الدعوة و التزكية
الدعوة و التزكية

2002-08-23

1- جهاد الدعوة:
بسم الله الرحمن الرحيم و أفضل الصلاة و أتم التسليم على سيدنا محمد و على آله و صحبه أجمعين وبعد:
أعتذر لكم اليوم بسبب تأخري بسبب عارض صحي, هذه الليلة لم أنم من الليلة كلها إلا قليلا, ولو أطعت الأطباء لكان الأفضل لي صحيا أن لا آتي, ولكن الدعوة إلى الله واجب و جهاد فالله تعالى يقول:
(وجاهدهم به جهادا كبيرا) [الفرقان52]: جاهدهم بالقرآن أي جهاد الدعوة, هذا الجهاد مع عميق الأسف مهمل من قبل بعض المسلمين, فيما مضى تمزق المسلمون تحت عنوان المذاهب و التعصب المذهبي مع أن هذا لم يكن في زمن الرسول أو عهد الأئمة الذين كان كل واحد منهم يقول إذا صح الحديث فهو مذهبي, وهذا التعصب قد زال في يومنا هذا و الحمد لله, أما الآن فهناك بعض التقصير في مجال الدعوة.
وعلى الرغم مما فيه الأمة الآن فأنا متفائل بأن هذا الإسلام سيبلغ إلى حيث أخبر النبي عليه الصلاة و السلام أي أنه سيصل "إلى ما بلغ الليل و النهار".
صحابة رسول الله كانوا أميين, ولكن بمدة قصيرة جعلوا عالي الاستعمار سافله, فإذا بفارس و الرومان بين ليلة و ضحاها كأن لم يكونا شيئا مذكورا, و الآن في يومنا هذا إذا توفرت الدعوة إلى الله عز وجل و التي هي واجب كل مسلم فإن التاريخ سيعيد نفسه.

2- الدعوة إلى الله تكون بالحكمة و الموعظة الحسنة:
و لكن ينبغي أن تكون حسب قول الله تعالى بالحكمة, و الموعظة الحسنة, و الحكمة: وهي قول و فعل ما ينبغي في الوقت الذي ينبغي, على الشكل الذي ينبغي, و بوجود الدعاة و الداعيات الأكفاء, وقد توفر هذا الآن و الحمد لله فهناك الكثير من الخريجين و الخريجات من مجمع أبي النور في جميع أنحاء العالم, و بهذه الدعوة لن يتحقق السلام فقط بل التعاون و التعاضد حتى يصبح العالم كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.
و العالم بخير و التعصب المذهبي قد زال و الحمد لله ولكن الأزمة هي فقد الداعي الحكيم.

3- آتى الله الأنبياء الحكمة و الحكمة:
(وكلأ ءاتينا حكماً و علماً) [الأنبياء79]
فإن مهمة الأنبياء و النبي (ص) هي نشر العلم و الحكمة.
بحسب بعض التفاسير (حكما) تعني الحكمة و ليس الحكم لأن بعض الأنبياء لم يكن لديهم حكم.
(وعلماً): أي علم الكتاب, والله عز و جل وصف الكتاب بأنه حكيم في قوله:( يس و القرآن الحكيم) [يس1]، فكأن الله عز وجل قد ذكر الحكمة مرتين، (أي: وكلا آتينا حكمة و حكمة), أما المسلمون فمستعمرون من قبل الصليبيين في معظم أنحاء العالم الإسلامي هذا هو الواقع, اليهود سميناهم شذّاذ الآفاق ولكنهم جعلونا شذّاذ الآفاق, و قال الله عنهم: (وضربت عليهم الذلة و المسكنة) [البقرة61]، ولكن الدول العربية هي التي ضربت عليها الذلة و المسكنة فهل هذا يعني أننا فقهنا الحكمة؟
ولكن ينبغي أن لا نيأس, إذا وجد من يدعو إلى الله كما أمر القرآن بالحكمة و الموعظة الحسنة، فإن القلوب ستستجيب, و يجب أن يكون كل واحدٍ منكم داعيا إلى الله و كما أمر تعالى:
(ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة) [النحل 125]
مع جميع الناس و خاصة مع من ولاّه الله أمور المسلمين، وقد انتشرت الدعوة بفضل الله عز و جل في بلدنا, وكلكم تعلمون أنه قبل 20 سنة كان عدم ارتداء الحجاب في دمشق واضحاً أما الآن فقد صار الحجاب هو الغالب فهل حدث هذا صدفة؟
بفضل الله و بكرم الله الداعيات إلى الله الآن بالعشرات و لكن ليس كل من طبخ يُؤكل طعامه، فإذا لم يكن الطباخ يحسن الطبخ فلن يتناول أحد طعامه و إذا كان من يقدم الإسلام لا يحسن التقديم فنتائج عمله ستأتي عكسية.
(إن إبراهيم كان أمةً) [النحل120]، على كل مسلم أن يكون أمةً أي أن يهدي به الله أمة.
(ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير و يأمرون بالمعروف و ينهون عن المنكر و أولئك هم المفلحون). [آل عمران104]
المعروف سمي كذلك لأنه هو ما تعرفه و تفهمه وتقبله فطرة ونفس من تُكلمه.
الدولة الإسلامية كانت الدولة الأولى التي اعتنت بحقوق الإنسان.
"الإنسان أخو الإنسان أحب أم كره"
" لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه".
فهل أمريكا اليوم التي تدعي حقوق الأنسان إلا وحش, لا ترى شعوب غيرها إلا مأكلة لها كالأرانب, في حين لو وجد الدعاة الأكفاء, الذين يحسنون تقديم الإسلام للغرب, لتحقق السلام بين الشرق و الغرب. وقد ذهبت عدة مرات إلى الولايات المتحدة للمحاضرة في جامعاتها وقد وجدت هناك كل التجاوب و التفهم.

4- بعد أن يصير الأنسان عالما و عاملا و مخلصا هناك مرتبة رابعة بعد الخطر العظيم:
وكل واحد منكم إذا صدق الله عز و جل فسيخرج منه خير كثير و سيجعل الله له في قلبه إيمانا؛ً و الإيمان لا يؤتي ثماره إذا لم يثمر العمل الصالح مع الإخلاص, وحتى العلم والعمل الصالح مع الإخلاص قد أخبر النبي عنه في الحديث بأن المخلصين على خطر عظيم فالمرتبة الرابعة في الحديث تقول:
"و المخلصون على خطر عظيم".
"الناس هلكى إلا العالمين, و العالمون هلكى إلا العاملين, و العاملون هلكى إلا المخلصين, و المخلصون على خطر عظيم"
لذلك بعد أن يصبح الإنسان مخلِصا يجب أن يصير مخلَصا.
(إنه من عبادنا المُخلَصين) [يوسف42]: أي المصطَفَين, إذا استخلصك الله و اصطفاك لتُبلِّغ كلامه بإذن منه عز و جل.


5- العالم قرية صغيرة بفضل وسائل الإتصال و أفضل وسائل الإتصال أخلاق المسلم:
و العالم صار اليوم قريةً صغيرةً بفضل وسائل الإتصال, فأي دولة إسلاميةيتهيأ فيها الدعاة الأكفاء و وسائل الاتصال، تستطيع أن تنشر السلام في كل العالم, و أفضل وسائل الاتصال أخلاق المسلم و أعمال المسلم, فالمسلم الأول كان كل من يراه يرى القرآن مجسدا فيه.
قال تعالى: (و قال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا) [الفرقان30]
الآن القرآن مهجور لم يهجر الناس كلماته بل طبعوها على أحسن الورق مع أن كتابة القرآن في زمن رسول الله (ص) كانت على ورق الجريد أو على العظام، و لكن كل واحد من الصحابة الكرام كان قرآناً يمشي على الأرض, اتخذوا القرآن مهجورا أي هجروا فهم معانيه و العمل بها, و التخلق بأخلاقها.
وقد أخبرتكم أنني عندما كنت في إندونيسيا أخبروني أن الإسلام قد دخل إليهم عن طريق تاجر أتاهم من جنوب اليمن و لكنه كان قرأنا يمشي على وجه الأرض فأسلمت كل جاكرتا على يديه، الآن المسلمون مليار و ثلاثمائة ألف ولكن الذباب أكثر عددا منهم فالعدد ليس بالشيء المهم.
وإذا وجدت محطة فضائية تنشر تعاليم الله بالغات الحية, ويقوم عليها حكماء العلماء, فهذه خيرٌ للإنسانية من هيئة الأمم و مجلس الأمن و هذا القرن هو قرن الإســــلام.
(و إن تتولوا يستبدل قوماً غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم)محمد38.

6- كون الإسلام رحمة للعالمين دليل على أنه سيصل إلى كل العالم:
عندما يقول الله (و ما أرسلناك إلا رحمةً) هل هذه الرحمة للعرب؟ ( للعالمين) [الأنبياء107]، مما يعني أنه ولابد أن تتحقق هذه الرحمة للعالمين و ينتشر الإسلام و لكن هل يتحقق هذا بلا أسباب؟ (وءاتيناه من كل شيء سبباً *فأتبع سببا) [الكهف85]: لابد من العمل و اتخاذ الأسباب, كي يتحقق وعد رسول الله.
مرة اجتمع مسلمون و أهل كتاب و اختلفوا في من يدخل الجنة فأنزل الله:
(ليس بأمانيكم و لا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءا يـجـز به) [النساء123]
ليس بالأماني ستدخلون الجنة, بل بالعمل.
(ليظهره على الدين كله) [التوبة33] ، هذا وعد الله الحق و لكن هل يظهره بلا رجال؟ بلا دعاة؟ والدعوة لا تكون بالشهادات الجامعية فقط . لأن الداعي يجب أن يـتـخـرج من مدرسة تعليم الكتاب و الحكمة و تزكية النفوس و هل بلغ أصحاب رسول الله (ص) ما بلغوه إلا بالمعلم و القرآن...

7- لماذا بدأ نزول القرآن بإقرأ و انتهى بإذا جاء نصر الله و الفتح:
الذي بدأ بـ(أقرأ) و انتهى بـ(إذا جاء نصر الله) فهل فهمنا لماذا أول ما أنزل من القرآن (اقرأ) و آخر ما نزل (إذا جاء نصر الله و الفتح)؟
هذا يعني أننا إذا بدأنا بالقرآن علماً و عملا و فهماً, فإن النصر سـيأتي من الله, أي أن ما كان أوله علما و فهما كان آخره نصرا و فتحا.

8- الداعي إلى الله يجب أن يتخرج من مدرسة: (يعلمهم الكتاب و الحكمة و يزكيهم)البقرة 129:
الداعي إلى الله يجب أن يتخرج من مدرسة (يعلمهم الكتاب و الحكمة و يزكيهم)
(و يزكيهم): كان بعض من وهبهم الله قوة التزكية يقول:
أنا صيرفي الأولياء وحدي أحك الأولياء على محكي
فمنهم بهرج لا خير فيه و منهم من أزكيه و مثلي من يزكي
إذا وجد الزهر تكاثر عليه النحل و إذا وجدت المزابل تكاثر عليها الذباب
"تفكر ساعة خيرٌ من عبادة ستين سنة"
(إن في خلق السماوات و الأرض و اختلاف الليل و النهار لآيات) [آل عمران190]، أي علامات تدل الإنسان على وجود الله, العالم الغربي يتفكر في خلق السماوات و الأرض لذلك وصل إنسانه إلى القمر مع أنه مادياً لم يستفد من هذا الأمر إلا أنه أتى ببعض أحجار من القمر, أما المسلمون فلم يبحثوا أو يتفكروا في خلق السماوات و الأرض.
والناس بحلم جهالتهم فإذا ماتوا ذهب الحلم.
أهواء نفوسهم عبدوا والنفس لعابدهاصنم.
(أفرأيت من اتخذ إلهه هواه) [الجاثية23]
تقول في الصلاة في القعود الأخير (التحيات لله)، تسلم على الله، فكأنك تقول لله جل جلاله: "أنا أنهيت الصلاة فهل تأذن لي بالخروج منها؟"
ثم تقول: "أشهد أن لا إله إلا الله"، فلربما يجيبك الله: (يا كذاب أنت إلهك هواك)!
فليفحص الإنسان نفسه، هل تتخذ إلهك هواك.
فهل خريج الجامعات الشرعية يعلم الكتاب و الحكمة و يزكي النفوس؟

9- (يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا).الأحزاب41:
(أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه)، و بأي شيء ينشرح صدره؟
بذكر الله (فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله) [الزمر22]
(يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكراً كثيرا).
الفحم الذي لونه أسود ولا حرارة فيه إذا به بجمرة مشتعلة واحدة ينقلب نارا.
"و المرء على دين خليله", تفعل ما يفعل, و تبغض ما يبغض, و تتخلل محبته بكل أحاسيسك (فالينظر أحدكم من يخالل) .
أول الشفاء للمريض أن يعرف مرضه، و لو كان مصاباً بكل الأمراض والخطر أن يهمل المريض مرضه.
(و ننزل من القرآن ما هو شفاء و رحمةً للمؤمنين) [الإسراء82]
(و اعلموا أن الله يحول بين المرء و قلبه): و بعد ذلك
(و أنه إليه تحشرون) [الأنفال24]
هل نتعامل مع هذا الكلام بجدية؟
(و رحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون, و يؤتون الزكاة) [الأعراف156]
و التقوى تأتي أيضا بمجاهدة النفس فإذا كنت مريضاً يأتيك الطعام بلا نكهة, حساء فقط و لكنك تعرف أن الصحة في هذا الغذاء الذي تكرهه نفسك, ففي مخالفة النفس في هذا الأمر الجسدي تكون الصحة، فما بالك بمخالفة النفس في الأمور الدينية؟
أرجو من الله أن يجعل من كل واحدٍ منكم مدرسةً في أقواله و في أعماله و في كل أحواله و بذلك يعود الإسلام إلى مجده الأول.
اللهم إجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله و صحبه و سلم