.

اللهم اجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه
وصلى الله و سلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم














تنزيل القسم الأول


تنزيل القسم الثاني


تنزيل كلمة الضيف