نداء القدس
نداء القدس

خطاب مرتجل سماحته الذي ألقاه بمناسبة ذكرى الإسراء والمعراج في حرم المسجد الأقصى المنعقد في القدس الشريف - فلسطين 27 رجب 1385 هـ الموافق لـ20 تشرين الثاني 1966م

1966-11-20

بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم جميعاً ورحمة الله وبركاته.

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد.... لا يخفى على من قرأ تاريخ الإسلام، أن هذه البلدة المقدسة لما أتاها سيدنا عمر لفتحها اعترضته مخاضة من طين، فنزل عن جمله، وأمسك نعليه بيديه، وشمّر عن ساقيه، وخاض الطين، على مرأى من قواد الرومان والمستعمرين. فقال له القائد العام أبو عبيدة: ما هذا يا أمير المؤمنين ؟ والأعداء يروننا، ولمَ هذه الحال ؟! (يعني كلامه أن في عمل عمر هذا توهيناً للإسلام والمسلمين) فجمع عمر يده، ودفعها في صدر أبي عبيدة قائلاً: نحن قوم أعزنا الله بالإسلام، ومهما نرد العزة بغيره يُذلنا الله.

أيها المسلمون: نبكي الآن على فلسطين، وتشرد أبنائها، ومن قبل بكينا على ضياع الأندلس، وتشرد أهله، وقد ضاع منا ما هو أعز من فلسطين، وأعز من الأندلس، لقد ضاع منا الإسلام، ونحن الذين أضعناه، حتى حيل بيننا وبين الإسلام، وعزة الإسلام، وكرامة وانتصارات الإسلام، لقد كان الصليبيون يحاربون المسلمين في الزمن الماضي، أما في عصرنا الحاضر فإنهم يحاربون المسلمين، ويحاربون عقيدة الإسلام، وتربية الإسلام، وأخلاق الإسلام. ويا ليت عدو الإسلام الصليبيون فقط، وإنما اجتمع على الإسلام في هذا العصر الصليبيون والشيوعيون والصهيونية العالمية.

إن المسلمين في بلاد الإسلام أسرى لرسالات الاستعمار، فالمسلمون مستقلون صورة، لكنهم مستعمرون قلباً، وفكراً، وأخلاقاً، وميولاً، وأهواءً.

أيها المسلمون، عرباً وعجماً، إن المسؤولية عن ضياع فلسطين في ساعتنا الحاضرة إنما يتحملها ملوك العرب ورؤساء العرب، ومالم يحملوا رسالة الإسلام معتزين بها، ورافعي الرؤوس بعظمتها، من غير خوف ولا وجل، فليس لفلسطين منا والحال هذه؛ إلا الدموع والآهات، وإلا العويل والحسرات، شأن الأطفال، وشأن النساء النائحات.

لقد كانت بلاد العرب مجزأة بين دول الحبشة والفرس والرومان، فهل الذي حررها العرب أو القومية ؟ لا يا سادة، إن الذي حرر البلاد العربية إنما هو الإسلام، ومن الذي وَحَّد العرب؟ إن الذي وحّدهم إنما هو الإسلام.

فهذا عُمر، عُمر الذي ما ولدت النساء بعد النبي والصديق مثله، والذي عرف قدره الأعداء قبل المسلمين، يقول: "نحن قوم أعزنا الله بالإسلام، ومهما نرد العزة بغيره يذلنا الله".

إن هذا القول لم يقله عمر وحده، بل قاله عثمان، وعلي، وخلفاء بني أمية، والخلفاء العباسيون، وقاله ملوك المماليك، والعثمانيون، بل قاله التاريخ، بل قالته الأرض والسماء.

ولما كان المسلمون؛ ساستهم ورجال دولتهم، لما كانوا يأخذون القرآن بأيمانهم، والإسلام في قلوبهم، ويرفعون رؤوسهم به، كان الله يرفع شأنهم ويعزهم وينصرهم.

فها هو الملك المظفر قطز ( التركي ) الذي أتى من مصر، وجابه جيوش التتر، التي مزقت العالم وطحنت دوله، هذا الملك المظفر قطز التركي هو الذي هزم بالإسلام وبالإسلام وحده، هزم جحافل التتر! وهذا صلاح الدين الكردي وقبله نور الدين التركي لم يصدوا حروب المستعمرين الصليبيين في قرنين عن بلاد العرب بالقومية والجنسية العربية، وإنما صدوا الصليبيين وهزموهم بالإسلام، وبالإسلام وحده.

إن العرب والمسلمين لم يكونوا يقولون في ذلك الوقت ( عربي أو كردي أو تركي )، إنما كانت جنسية العرب والمسلمين جميعاً الإسلام وحده، {أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون}(سورة المائدة: [الآية: 50].).

يا ملوك العرب، يا رؤساء العرب.... إن في أعناقكم ضياع فلسطين، وإن التاريخ سيسجل عليكم ذلك، كما أن ملككم ورئاستكم لا تدوم لكم. وإن أعمالكم لمسجلة عليكم عند الله، وقريباً ستنزلون عن عروشكم إلى نعوشكم، وعن قصوركم إلى قبوركم، وستقفون مكتوفي الأيدي بين يدي جبار السماوات والأرض، وسيسألكم عن ضياع المسجد الأقصى(سماحة الشيخ يخطب من على منبر الأقصى عام 1965م، ويتوقع ضياع المسجد الأقصى.... وقد ضاع الأقصى واحتله الصهاينة عام 1967م.) ، وعن ضعف الإسلام، وعن إهمال العمل بتشريع الإسلام.

يا ملوك العرب، يا رؤساء العرب..... هل سمعتم قول النبي صلى الله عليه وسلم ((الإسلام والسلطان أخوان توأمان، لا يصلح واحد منهما إلا بصاحبه، فالإسلام أس والسلطان حارس، وما لا أس له يهدم، وما لا حارس له ضائع))(رواه الديلمي عن ابن عباس (كنز العمال 6/10 ).)

يا رؤوساء العرب وملوكهم...... إن 700 مليون مسلم ينظرون إليكم نظرة الجندي والجيش إلى قائده، إن شعوب المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها ليتطلعون إليكم، لتقودوهم إلى العزة والتقدم بالإسلام، الإسلام الذي جعل لكم بفضله عشرات الشعوب ومئات الملايين، جعلهم لكم إخوة وأشقاء، يبكون على ضياع فلسطين بالدماء والدموع، ويفدونها بالمهج والأرواح، فيا رؤساء العرب، يا ملوك العرب.... اذكروا أن الحياة فانية، والملك مؤقت، واقتدوا بآبائكم وأجدادكم أبي بكر وعمر.

أيها العرب، إننا نعتز ونفخر، وعندما نرفع الرأس عالياً، فبمن نعتز وبمن نفخر ؟ إننا نقول: فمنا الوليد ومنا الرشيد، فهل تدرون ماذا كان تشريع الوليد ؟ وماذا كان دستور الرشيد ؟ وبماذا كانوا يعتزون ؟ وبأي تشريع كانوا يحكمون ؟ لقد كانوا يحكمون بالقرآن،ويعتزون بالإسلام، فلما أعزوا دين الله أعزهم الله، ولما نصروا الإسلام نصرهم الله، وما نحن وهم إلا كما قال الشاعر:

قد حوى القرآن نوراً وهدى
فعصى القرآن من لا يعقل

قل لقــوم نبذوا أحكــامــه
ما لكــم مما نبــذتم بــدل

فاسألوا التاريخ عـن قرآنكم
يوم ضاءت بسناه السبــل

فكأن الكــــون أفق أنتـــم
فيه بدر كامل لا يــأفــل

وكأن الكون فيكم روضـة
وعلـى الأغصان أنتم بلبل


أيها المسلمون...... لا تقنطوا، وأبشروا، إن نبيكم صلى الله عليه وسلم يقول: ((خير هذه الأمة أولها وآخرها، وبين ذلك نهجٌ أعوج ليسوا منك ولستَ منهم))(أبو نعيم في الحلية ( كنز العمال 11/527 ).).

أيها العرب...... إن تتولّوا عن الإسلام فإن الله يقول: {وإن تتولّوا يستبدل قوماً غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم}(سورة محمد: [ الآية: 38 ]. ).

فيا رؤساء العرب وملوكهم..... ما هو الإسلام ؟ الإسلام دين العلم والثقافة والمعرفة، دين الجهاد والتضحية، الإسلام دين الصناعة والزراعة والعلوم، الإسلام دين الأخلاق، والتربية، والعقيدة، والإيمان، الإسلام دين الوحدة، والاتحاد، والتعاون على البر والتقوى.

فأسأل الله العظيم ببركة هذه الليلة المباركة(ليلة الإسراء والمعراج. ) أن يلهم رؤساءنا وملوكنا أن يتقوا الله في دينهم، أن يتقوا الله في إسلامهم، وأن يفكروا ليكونوا خلفاء أبي بكر وعمر، ونواب نور الدين وصلاح الدين، وإني لعلى يقين بأنه عندما يرى الصهاينة رجوع المسلمين إلى إسلامهم؛ علماً، وعملاً، وفهماً، وتنفيذاً، فإنهم سينسحبون من فلسطين لأنهم يعرفون ما هو الإسلام، وأخلاق الإسلام، وما هي تلكم الأخلاق.

وختاماً، قولوا آمين: اللهم ببركة هذه الليلة الكريمة، وببركة مسرى رسول الله ومعراجه، أسألك يا الله! أن ترد المسلمين جميعاً إلى صراطك رداً جميلاً، أسأل الله العظيم ربّ العرش الكريم أن يلهم ملوك المسلمين والعرب أن يكونوا مسلمين في حكمهم، وملكهم، ودولتهم.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته