نداء للعالمين الإسلامي والمسيحي من أجل القدس
نداء للعالمين الإسلامي والمسيحي من أجل القدس

كلمة سماحته التي ألقاها في المؤتمر الإسلامي المسيحي الخـــاص بمــدينــة القـــدس والمنعقد في بـيـروت خلال الفترة من 14 - 16/6/1996م

1996-06-16

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، رب السماوات والأراضين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى أبيه سيدنا إبراهيم، وعلى أخويه سيدنا موسى وعيسى، وعلى جميع إخوانهم من الأنبياء والمرسلين وآل كل، وصحب كل أجمعين. وبعد:

فإنني أشكر الله تعالى الذي جمعنا في هذا اللقاء، وألهمنا السعي لخدمة المدينة المقدسة، وقضايانا المصيرية، كما أشكر مجلس كنائس الشرق الأوسط الذي بادر إلى هذا اللقاء، وهو المجلس الذي عودنا اتخاذَ المواقف الشجاعة تجاه قضايا الأمة العربية، وخاصة قضية المدينة المقدسة.

وأستهل كلمتي بمواقف الأطراف المختلفة تجاه قضية القدس، ثم أختمها بالمقترحات والتوصيات.

1- موقف المسلمين من قضية القدس:

بـدايــة، عندما نتحدث عن القدس وقضيتها، فماذا نقصد وماذا تعني لنا هذه القضية ؟

هل تعني المسجد الأقصى، وقبة الصخرة، وباقي المقدسات الإسلامية والمسيحية واليهودية ؟

أم أنها تعني لنا قضية الأمة ومصيرها ومستقبلها وأجيالها؟

إنها تعني كل ذلك، إنها قضية شاملة، ترمز إلى حقيقة الإيمان بالله تعالى و رسالاته كلها، وإلى تسلسل الرسل والأنبياء جميعهم، وإلى مسؤوليتنا بجعلها مدينة مفتوحة للعبادة، وكونها عاصمة الدولة العربية الفلسطينية المرتقبة.

إنها مدينة عربية مباركة قبل هجرة سيدنا إبراهيم إليها، فكم جاء في التوراة فإن نبي الله إبراهيم حينما جاء إلى مدينة القدس كان يحكمها رجل صالح قديس موحد لله، وهو زعيم قبيلة كنعانية عربية تسمى اليبوسيين.

إن قدسية المقدسات في القدس تنبع من تعظيم المسلمين لكل الأديان السماوية، ولكل أنبياء السماء ؛ إبراهيم وداود وسليمان وموسى وعيسى ومحمد، عليهم وعلى إخوانهم أفضل الصلاة والتسليم، ونحن نعتقد أن وجود داود وسليمان وموسى وغيرهم من أنبياء الله في القدس، قد زاد من قدسية هذا المكان عند المسلمين، وأنَّ ولادة سيدنا عيسى المسيح في الأرض المقدسة يزيد في اعتقادنا بقدسية تلك الأرض، وأن إسراء النبي محمد صلى الله عليه وسلم إلى المسجد الأقصى يزيد عندنا من قدسية القدس، ونحن لا نفرق بين أحد من رسل الله، فإبراهيم وداود وسليمان وموسى وعيسى، كلهم في اعتقادنا أنبياء، كمحمد صلى الله عليه وسلم، ونقف معهم ضد أعدائهم، كما نقف مع محمد صلى الله عليه وسلم ضد أعدائه، وبجهود المسلمين أصبحت هذه الأرض أكثر قدسية، والأمة العربية هي أقدر الأمم على رعاية القدس وحمايتها، والمسلمون يؤمنون بكل الأديان السماوية ويقدسون كل المقدسات، سواءٌ أكانت إسلامية أم مسيحية أم يهودية، وبعبارة أدق فإنها جميعاً مقدسات إسلامية، لأن تقديس المسيح وأمه وإنجيله عقيدةٌ إسلامية، وتقديس موسى وتوراته عقيدةٌ إسلامية، بل لا يصح إسلام مسلم ما لم يتحقق فيه الإيمان الكامل بأنبياء الله كافة و رسالاتهم.

وتتحدث الوقائع التاريخية فتقول: إنّ مدينة القدس كانت في ظل الدولة العربية الإسلامية مدينة مفتوحة لكل أبناء الديانات السماوية، لممارسة مناشطهم الدينية والدنيوية كلِّها، حتى إن المسلمين تشرفوا بخدمة الأماكن المقدسة لدى الديانات السماوية كافة، وحافظوا عليها، وقدموا التضحيات لحمايتها.

نعم، في ظل الإسلام رفض خليفة المسلمين عمر بن الخطاب أن يدخل القدس بالفتح العسكري.

والدارس للتاريخ يرى أن خطة المسلمين لفتح بلاد الشام لم تتعرض مطلقاً لفتح القدس بالمعارك الحربية، لعظيم مكانة القدس وقدسيتها عندهم، وإنما أحاطوا بها وبعيداً عنها، وجعلوها جزيرةً معزولةً عن الامبراطورية البيزنطية. وهي المدينة الوحيدة التي تُسلِّم مفاتيحها لخليفة المسلمين، بعد أن طلب الأسقف (سوفرونيوس) هذا من عمر بن الخطاب. ومن يومها أصبحت تحمل اسم القدس، بعد أن كانت تسمى ( أورشليم)، فالقدس اسم إسلامي، وقداستها حقيقة إسلامية، فرضتها تعاليم الإسلام بنص القرآن وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم

فالمسجد الأقصى مسرى النبي محمد صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: {سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير }(الإسراء: آية 1) وهو أولى القبلتين، قال تعالى: {وما جعلنا القبلة التي كنت عليها (وهي بيت المقدس) إلاّ لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه....} (البقرة: آية 43)

- وهو ثالث الحرمين الشريفين، قال صلى الله عليه وسلم: ((لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي، والمسجد الأقصى)). -متفق عليه من حديث أبي هريرة وأبي سعيد.

وفي ظل الإسلام رفض الخليفة عمر بن الخطاب أن يقيم صلاته في كنيسة القيامة، مع أن رهبانها دعوه لإقامةِ الصلاة فيها.

لماذا يا عمر ؟! قال: لأنني أخشى أن يتخذ بعض المسلمين صلاتي فيها حجة لتحويلها إلى مسجد.

وخلاصة القول: إن القدس والأرض التي حولها - التي بارك الله فيها - وحمايتها والدفاع عن حريتها وكرامتها، وصيانة مقدساتها، وصيانة حقوق أهلها، والدفاع عن كافة الأراضي العربية الإسلامية المحتلة. هي عقيدة دينية إسلامية ثابتة، لا يعتريها الضعف أو الالتباس، وهي عقيدة متجددة مع كل مولود مسلم، تدفع العدوان ولا تعتدي، وتصون حقوقها ولا تغتصب حق أحد، وتحافظ على حقوق الإنسان مهما كان اعتقاده.

2- موقف الإسرائيليين من القدس:

هكذا في ظلال الإسلام أصبحت ( أورشليم ) القدس مدينةَ السلام، وأما في ظلال إسرائيل فقد نُفذ في القدس مذبحة كبرى، شهدها المسجد الأقصى، عندما هاجم الجنود الإسرائيليون، والمستوطنون الصهاينة، المصلينَ من المسلمين العُزّل، وقاموا بقتلهم في ساحات المسجد.

وفي شهر آب عام 1968م قام الصهاينة بمحاولة تدمير المسجد الأقصى، بإشعال النيران فيه.

وبعد عام 1967م رصد الصهاينة /200/ مليون دولار لبناء الهيكل فوق أنقاض المسجد الأقصى، ورصدت مؤسسة معبد القدس الأمريكية الصهيونية وهي من المؤسسات المسيحية الإنجيلية المتحالفة مع إسرائيل - رصدت /100/ مليون دولار سنوياً لهذا الهدف(غريس هالسل ترجمة عبد الهادي عبله - الفكر التوراتي والحرب النووية - ص 130.)، وقد أعلنوها صريحة على لسان ابن غوريون إذ قال: ((إنه لا معنى لإسرائيل بدون القدس، ولا معنى للقدس بدون الهيكل))(في تصريحه للصحافة العالمية عندما كان رئيساً لوزراء الكيان الصهيوني، رسالة الجهاد العدد 69.) ولازالت أعمال الحفر تحت المسجد الأقصى مستمرة، وتهدِّد المسجد بالسقوط.

وأصبح تدمير المسجد الأقصى ومسجد الصخرة الشريفة أحد الأهداف الكبرى للحركة الصهيونية.

أجل، هكذا يتحدث التاريخ....

كيف كانت فلسطين والقدس مفتوحة ثلاثة عشر قرناً لحياة المسلمين والمسيحيين واليهود، وكيف أصبحت في ظل السياسة الصهيونية الإسرائيلية خطراً محدقاً باليهود ومستقبلهم، لا يقل أبداً عن الخطر المحدِق بالمسلمين والمسيحيين !!.

ومنذ أن اغتصب الإسرائيليون القدس عام 1967م، عملوا على تهويد القدس، واتخذت إسرائيل قرارات سياسية على أعلى مستوى لتهجير المسلمين والمسيحيين منها، وتهجير الصهاينة واليهود إليها.

وتتحدث الأرقام فتقول: إنّ عدد اليهود عام (1992م) في القدس أصبح أكبر من عدد المسلمين والمسيحيين مجتمعين.

وإنّ عدد المسيحيين الذي كان عام 1967/38/ ألفاً، والذي ينبغي أن يكون قد أصبح اليوم /120/ ألفاً، قد أصبح بالحقيقة اليوم /12500/ فقط (الدكتور أحمد صدقي الدجاني ندوة القدس - القاهرة 8/7/1994 - ص 18.).

وأما المسلمون فقد تعرضوا لتهجير أشد.

لماذا حصل هذا ؟! إنها سياسة إسرائيل التي تقضي بمصادرة أراضي المسلمين والمسيحيين وأوقافهم الدينية وتهجيرهم.. لا مِن القدس فحسب بل من كل الأراضي الفلسطينية..

ولعلكم تدركون فداحةَ الأمر إذا علمتم أن عدد اليهود في فلسطين عام /1918م/ لم يكن يتجاوز (55) ألفاً، من أصل (700) ألف (عدد سكانها في ذلك الوقت)، أي إن نسبة اليهود كانت لا تتعدى (8 % ) من عدد السكان فقط(الصهيونية المسيحية - ص 59 - محمد السماك - 1990.).

3- موقف الكنيسة الغربية من القدس:

تحالف أكثر الإنجيليين والبروتستانت الغربيين مع الصهاينة، لإقامة دولة إسرائيل في فلسطين المحتلة، تصديقاً لرؤيا يوحنا التي فسروها عملياً ومادياً بأن المسيح لن يعود ليحكم العالم ألف سنة أخرى إلا إذا اجتمع اليهود في فلسطين وأقاموا دولتهم الإسرائيلية فيها. ومن هنا انتشرت هذه الفكرة الصهيونية في بعض الكنائس الغربية، واكتسبت إلى جانبها شخصيات غربية كبيرة ناصرت الفكرة الصهيونية، ومنهم ( بلفور ) صاحب الوعد المشئوم بجعل فلسطين وطناً قومياً لليهود.

واليوم أصبح وراءهم عشرات المنظمات، وخاصة على الساحة الأمريكية، كلها تعمل لصالح المشروع الصهيوني، على أساس من العقيدة المنسوبة ظلماً للمسيح والمسيحية..

وقد بلغ عدد هذه المؤسسات والمنظمات أكثر من /250/ منظمة، ومنها - مثلاً - منظمة السفارة المسيحية الدولية في القدس، التي تأسست عام 1980م، والتي عقدت مؤتمراً في القدس حضره أكثر من ألف مشارك، من كنائس /23/ دولة. ومؤتمراً آخر في بال بسويسرا، في آب 1985م، وصدر عن المؤتمر بيان جاء فيه:

(نحن الوفودَ المجتمعين هنا من دول مختلفة، وممثلي كنائس متنوعة، جئنا للصلاة... ولكي نعبّر عن التضامن مع إسرائيل... وإننا ندرك أن اليهود كانوا ومازالوا يواجهون قوى حاقدة ومدمّرة، مثل تلك التي تعرضوا لها في الماضي، وإننا كمسيحيين ندرك أن الكنيسة أيضاً لم تنصف اليهود طوال تاريخ اضطهادهم، إننا نتوحد اليوم في أوروبا بعد مرور أربعين عاماً على اضطهاد اليهود، لكي نعبّر عن تأييدنا لإسرائيل...).

ومن القرارات التي اتخذوها في هذا المؤتمر:(الدكتور يوسف الحسن - البعد الديني في السياسة الأمريكية تجاه الصراع العربي الصهيوني - مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت 1990 ص 13-14.)

- دعوة الفاتيكان للاعتراف بإسرائيل..

- مطالبة كل الأمم بالاعتراف بالقدس عاصمة أبدية لإسرائيل، وبنقل سفاراتها إليها.

- دعوة مجلس الكنائس العالمي في جنيف إلى الاعتراف بالصلة التوراتية التي تربط بين الشعب اليهودي وأرضه الموعودة..

- يصلي أعضاء المؤتمر وينظرون بلهفة لليوم الذي تصبح فيه القدس مملكة الرب حقيقة واقعة..

وتجاوباً مع الضغط الذي مارسته هذه المنظمة صدر عن الكونغرس الأمريكي بيان بالاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل..

بعد هذا، يجب أن نبيّن أن هناك وضمن الكنيسة الإنجيلية قاعدة لمعارضة هذا التوجه، تتمثل في المجلس الوطني لكنائس المسيح، ولهذا المجلس مؤسسات إعلامية متعددة، وله نشاط لا يستهان به، يجب دعمه وتنميته لمواجهة العنصريين من الإنجيليين والبروتستانت، المتحالفين مع الحركة الصهيونية.

4- موقف الكنيسة العربية من قضية القدس:

لقد عارض المسيحيون العرب عموماً وبقوة، مواقف بعض الكنائس الإنجيلية والبروتستانتية الغربية المتعاونة مع إسرائيل، وكذلك التقارب بين الكيان الصهيوني والفاتيكان، والذي توج في 30/12/1993م بعقد معاهدة خطيرة بينهما( جريدة الحياة اللندنية - 1994.)، نُشرت في جريدة ( الحياة ) اللندنية، وتتضمن الاعتراف بإسرائيل، كما تتضمن اعتراف الكنيسة الكاثوليكية الغربية بالأمر الواقع في فلسطين المحتلة، أي تأييدها لإسرائيل باغتصاب الأرض والحقوق الفلسطينية.

وتتحدث المعاهدة عن العلاقات المتميزة بين الكنسية الكاثوليكية الغربية وبين اليهود، وعن التعاون بينهما.

ومما ورد فيها ذلك التعميم الخطير، حيث تم التأكيد بأن تعبير الكنيسة الكاثوليكية الوارد في المعاهدة يشمل كل المؤسسات الكاثوليكية في العالم.

وإنني أقدّم هنا مثالاً على موقف الكنيسة العربية المعارض، ضمن هذا المقطع من البحث القيم وهو بعنوان:

(الصهيونية وخطرها على الدين المسيحي)( جريدة الأنوار اللبنانية عدد 16/8/1967 م.) الذي ألقاه المطران (باسيليوس سماحة)، وقد نشرته في حينه (جريدة الأنوار) اللبنانية، بعددها الصادر في 16/آب/1967م. يقول:

"ولقد أدركت الصهيونية أن الخطر الكبير الذي يقف حائلاً دون غاياتها إنما هو الدين المسيحي. ولهذا نجد نشاطها اليوم مسعوراً ضمن دائرة المسيحية، والغاية منه ملاشاة الدين المسيحي، ومن ثم بقية الأديان. إنها تحلم بتسلُّم القصر البابوي في الفاتيكان، وهذا الحلم الذي أصبح بالنسبة لها كل ما تتمناه، سيساعدها على أن تبسط سيادتها على الحكومات سياسياً، كما يقول البروتوكول السابع عشر ((حينما يحين الوقت كي نحطّم البلاط البابوي تحطيماً تاماً، فإنّ يداً مجهولة ستعطي إشارة الهجوم. وحينما يقذف الناس في أثناء هيجانهم بأنفسهم على الفاتيكان، سنظهر نحن كحماة له لوقف المذابح، وبهذا العمل سننفذ إلى أعماق قلب هذا البلاط، وحينئذ لن يكون لقوة على وجه الأرض أن تخرجنا منه، حتى نكون قد دمرنا السلطة البابوية))...

لذا فإن الصهيونية تسعى بكل قواها إلى أن تنتزع من تعاليم الكتاب المقدّس كل ما يتعارض مع وجهة نظرها، ويختلف مع خط سيرها، وتُقبِلُ على شروحات وتفسيرات الكتاب المقدس، بما يتفق ورغباتها، ويبرز مساعيها للحصول على شرعية وجودها في فلسطين. وهي ترمي من وراء محاولاتها أيضاً إلى كسب تأييد وعطف المسيحيين العرب ليكونوا بجانبها....

وما اعتمادها على بتر الآيات الواردة في الكتاب المقدس إلا نوع من التجديف، الغاية منه الوصول إلى الهدف الذي رسمت خطوطه أبالسةُ اليهود، وانسجاماً مع الطريقة التشويهية التي أمعنوا بها خبثاً وتضليلاً...

والصهيونية العالمية اليوم تنطلق من مبدأ زرع الألغام، وخلق الشكوك، بين عامة الشعب المسيحي ورجال الدين، متسللة عبر معاني الكتاب المقدس تارة، ومستفيدة من فرص الانقسام الكنسي تارات أخرى. ولم تكن الثمرة التي قطفها بنو صهيون في أن برّأت البابوية شعبهم من الجريمة التي لحقتـهم في صلب المسيح،لم تكن هذه الثمرة سوى نتيجة لنجاح الصهيونية في خلق التداعي والانقسام بين رجال الدين وعامة الشعب، وليتنا نعلم جميعاً أن صاحب تبنّي المشروع - مشروع تبرئة اليهود الذي قدم إلى الفاتيكان -، هو الكردينال اليهودي الأصل (بيا)".

ومن الجدير بالذكر أن مجلس كنائس الشرق الأوسط، صاحب الدعوة لهذا اللقاء الكريم، اتخذ موقفاً مناهضاً، وأصدر بياناً( الهيئة المختصة بدراسة المسيحية الصهيونية في مجلس كنائس الشرق الأوسط -قبرص- نيسان 1988.) ردّ فيه على المؤتمر الذي عقدته في مدينة بال السويسرية عام 1985م منظمة السفارة المسيحية الدولية في القدس، والذي أشرنا إليه قبل قليل، ومما ورد في هذا البيان: [ لما كنا نعي المسؤوليات الملقاة على عواتقنا حيال الطوائف المسيحية، والرأي العام العالمي، فإننا نؤكد أن لهذا الاجتماع صفةً سياسية مفضوحة، على الرغم من الإشارات الدينية الكثيرة، إننا ندين استغلال التوراة واستثمار المشاعر الدينية، في محاولة لإضفاء صبغة قدسية على إنشاء دولة (إسرائيل)].

5- الهيئات الدولية وقضية القدس:

بعد احتلال القدس عام 1967م، وفي شهر آب من ذلك العام، أصدرت الحكومة الإسرائيلية قراراً باعتبار القدس المحتلة موحدة، وأنها عاصمة أبدية ودائمة لإسرائيل.

وبعد أسبوع واحد احتج مجلس الأمن على الادعاء الإسرائيلي ، وأصدر جملة قرارات تؤكد على أن القدس الشرقية أرض محتلة، وأنه لا يجوز لإسرائيل تغيير الصفة القانونية للقدس، وليس لإسرائيل تقرير مصير القدس من طرفها وحدها، وأن القرارات التي أصدرتها إسرائيل بحق القدس تعتبر لاغية على أساس القانون الدولي(الدكتور عبد الله الأشعل- ندوة القدس - القاهرة - 8/7/1994 - ص 59.).

وتتابعت عشرات القرارات للجمعية العامة لهيئة الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي، قبل عام 1967م وبعده، بالشجب والإدانة والاستنكار وإبداء الأسف... ومن هذا ما جاء مثلاً في القرار /267/ لعام 1969م، فبعد أن أكّد مجلس الأمن الدولي على قراراته السابقة بشأن وضع القدس، أشار إلى أنه يأسف لفشل إسرائيل في أن تُظهر أي احترام لقراري مجلس الأمن والجمعية العامة، وأنه يشجب بشدة جميع الإجراءات المتخذة لتغيير وضع القدس، ويؤكد أن جميع الإجراءات أعمال باطلة، كما يطلب منها أن تمتنع عن اتخاذ أي إجراءات مماثلة في المستقبل(القدس فوق أي تفاوض ((منشورات القيادة الشعبية الإسلامية)) ص 13.).

وهكذا ظل مجلس الأمن على موقفه من وضع القدس في الإطار النظري، وبقيت قراراته حبراً على ورق، بينما ظلت إسرائيل تقوم بخطوات عملية لتهويد القدس والأراضي الفلسطينية المحتلة، ضاربة بالقانون الدولي والمنظمات الدولية عرض الحائط، مع الاستعلاء والسخرية.

وهنا تظهر بشكل صارخ سياسة الكيل بمكيالين لدى مجلس الأمن الدولي، ويظهر بشكل فاضح عجزه عن اتخاذ أي إجراءات لاحترام القرارات الدولية، بشأن القدس والأراضي المحتلة، بينما تظهر قدراته السريعة والمؤهلة جداً لتنفيذ قرارات أخرى بحق دول أخرى.

أيها الإخوة الأفاضل:

ما أحوجنا ونحن - المسلمين والمسيحيين - نعيش معركة النضال المشترك ضد العدوان الصهيوني الغادر على القدس ومقدساتها، وعلى فلسطين وأهلها، وعلى المسيحية وكنيستها، وعلى المسلمين والإسلام والقرآن...- ما أحوجنا إلى أن - نقوي جبهتنا، ونعتصم جميعاً بحبل الله المتين، لنكون صفا ًواحداً في الدفاع عن حقوق أمتنا وأوطاننا، وكما قال المطران ( سماحة ) في كلمته التي استشهدتُ بهـا آنفاً:

"فلنا من تاريخنا العريق، ومن اتحادنا وتعاوننا مسيحيين ومسلمين في خدمة أمتنا وعروبتنا ما يحتِّم علينا الآن أن نحافظ على عُرى الأخوة والتعاون، لإنقاذ أمتنا العربية، مما ورَّطها به الاستعمار والصهيونية.

فتاريخنا حافل بهذا التعاون والتآخي، فالمسيحيون العرب هللوا للمسلمين العرب عندما جاءت طلائعهم إلى القدس الشريف، وقدّموا مفاتيح المدينة ومفاتيح مقدساتها للخليفة العادل عمر الفاروق، عربون ولاء وتعاون ومحبة، فصان المسلمون هذه العهود ورعوها، وصلى الخليفة عمر خارج كنيسة القيامة، لئلا يطالب المؤمنون بعده بأن يجعلوا المكان الذي صلى به مسجداً لهم.

ولو عدتُ إلى التاريخ استقصي الشواهد على مثل هذا التعاون لطال بنا المقام، و لا احــتــجــنا إلى الساعات الطوال نقضيها معاً لاستكمال مثل هذا العمل، إنما حسبي الآن أن نتخذ من ذلك التعاون القديم دافعاً لتعاون أخوي دائم، لكي تظل فلسطين كما كانت عربية إلى الأبد، ولكي يظل عَلَمُ أمتنا العربية يخفق فوق القدس، التي كانت ولا تزال وستبقى إلى الأبد عربية(((الصهيونية وخطرها على الدين المسيحي)) المطران (باسيليوس سماحة)، جريدة الأنوار اللبنانية 16/8/1967م.) ".

وأمام هذا الواقع فإنني أتقدم إلى مؤتمركم الكريم بالمقترحات التالية:

المقترحات و التوصيات:

1- الإشادة بدور مجلس كنائس الشرق الأوسط، للموقف الوطني الصلب تجاه قضية القدس، والدعوة لتعميم هذا الموقف، و تجذيره في أكبر عدد من الكنائس الصديقة والمتعاونة.

2- التنديد بموقف مجلس الأمن الدولي، بسبب استمراره بسياسة المكيالين، وبسبب تقاعسه عن حماية حقوق الفلسطينيين، وعن الوقوف في وجه المحتل الإسرائيلي، وردعه عن مضيه في مشروع تهويد القدس والأراضي العربية المحتلة.

3- دعوة دول العالم للضغط في هيئة الأمم المتحدة لإلغاء نظام ديكتاتورية الفيتو الذي تمارسه القوى الكبرى ضد مصالح الشعوب المستضعفة.

4- دعوة مجلس كنائس الشرق الأوسط، لوضع خطة تعمل على التأثير في الكنيسة الغربية، المتحالفة مع الإسرائيليين، لتغيير مواقفها تجاه قضية القدس خصوصاً، وقضية فلسطين عموماً. والتنسيق مع القاعدة المعارضة في الكنيسة الإنجيلية والبروتستانتية ودعمهم، لنصرة قضية القدس.

5- الدعوة لتشكيل المجلس الإسلامي المسيحي العالمي للدفاع عن القدس، بحيث يتألف من الشخصيات والمؤسسات الإسلامية والمسيحية العالمية، المؤمنة بالقدس وقضيتها، ويكون لهذا المجلس ميثاق عمل، وأمانة عامة.

في الختام:

إنني من هذا المكان، وفي هذا الموقف التاريخي أحيّي مواقف إخواننا المسيحيين العرب الشجاعة في تأييد الحق العربي في فلسطين والقدس، كما أشعر بالغبطة أن نتفق جميعاً، ومعنا شعوبنا، على الدعوة والعمل لجعل القدس عاصمة الدولة العربية الفلسطينية المرتقبة، ومدينة السلام المفتوحة للعبادة، لكل أتباع الديانات السماوية، وجعل مدينة السلام رمزاً للسلام، وموئلاً لكل الدعاة إليه بصدق وإخلاص في كل أنحاء العالم.