أخوة الأديان وتلاقيها
أخوة الأديان وتلاقيها

2004-03-05

1. وحدة الأديان:
يقول الله تعالى:
(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) (البقرة:62).
لقد بين القرآن هذه الحقائق لهاتين الآيتين وأمثالهما، مما لو عملت به أمم العالم لتوحد العالم كله تحت راية الوحدة العالمية الإنسانية القرآنية الربانية، ولكن وبفضل الله عز وجل استيقظت في عالم الغرب بعض القلوب، وصارت تبحث عن الحقيقة، ومن يبحث عن الحقيقة صادقاً يوصله الله إليها. وأنا متفائل -كما ذكرت لكم سابقاً- بأنّ الأخوة الإنسانية ستتحقق، ولكن في ظلال هدي الله عز وجل، وهدي أنبيائه، الذين قال الله لهم:
(قُولُوا -أيها الناس جميعاً مسلمين ومسيحيين ويهود وصابئين- آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاط -وهم قبائل اليهود الذين يعملون بالتوراة- وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) (البقرة: من الآية136). أي مستجيبون طائعون منقادون خاضعون.. فهذه الآية الواحدة لو عملت بها شعوب الأرض؛ لتحققت الأخوة الإنسانية.

2. اكتشاف إنجيل برنابا:
قال تعالى: (إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى) (الليل:12).
أي عليّ واجب نحوكم أيها البشر، أن أهديكم الصراط المستقيم. فهل أدى الله واجبه؟
لقد أنزل التوراة من قبل على موسى وكانت خاصة لبني إسرائيل، ثم أنزل الإنجيل خاصة كذلك لبني إسرائيل، لمن كفر بما أنزل على موسى.. ولكن أبى المتعصبون إلا أن يبقوا على تقاليدهم، التي حرّفوها من شريعة موسى، فحاولوا قتله وصلبه.. وعلى قول الكنيسة أنهم قتلوه وصلبوه، ولكنّ القرآن قال:
(وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ) (النساء: من الآية157) وبقي هذا الأمر غيبياً إلى أن جاء القرن الثامن عشر الميلادي، حيث اكتشف إنجيل (برنابا)، وفيه البشارة بسيدنا محمد، والإعلان بوحدانية الله عز وجل -لا إله إلا الله محمد رسول الله- وقد قرأت في مقدمته بالعربية، بأنّ النسخة الأولى من إنجيل (برنابا) اكتشفت عن طريق راهب من ألمانيا كان ضيفاً عند البابا، وفي وقت راحة البابا، دخل الراهب مكتبة البابا، فكان أول كتاب استلمه من المكتبة، هو إنجيل (برنابا)، فقرأ فيه، وإذا فيه البشارة بمحمد، فتحير في أمره، فما كان منه إلا أن وضعه داخل ثيابه، ثم استأذن البابا بالذهاب، ورجع إلى بلده، ولما قرأه كانت النتيجة أنه أسلم. وبعد ذلك ظهرت نسخة أخرى في إسبانيا مكتوبة على الجلد؛ لأنها قديمة، وكلا النسختين محفوظتان، إحداهما في مكتبة فينا والثانية في إسبانيا. وهذا إن دلّ على شيء فإنما يدل على صدق نبوة محمد من جهة، وأنّ الأديان مصدرها واحد، ولا يمكن لكلام الله أن يناقض بعضه بعضاً، فما أنزله الله على موسى لا يناقض ما أنزله على عيسى، وما أنزله على موسى لا يناقض ما أنزله على محمد.. لذلك قال الله:
(فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) (البقرة:137).
أي إذا آمن العرب واليهود والنصارى بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا، وإن تولوا، وعارضوك، وحاربوك
(فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ* صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ) (البقرة:138).
فهذا الدين صبغة إلهية لا تتغير. ثم قال الله عز وجل بعد ذلك لليهود الذين كانوا يحاربون النبي (ص)، ويعارضون دعوته، قال:
(قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ-لا يوجد اختلاف على الأصول- وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ) (البقرة: من الآية139). وقال أيضاً:
(أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ) (آل عمران:83).

3. حاجة الإنسان لتعاليم الله:
أيها الأخوة والأحبة: ما لم يرجع الإنسان إلى دستور الله عز وجل، إلى تعاليم الله الذي هو ربّ المسلمين والنصارى واليهود، وربّ الأبيض والأسود، وربّ كل من على وجه الأرض - فلن تتحقق الأخوة الإنسانية.
لقد أرسل الله لكل شعب نبياً، كما يقول القرآن:
(وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيهَا نَذِيرٌ) (فاطر: من الآية 24). فالله عز وجل لم يقصر في حق أمة من الأمم، وتعاليمه كلها تدور حول إسعاد الإنسان، فمن استجاب لله استجاب الله له، ومن نصر دين الله عز وجل وقبل نصيحته، سعد في الدنيا والآخرة.
لما أرسل الله إلى العرب سيدنا محمد -صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله- كانوا عبدة أصنام وأوثان وأحجار، فدعاهم إلى وحدانية الله والإيمان بكل أنبياء الله وإلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال، ولكن كما يقولون: ترك المألوف أشد من ضرب السيوف، فنسأل الله عز وجل التوفيق. يقول بعض الشعراء :
علم العليم وعقل العاقل اختلفا من ذا الذي منهما قد أحرز الشرفا
فالعلم قال أنا أحرزت غايتـه والعقل قال أنا الرحمن بي عرفا
فأفصح العلم إفصاحاً وقال له بأيّنا الله في قرآنـه اتصفا
فبان للعقل أنّ العلم سيدُه فقبّل العقل رأس العلم وانصرفـا
ناداهما التوفيق أن اسمعا وقفـا لولا وجودي لكان الكل منحرفـا
قال العلماء: لندرة التوفيق لم يذكر في القرآن إلاّ مرتين، مرة في قوله تعالى:
(وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ) (هود: من الآية88)، ومرة أخرى في قوله:
(إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَاناً وَتَوْفِيقاً) (النساء: من الآية62).
فاسألوا الله عز وجل التوفيق؛ لأنه هو الذي يسوق الإنسان. وهذا لا يعني أن تترك عقلك وتفكيرك في الأمور، فقد أكثر القرآن من ذكر التفكر، من مثل قوله تعالى:
(لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) (الأعراف: من الآية176)، والنبي -عليه الصلاة والسلام- كان يقول:
"تفكر ساعة خير من عبادة سنة أو ستين سنة" (1).

4. واجب الدعوة إلى الله :
القرآن رسالة الله -عز وجل- ومدرسته، ولكنّ المسلمون لا يقرؤنه ليفهموه، وإذا فهموه قلّ من يعمل به.. أما المسلمون الأول -رضوان الله عليهم- وهم أميون قرؤوه فهماً، وهضموه علماً وعملاً وصدقاً وإخلاصاً، صار أبو بكر التاجر، وعمر الدلال في سوق الأغنام والإبل، وغيرهم… صاروا زعماء العالم.. فتحوا بلاد الشام، وبلاد العراق، ونشروا الإسلام في الشرق والغرب، ووصلت جيوشهم إلى الصين… وهكذا انتشر الإسلام. والآن إن شاء الله وبحول الله، ستعود رحمة الله عز وجل للعالم، وسيتعرفون على الإسلام، وقد بلغني أنّ بعض المسلمين في أمريكا الآن قاموا بعمل إذاعة تلفزيونية، تعرض سيرة سيدنا محمد
(لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) (التوبة: من الآية33). ولكن على كل واحد منا أن يقوم بواجب الدعوة إلى الله في جيرانه وفي كل من يلقاه، فإذا صدقت الله عز وجل صدقك. وبفضل الله وكرمه، ظهر الإسلام جلياً في دمشق وبلاد الشام عملاً ومظهراً وسلوكاً… ولو سجدنا على الجمر شكراً لله لكنا مقصرين.. ومع كل ذلك نطلب من الله المزيد. والله لو استطعت أن لا أنام في الليل لحظة واحدة إلا وأنا أعمل لما قصرت، ولكن حتى في النوم أرى نفسي أعمل، فالله عز وجل يبدلني بدل العمل بالجسد العمل بالروح في عالم الروح.. فترة أجد نفسي في أوربا، وتارة في أمريكا، وهذا من فضل الله عز وجل. وأبشروا وأبشروا وأبشروا… ولكن اعملوا واعملوا واعملوا، وإن شاء الله سيتحقق السلام والأخوة، وتنتهي الحروب.
فعليكم -أيها الأخوة أيها الأحبة- بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الله عز وجل، وطلب العلم، وتعليم الناس ما تتعلمتمونه؛ فهذه فريضة مثل الصلوات الخمس، ومثل صيام رمضان، ومثل الحج. فأسأل الله عز وجل أن يرزقنا امتثال أوامره واجتناب نواهيه، وأداء فرائضه واجتناب محارمه، وأن يجعلنا هادين مهديين، ولا يجعلنا ضالين ولا مضلين، وأن يبيض وجوهنا
(يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ* وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) (آل عمران:107).

5. حرب صليبية يهودية :
لقد أعلنها بوش حرباً صليبية، بل هي حرب صليبية يهودية، من كل الدول الأوربية: فرنسا وإنكلترا وألمانيا وبلجيكا وكندا وهولندا… ومعهم أيضاً جيش إسرائيل، وهذا من معجزات سيدنا رسول الله، حيث يقول:
"يوشك الأمم أن تداعى عليكم -يعني تتنادى وتتآمر وتتحد عليكم- كما تداعى الأكلة إلى قصعتها -كما ينادون بعضهم بعضاً إلى الطعام". فقال قائل: ومن قِلّةٍ نحن يومئذٍ؟. قال: "بل أنتم يومئذٍ كثيرٌ، ولكنكم غثاءٌ كغثاء السيل، ولينزعنَّ الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفنَّ الله في قلوبكم الوهن". فقال قائل: يا رسول اللّه، وما الوهن؟. قال: "حبُّ الدنيا وكراهية الموت" (2).


اللهم اجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه،
اللهم اغفر لنا وارحمنا ولوالدينا ولمشايخنا وللمسلمين أجمعين
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه
والحمد لله رب العالمين

1- [أخرجه أبو الشيخ في كتاب العظمة من حديث أبي هريرة بلفظ (ستين سنة) بإسناد ضعيف، ورواه أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس من حديث أنس بلفظ (ثمانين سنة) وإسناده ضعيف جدًا، ورواه أبو الشيخ أيضاً من قول ابن عباس بلفظ: (خير من قيام ليلة)].‏ انظر تخريج أحاديث الإحياء، للحافظ العراقي المجلد الرابع. كتاب الفكر. الحديث رقم: (1)
2- أخرجه الإمام أحمد، وأبو داود في كتاب الملاحم باب في تداعى الأمم على الإسلام رقم (4276).














تنزيل القسم الأول


تنزيل القسم الثاني