القدس محور السلام
القدس محور السلام

كلمة سماحته إلى الندوة العالمية المنعقدة في جامعة الأزهر - القاهرة خلال الفترة من 29-30 نيسان 1997م.

1997-04-30

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم، على سيدنا محمد، وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، وآل كل، وصحب كل أجمعين، وبعد:

يقول الله تعالى: {سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير}( سورة الإسراء: [الآية: 1].).

مكانة القدس عند المسلمين:

القدس أُولى القبلتين، وثالث الحرمين الشريفين، إليها وَفَدَ أنبياء الله، وفيها بُعثت رُسُله الكرام، ومن أختها مكة أُسري بمحمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم ليلاً ؛ ليلتقي بأنبياء الله ورسله، ويصلي بهم إماماً، محباً للجميع، مُقدِّراً لما قدموه من جهود مباركة لحماية هذه المدينة، ورفعِ الظلم عنها عبر العصور.

وإن القرآن الكريم قد ربط بين المسجد الحرام والمسجد الأقصى، وهذا دليل على أن هذين المسجدين قديمان قِدَمَ التاريخ، وأن المسجد الأقصى صنو المسجد الحرام ؛ طهراً، وقداسة، وأنه فوق الاعتبارات العصبية والعرقية.

وإنني أعتقد أن في تهويد القدس اليوم، وفي تدنيس مقدسات المسلمين والنصارى، شر كبير على المسلمين والنصارى واليهود.

لأن هذه العملية تعني نسف عملية السلام برمتها، ونعني بالسلام، السلامَ العادل الشامل ؛ الذي يعيد الحق إلى أهله، والأرض إلى أصحابها.

وإذا ما استمرت إسرائيل في تحدياتها لمشاعر المسلمين والمسيحيين في كافة أنحاء العالم، فضلاً عن رفضها لشرعة الله في الأرض، ولشرعة حقوق الإنسان، ولكل المواثيق والعهود الدولية، فإن هذا الوضع لن يستمر على النحو الذي تحلم به إسرائيل ومن معها، والتاريخ يؤكد سقوط الظلم والظالمين، ولو بعد حين، ولا أكتمكم ما في قلبي بأن إسرائيل تَجُرُّ العالم اليوم إلى حافة حرب مدمرة، لا يعلم نتائجها إلا الله تعالى.

وإذا كان العالم قد استعد لدخول القرن الواحد والعشرين، ويحدوه الأمل بقرن فيه سلام وخير وتعاون إنساني، ورخاء اقتصادي لكل فرد من أفراد العالم، فإن إسرائيل تريد أن تهدم آمال الشعوب وتطلعاتها، وهي لا ترى إلا مصالحها الخاصة، متناسية حقوق الآخرين، ضاربة عرض الحائط كلَّ النداءات المنبعثة من حناجر الشرفاء في هذا العالم.

أيها الإخوة:

إني ومن على هذا المنبر أتوجه إلى الغرب المسيحي خاصة، وإلى المسلمين عامة، مُذكراً إياهم بالنقاط التالية:

- يوم فتح العرب القدس في عهد الخليفة الراشد الثاني عمر بن الخطاب رضي الله عنه وكتب العهد المعروف ( بالعهدة العمرية ) أصر المرقعون من مسلمين ومسيحيين أنه لا حق لليهود في بيت المقدس، وهذا هو التاريخ يؤكد ذلك.

- إن العالم - مع الأسف - قد تأثر بفلسفة الدول الصناعية والقوية، التي جعلت من الأمر الواقع حقاً للمعتدين، ففلسطين لم تكن لليهود، لها سكانها، وهم: العرب اليبوسيون والكنعانيون.

والعرب المسلمون عادوا لتحريرها وإعادتها لسكانها العرب، لا لمجموعات من أوروبة وأمريكة وبحر الخزر، وإن علينا أن نسقط ما يسمى اليوم (بحق القوة)، وأن نعود إلى قوة الحق، فإسرائيل تعيش من خلال حق القوة، وهو نظام الغابة، وأما الشعوب المتحضرة فإنها تؤمن بقوة الحق.

التلاحم الإسلامي المسيحي في القدس:

1. كان سلوك العرب المسيحيين تجاه إخوانهم العرب المسلمين سلوكاً تميّز بالتعاون والانسجام والتنسيق من أجل خدمة الأماكن المقدسة والدفاع عنها خاصة، وعن مصالح الأمة العربية عامة.

2. وكان سلوك العرب المسلمين تجاه المسيحيين على هدي من القرآن والسنة النبوية وسيرة السلف الصالح، وتمثل في حدّه الأدنى في اعتبارهم أهل كتاب سماوي، ولهم ذمة الله ورسوله والمؤمنين، تحميهم وترعاهم وتصون حقوقهم وحرياتهم ومعتقداتهم وتعفيهم من الخدمة العسكرية، ومما ورد في القرآن الكريم في سورة المائدة قوله تعالى: {لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى}(سورة المائدة: [الآية: 82].).

3. ومن الواضح أن العُهدة العُمرية ميّزت بين مواطني القدس المسيحيين العرب، وبين المسيحيين الروم البيزنطيين، فالعهدة أُعطيت لأهل القدس، وليس للسلطة البيزنطية.

4. ومما جاء من أقوال بطاركة النصارى معلنة التلاقي الإسلامي المسيحي:

آ - قول صفرونيوس: إن دولتكم باقية على الدهر، فدولة الظلم ساعة، ودولة العدل إلى قيام الساعة.

ب- أما البطريرك اليعقوبي في أنطاكية فقد قال: إن الله المنتقم الواحد القهار، أثار من الجنوب أبناء إسماعيل لإنقاذنا من أيدي الرومان، وإن هذا الخلاص لم يكن ميزة هيّنةً لنا.

ج- وعبّر النساطرة عن موقف مماثل بقولهم: إن قلوب المسيحيين انشرحت بسيادة المسلمين، فليزد الله في قوة هذه السيادة، وليجعلها زاهرة.

وكذلك استمر التلاحم والتعاون منذ إعلان السلطة الإسرائيلية دولة سنة 1948م وعدوان 1967م، وقد شعر اليهود بالتلاحم الإسلامي المسيحي، وأشار إليه كثير من كتّابهم وساستهم وصُحفهم، والفضل ما شهدت به الأعداء.

ما الذي يجري على ساحة بيت المقدس ؟

أيها الإخوة:

لقد أعلنت السلطة الإسرائيلية إثر حرب 1967م عن ضم مدينة القدس الشرقية إلى الغربية، وتوحيدهما في 28/6/1967م، ثم أعلنت في 5/8/1980م أن القدس الموحدة عاصمة للسلطة الإسرائيلية، وأخذت تنسج خيوط التهويد ببطءٍ وهدوء، وما تقوم به حكومة "نتنياهو" من استلاب للأراضي، وبناء للمستوطنات في القدس وغيرها، ليس بخافٍ على المهتمين بأوضاع هذه المدينة المقدسة، فهي تستكمل خطة أنجزتها الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، بهدف خلق حقائق جديدة على الأرض، لتثبيت السيطرة الإسرائيلية الدائمة على القدس، ولتحقيق ذلك سلكوا طرقاً متعددة منها:

1. تنفيذ جريمة حرق المسجد الأقصى في صباح الخميس 21/8/1969م، وسبق ذلك القيام بحفريات كثيرة حول أسس المسجد بحثاً عن هيكل سليمان، كما أُعلن حديثاً عن حفر نفقٍ تحت المسجد، وعن نفقٍ آخر قيد التنفيذ، كل ذلك من أجل أن يتهدم المسجد ذاتياً لإقامة هيكل سليمان في مكانه.

2. تنفيذ المذابح الجماعية لعرب فلسطين بين الفينة والأخرى ؛ منها ما قام به أحد الصهاينة عندما أطلق النار على المصلين في المسجد الأقصى، ومثل ذلك، المجزرة التي قاموا بها في الحرم الإبراهيمي في مدينة الخليل.

3. العمل على تهويد مدينة القدس بالإكثار من بناء المستوطنات حولها ؛ للإحاطة بها، وللدفاع عنها من الخارج، وإخضاع عرب القدس من الداخل، فهي مستوطنات مسلّحة.

4. تركيز السلطة الإسرائيلية على تهويد المدينة سكانياً، فبلغ عدد السكان اليهود في القدس الشرقية: (168 ألفاً) بجانب العرب الذين يقرب عددهم من (180 ألفاً).

5. يتوسع الإسرائيليون في استلاب الأراضي الفلسطينية عموماً، وأراضي القدس خصوصاً، فقد وضعوا أيديهم أخيراً على جبل ( أبو غنيم ) لإقامة مستوطنة في القدس الشرقية، مع حصر نسبة عدد السكان العرب في حدود 20 بالمائة، وذلك بمحاصرة التوسع العمراني العربي فيها بكل الوسائل، ودفع الفائض السكاني عن النسبة المحدودة إلى الهجرة من القدس بعدة أساليب، منها:

1. سحب البطاقة الشخصية، وقد بدأ ذلك منذ ثمانية عشر شهراً، وحرمان السكان من حق الإقامة في مسقط رأسهم.

2. الضرائب الخيالية والباهظة التي تفرض على المتر المربع من العقار، وبيع أرض كل من يعجز عن الدفع بالمزاد العلني.

3. السماح للعرب ببناء ثلاثة طوابق فقط، بينما يسمح لليهود ببناء ثمانية طوابق، مع هدم المباني العربية المخالفة، والاكتفاء بغرامة مالية على المباني اليهودية المخالفة.

4. تحويل العرب إلى غرباء يقيمون بصورة غير شرعية، يختبئون في مدينتهم، وهذا يعني إلغاء بطاقة الهوية التي تصدرها سلطات الاحتلال.

5. حرمان العرب من الخدمات الاجتماعية في المدينة.

وهكذا تتعجل السلطة الإسرائيلية في تهويد القدس جغرافياً وسكانياً، تمهيداً لعزلها عن الضفة الغربية، وبالتالي إخراجها من بنود مفاوضات المرحلة النهائية مع سلطة الحكم الذاتي، وتصبح عاصمة إسرائيل الأبدية، وإن السلام لن يكون إلا وفق التصور الإسرائيلي.

وبعد حسم موضوع القدس، يشرع "نتنياهو" في تنفيذ الخطوات العملية لتحقيق إسرائيل الكبرى، وهذا لا يتم إلا بالاحتفاظ بمساحات واسعة من أراضي الضفة الغربية والقدس، تمهيداً لإعلان الحدود النهائية لإسرائيل.

القدس محور السلام:

أيها الإخوة:

إن من أسماء الله عز وجل (السلام)، وتحية المسلمين هي (السلام)، ويردد المسلمون بعد صلواتهم في كل يوم (اللهم أنت السلام ومنك السلام)، وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: ((أفشوا السلام بينكم))(رواه مسلم في صحيحه: كتاب [الإيمان]، رقم (54)، في حديث مطلق ((لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا..)).)، وقال النبي عيسى عليه السلام: ((طوبى لصانعي السلام)) وفي أحد مزامير التوراة ((وتعانق العدل والسلام)).

أيها الإخوة:

الرغبة في السلام تسكن قلب كل إنسان على هذه الأرض، وتسكن بشكل خاص قلوب أبناء هذه البقعة من العالم، التي أصبحت مسرحاً للصراعات والحروب والويلات والمآسي.

إن السعي إلى السلام لا يعتمد أساساً على الحنكة السياسية والدهاء البشري، بل على العدل والإنصاف ونقاء القلب قبل كل شيء، السلام يعتمد على قلب يقبل السلام، ويصبو إليه، ويخضع لمتطلباته، ويرجوه لنفسه ولغيره.

إن الرغبة في السلام تقتضي قبل كل شيء أن ينظر الواحد إلى الآخر - فرداً أو جماعةً -كما ينظر الله إليه، النظرة التي يباركها الله تعالى بإعطاء كل ذي حق حقه، لا كما تُصوره الأهواء والأنانيات والمصالح الضيقة والنظر القصير.

والحق يقال: إن الشعوب العربية المعنية بالسلام تتعامل بجدية مع هذا الظرف التاريخي، وتمد يداً صادقة للسلام الذي لا يسد باباً يمكن أن يؤدي إلى حل عادلٍ وشاملٍ ودائم ومشرّف.

إن القدس هي قلب الصراع القائم، ولا أحد يستطيع أن يتجاهل هذا الواقع الذي يدعونا إلى التوقف متأملين في موقع القدس من مسيرة السلام.

هنا يسود اعتقادٌ أن الحلول السياسية للقضية الفلسطينية يجب أن تترك القدس لآخر المطاف، لصعوبة عُقدتها، وهذا خطأ رهيب، لأن القدس ليست هي المشكلة، بل هي الحل، إن القيم التي تمثلها هذه المدينة الفريدة هي الكفيلة بتوجيه الجميع نحو طريق السلام الحقيقي، فسلام فلسطين هو سلام القدس.

القدس محور السلام، يتجسد فيها الأمل في العدل والسلام.

والقدس محور السلام والعدل المستمد من واقع القدس المادي والروحي.

فلا يمكن أن يتم السلام لفئة على حساب أخرى، كما لا يمكن أن ينعم شعب بسلام القدس عندما يحرم غيره من هذه النعمة.

وهذا يتطلب رؤية سياسية رحبةً، تترجم هذا الواقع إلى حقيقة سياسية، تستوعب معطيات القدس ومركزيتها لجميع أبنائها وأبناء العالم بأسره.

وعلى هذا الأساس تصبح القدس نقطة لقاء، بدل أن تكون نقطة تنافر، داعية الجميع إلى أن يكونوا قادرين على قبول حق جميع الأطراف في العيش، آمنين على أموالهم وأنفسهم وأراضيهم وحقوقهم.

إن حل القضية الفلسطينية والصراع العربي الإسرائيلي يجب أن يبدأ بإيجاد صيغة سياسية تؤدي إلى قيام الدولة الفلسطينية، وأن تكون عاصمتها القدس.

وإن الإخفاق في هذا الحل يعني إبقاء المنطقة على بركان دفين يمكن أن ينفجر في أي لحظة، إن القدس تستحق كل ما يمكن أن يبذل من جهود تجنّد لها أفضل طاقات المخيلة الإنسانية الخلاقة، لإيجاد الحل الذي يشعر به كل من ينتمي إلى هذه المدينة انتماءً قومياً أو روحياً أنه في بيته، حيث لا ظالم ولا مظلوم.

إن القدس ملهمة السلام وهي محوره.

سلام القدس سلام العالم:

إن مصير القدس يتعدى حدود أهلها ومحبيها، لأنه صورة لمصير العالم كله، وما يحدث فيها من حروب وخصومات لا يمكن أن يترك العالم محايداً ولا مبالياً، لأنه يعرف أن مصيره يتقرر في رحابها المقدسة، فإذا عجزت مكانتها الروحية عن خلق آلية السلام، فمعنى ذلك أن أملاً من آمال البشرية قد تداعى تاركاً البشرية فريسة قيم الغاب.

وعليه فإن سعي أهل القدس إلى العدل والسلام، لهو سعيٌ باسم البشرية جمعاء، من أجل السلام ومن أجلها خاصة.

إن دعاة السلام في أرضنا المقدسة لا يمثلون أنفسهم فحسب، بل يمثلون عطش الناس أجمعين، الذين تهددهم شتى أنواع المظالم والخوف.

إن صرختنا من أجل سلام القدس وعدلها لهي صرخةٌ مدويةٌ من أجل سلام العالم وعدله، لا على أساس أوهام التوازن العسكري والمصالح الأنانية، بل على أساس القيم الإلهية والإنسانية التي تميز حضارة الإنسان.

أيها الإخوة:

لذلك ومن أجل تحقيق ما نحن بصدده فإني أقترح التوصيات التالية:

1.أدعو العرب من مسلمين ومسيحيين إلى الاستمرار في التكاتف لاتخاذ موقف موحد أمام غطرسة السلطة الإسرائيلية، ليس من أجل القدس وحدها فقط، بل من أجل جميع الحقوق العربية المغتصبة، والتصدي لكل الممارسات غير الشرعية التي تمارسها السلطة الإسرائيلية.

2.إذا لم ترتدع السلطة الإسرائيلية عن ممارستها، وتلتزم بالشرعية الدولية وقراراتها ؛ فالجهاد واجب على جميع العرب والمسلمين، وإذا لم يقم به أصحاب الامكانات تكون المسؤولية والإثم على جميع العرب والمسلمين.

3.أدعو الدول العربية والإسلامية لوضع ميزانية موحدة وسخية - وعلى المدى الطويل - لدعم صمود عرب بيت المقدس خاصة، والمواطنين في الأراضي المحتلة عامة، للتشبث بأراضيهم وعدم بيعها، وتدعيم القوة العربية، خشية الغدر الإسرائيلي المفاجئ.

4.رفض السلام كما تتصوره السلطة الإسرائيلية، فالسلام الحقيقي لا يكون إلا بإعادة الأراضي المحتلة، وكافة الحقوق العربية المغتصبة.

5.الاستمرار في التواصل السياسي العربي والإسلامي، وعلى أعلى المستويات ؛ لمتابعة قضية السلام العادل، ودعم صمود سورية، وانتفاضة الشعب الفلسطيني، والمقاومة الإسلامية في جنوب لبنان.

6.الإصرار على عودة بيت المقدس محرراً من كل طغيان صهيوني.

7.على الإعلام العربي والإسلامي والمنابر الإسلامية والمسيحية دور كبير في توعية المسلمين والمسيحيين، في ضرورة دعم هذا الواجب المقدس تجاه القدس والجولان، وجنوب لبنان، وفلسطين كلها، وغيرها من الأراضي العربية.

8.لا معنى للسلام بدون القدس، ولا معنى للسلام إذا بقيت الأراضي محتلة والحقوق مغتصبة.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.