واقع العالم الإسلامي اليوم وما يجب أن يعمل لإعادته لأمجاده
واقع العالم الإسلامي اليوم وما يجب أن يعمل لإعادته لأمجاده

كلمة مرتجلة سماحته التـي ألقــاهــا في المؤتمر الرابع للفكر الإسلامي المنعقد في طهران - إيران أيــــار 1984م

1984-05-01

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:

حضرات السادة والإخوة العلماء:

يعيش مجتمعنا الإسلامي اليوم في واقع مؤلم لا يحسد عليه، ونطلق عليه العالم الإسلامي لمجرد انتمائيته للإسلام، ولكن النظرة البديهية البسيطة لواقع أكثر بلدان هذا العالم يعطينا واقع التمزق السياسي والتفرق المذهبي، والتشاحن والتدابر، والتنازع والتقاتل، ومن ثم التخلف العلمي، والضعف الاقتصادي، والانقسام حسب الرغبات والأغراض الاستعمارية، التي مزقت العالم الإسلامي ؛ لتضع على كل جزء من الأرض الإسلامية قطعة منه بتسمية خاصة. فهذه إيران، وتلك تركيا، وهناك المغرب، وأندونيسية، وهذه دول الشرق الأوسط، وهناك دول المغرب العربي، وهنا دول المشرق العربي، إلى آخر المسلسل. هذه الصورة للعالم الإسلامي هي التي أحزنت الأحباب، وأفرحت الأعداء، وأطمعتهم بأرضنا، وبموارد بلادنا، وأصبح الدستور الإلهي لصلاح الإنسان، - وهو كتاب الله القرآن - من حظ الأموات ليتلى عليهم، ومن حظ الألحان والموسيقى ليتغنى به. ولذلك نظر العالم غير المسلم إلينا من خلال هذه الصورة المشوهة لحقيقة الإسلام وجوهره، فاعتقد العالم أن الإسلام هو السبب في هذا التخلف والقهر، والضياع والفقر، {ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا واغفر لنا ربنا إنك أنت العزيز الحكيم}( سورة الممتحنة: [ الآية: 5 ].).

إلى جانب كل ما قدمت، هناك الغزو العقائدي والثقافي من خلال برامج التنصير والغزو المادي والمعنوي من أعداء الإسلام، ومن خلال العادات والتقاليد التي نتعايشها. ولم يبق في عقول وقلوب بعض من علماء الإسلام إلا بقية من إسلام سطحي مذهبي جامد، وعرفان صوفي رهباني منعزل، أو تجمعات لشباب عاطفي متحمس متهور، تقوده زعامات لا كفاءة لها ولا حكمة ؛ لتصل به إلى نتائج كثيراً ما أحزنت، وكثيراً ما أضرت بالإسلام وبالمسلمين وما نفعت.

أيها الإخوة الأفاضل !

ألا ترون أننا عدنا لنعيش جاهلية القرن العشرين، التي تعبد فيها أصنام الأنانية والشهوات، والتي قد سميناها إسلاماً فظلمنا أنفسنا بها وظلمنا الإسلام ؟ في البداية لا بد لنا من تشخيص الداء، ومعرفة العلة والمرض، لعلنا نهتدي إلى معرفة الدواء، ونطلبه من صيدلية قوله تعالى: {ما فرطنا في الكتاب من شيء}(سورة الأنعام: [ الآية 38 ].سورة الأنعام: [ الآية 38 ].). وقوله تعالى: {وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمةٌ للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خساراً}(سورة الإسراء: [ الآية: 82 ].). إن الإسلام ومع كل هذه المشاكل، ومع كثافة الأعداء والظلمات، ما يزال والحمد لله عظيماً بمبادئه، فقد حرَّم اليأس على المسلمين، وجعله من صفات الكافرين، فقال تعالى: {إنه لا ييأس من رَوْح الله إلا القوم الكافرون}( سورة يوسف: [ الآية: 87 ].).

أيها الإخوة الأفاضل !

إن الإسلام لا يزال عظيماً بعقيدته، فقد ضمن الله النصر للمؤمنين الصادقين، فقال تعالى: {وكان حقاً علينا نصر المؤمنين}(سورة الروم: [ الآية: 47 ].)، وحث على العمل مهما ضعف الأمل، فقال النبي الكريم: ((إذا قامت الساعة وبيد أحدٍ فسيلة فليغرسها))( رواه ابن عدي، ج 6/2294 انظر موسوعة أطراف الحديث النبوي لبسيوني زغلول ج 1-أ/367). ويبقى الإسلام عظيماً ببشاراته لنا، حيث يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار))( رواه أحمد والطبراني والحاكم والبيهقي وسعيد بن منصور في سننه عن تميم، وتتمة الحديث: ((ولا يترك الله عز وجل بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين يعز عزيزاً أو يذل ذليلاً، عزاً يعز الله به الإسلام وذلاً يذل الله به الكفر )) كنز العمال 1/267-268.).

ويبقى الإسلام عظيماً بوعد الله للمؤمنين، حيث يقول الله تعالى: {ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أنَّ الأرض يرثها عبادي الصالحون}(سورة الأنبياء: [ الآية: 105 ].). {ونريد أن نَمُنَّ على الذين استضعفوا في الأرض ونجعَلَهم أئمة ونجعلهم الوارثين}( سورة القصص: [ الآية: 5 ].). وقال صلى الله عليه وسلم: (( ستُمْلأ الأرضُ عدلاً وقسطاً بعد أن تملأ ظلماً وجوراً ))(ورد في نزول المهدي ما أخرجه الروياني في مسنده، وأبو نعيم عن حذيفة قال، قال صلى الله عليه وسلم: ((المهدي رجل من ولدي... إلى أن قال: يملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً)) كشف الخفاء 2/381).

أيها الإخوة الأفاضل !

ولنا في التاريخ الإسلامي، وفي أولئك الذين صدقوا الله في أعمالهم الدروس والعبر، فلقد نُكب المسلمون في حروبهم مع أعدائهم من الصليبيين والتتار بسبب ما كانوا عليه من التخلف والتفرقة بأعظم مما هم عليه في العصر الحديث. ولكن بظهور المجددين من علماء هذه الأمة، وبوعد الله الذي لا يتخلف عن المؤمنين الصادقين، كان العالم الإسلامي يعود أعز وأقوى مما كان، ويندحر العدو الظالم بالخزي والهوان، أو يدخل الأعداء في عقيدة الإسلام، وينضمون إلى صفوف المسلمين، وما كان ذلك إلا بسلاح الدعوة وجهاد الدعاة المخلصين والحكماء العاملين، وبالتوجه إلى الله بيقين.

أيها السادة والعلماء الفضلاء !

إن الشعوب الإسلامية المعاصرة وبأكثريتها الساحقة، متمسكة بإيمانها التقليدي، غيورة عليه، وإنها لتحن إلى إسلامها الأصيل حنين الأمهات إلى أولادها، ولئن وجد في هذا المجتمع المؤمن بعض المنحرفين عن جادة الإسلام المستقيمة، فما هذا إلا لغياب الدليل الخبير في دروب صحارى مبادئ الاستعمار الفكري والضلال العقائدي، وما ذلك إلا لفقدان الطبيب الحاذق عند هجوم الجراثيم والطفيليات والأوبئة، وإن الظلام مهما تكاثفت غيومه وسحبه فإن عود ثقاب واحد مضيء كفيل بطرد الظلمات والقضاء على كل ساحات الظلام.

فإذا أشرقت شمس القرآن، وبزغ قمر هدي النبوة المحمدية، ففي لحظة سينقلب الليل نهاراً والظلمات أنواراً.. فكم رأينا من ملاحدة كبار، بل من فلاسفتهم ومفكريهم، قد انحازوا إلى صف الإسلام جنوداً هداة، وانضموا إلى قافلة الإيمان إخواناً دعاة، وبحوار بسيط مع عالم حكيم أو مع داعية للإسلام عليم.

أيها السادة الأفاضل !

ليست الشعوب الإسلامية التي ورثت الإيمان من الآباء والأجداد هي وحدها منسجمة مع الإسلام، بل كل شعوب الإنسانية، خاصة المتحضرة والمتمدنة، أصبحت مهيأة لذلك، فإن لها من القابلية اليوم في اعتناق الإسلام والانسجام الكامل معه، كانسجام الظمآن وتعطشه للماء البارد المحلى، أو كالجائع للغذاء الشهي الطازج، وما ذلك إلا لأن الإسلام هودين الفطرة، دين العلم، دين العقل والإنسانية، دين الحياة الكريمة. ولكن كيف نحصل على رغيف بلا خباز، أو ثمار بلا غراس، وكلنا يعلم الآن انتشار الإسلام في العالم المتمدن وإقبال الشعوب عليه، وبمجرد معرفة سطحية بسيطة عن مبادئه وعقائده، وخاصة بين صفوف العلماء الفلاسفة. وللحق أقول: لم يكن هذا الإقبال بدعوتنا ودعائنا، بل بدراسات أولئك المهتدين، وتتبعاتهم الخاصة، ودون معلم أو مرشد متخصص.

فكيف لو كان هناك منظمة إسلامية عالمية، تملك الامكانات العلمية، والمواهب الروحية، والطاقات الفكرية، والوسائل التي تحتاجها الدعوة (مادية ومعنوية)؟ كيف لو تهيأ الدعاة الأكفاء، وضمنت لهم كل الوسائل اللازمة للبلاغ المبين؟

لقد تهيأ العالم اليوم لاعتناق الإسلام بعد سيطرة حكم العقل والعلم، وفتحت العقول أبوابها مرحبة به، وعُبِّدت الطرقات لوصول الإسلام إلى الأفئدة والقلوب بهديه وأنواره، بعلمه وعقلانيته، بحقيقته وواقعيته، بل وأعتقد ـ أيها الإخوة ـ بأن القرن الحادي والعشرين سيكون عصر الإسلام العالمي، وعصر الإخاء والسلام العالمي، وهذا ما أكّده سبحانه وتعالى بقوله: {ليظهره على الدين كلِّه}( سورة التوبة: [ الآية: 33 ].).

فأين العلماء الدعاة أيها المجاهدون في الدعوة إلى الله؟ أين إسلام وفريضة البلاغ المبين؟ فإلى حكومات العالم الإسلامي، وإلى ملوك ورؤساء وعلماء الدول الإسلامية، أوجه ندائي من على هذا المنبر، أن لبّوا داعي الله، بلغوا رسالة محمد رسول الله، رسالة الأُخُوَّة والمحبة والسلام.

هذه الدعوة أمانة في أعناقكم أيها العلماء، أيها الملوك والرؤساء ! أيها القواد والزعماء ! إن مسؤوليتكم لا تنحصر في أمتكم وشعوبكم فحسب، بل أنتم مسئولون عن العالم كله، عن شعوبه وجماهيره، عن أمنه وسلامه، عن سعادته وإخائه، وقريباً ستسألون عن فريضة وأداء هذه الأمانة، حين تنقلون من القصور إلى القبور، ثم تقفون في محكمة الخالق العظيم، فهل أعددتم الدفاع فيها عن أنفسكم ؟! وهل أعددتم للسؤال جواباً ؟ وهل هيأتم من المحكمة خلاصاً يضمن لكم البراءة فيها ؟!

أيها السادة والعلماء الأفاضل !

إن وضع الحكومات الإسلامية كوضع شعوبها، فالخلل واقع في أكثر الحكومات والشعوب، في أكثر العلماء والأفراد، وجميعنا يعلم أن المريض مرضاً مزمناً إذا حظي بالطبيب الحكيم الناصح، فالشفاء واقع وحتمي بإذن الله، ((ما أنزل الله من داء إلا وأنزل له دواء))( أخرجه البخاري في كتاب [ الطب ] باب ( ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء ). ). إن الحكامَ بَشرٌ كـبقية الناس، فكما أن الإنسان العادي إذا ضل طريقه أو أضاع ثروته، فقانون الفطرة الإلهي يفرض عليه أن يقبل هداية الدليل، وأن يشكر من يُرجع إليه ثروته الضائعة. وكذلك الحاكم هو إنسان يقبل النصيحة والخير، ويكره الضياع والفوضى.

إن أكثر علماء الدين الإسلامي يضعون المسؤولية على عاتق الحكومات وحدها في واقع تردي حال المسلمين وتخلفهم، ولا شك أن هناك مسؤولية كبرى على الحاكم المسلم، حيث إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن. لكن وفي رأيي أن مسؤولية علماء المسلمين أعظم، وتقصيرهم أكبر، لأنهم هم الدعاة، وهم المهندسون البناة، وهم المعلمون الحكماء، والوٌرَّاث لتركة النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الهداية والعلم والتزكية والتبليغ، فالنبي صلى الله عليه وآله وسلم ربَّى كلَّ المسلمين، حكامهم ومحكوميهم، قادتهم وشعوبهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((الدين النصيحة. قلنا لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم))(رواه مسلم في كتاب [ الإيمان ]، باب ( بيان أن الدين نصيحة )، حديث رقم 55، كما أخرجه أبو داود في كتاب [ الأدب ] حديث رقم (4944)، والنسائي في كتاب [ البيعة ]، باب النصيحة للإمام ج7/156.).

لقد سجل لنا تاريخ علماء المسلمين وقائع مضيئة عن جهادهم في الدعوة إلى الله، وفي خلاص المسلمين في أشد محنهم. إن ثلاثة علماء على مستوى الوراثة المحمدية هم: الشيخ سيف الدين الباخرزي من بخارى، والشيخ جمال الدين، وابنه الشيخ رشيد الدين من إيران، رجال ثلاثة صدقوا ما عاهدوا الله عليه، خاضوا غمار معركة الدعوة، فأوقفوا بسلاحها وجهادها زحف التتار والمغول. لقد أوقفوا بحكمتهم وإخلاصهم تدمير العالم وخراب الحضارة الإنسانية، وأعادوا بناء الإسلام المهدم، وغيروا خريطة العالم بأحسن بناء، لقد بدلوا التدمير بالتعمير، والظلام بالتنوير، والتعاسة بالسعادة، والوثنية بالربانية، أجل، لقد قلبوا وحوش العالم بشراً طيبين، وشياطينه ملائكة مباركين، وأعداء الإنسانية والمسلمين إخوة متحابين.

أيها الإخوة الأفاضل !

المسؤولية مشتركة، فالحكومات مسئولة عن ضعف المسلمين، والعلماء مسئولون عن جهل المسلمين وتخلفهم، فعلى الفريقين أن يتلاقيا ويتعاونا، ((الإسلام والسلطان أخوان توأمان، لا يصلح واحد منهما إلا بصاحبه، فـالإسلام أسٌّ والسلطان حارس، وما لا أُسَّ له يهدم، وما لا حارس له ضائع))(رواه الديلمي عن ابن عباس، كنز العمال 6/10). ولقد طلب منا ربنا عز وجل ذلك فقال: {وتعاونوا على البر والتقوى}(سورة المائدة: [ الآية: 2 ].). وقال: {واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا}(سورة آل عمران: [ الآية: 103 ].). ولابد لي من القول: إن قابلية العالم الإسلامي لتطبيق الأحكام الإسلامية ليست متساوية، فبناء تنفيذ الأحكام الشرعية يتطلب أرضية الإيمان المهيأة لقبول الأحكام، مع إعداد الوسائل الكافية لتهيئة النفوس، لتطبيق أحكام الشرع الإسلامي. وهكذا خطط القرآن لبناء كيان الشرع الشريف في إقامة مسيرة الحياة الإنسانية.

إن النبي الكريم، صلى الله عليه وآله وسلم، أقام أولاً دولة الإيمان القلبي والأخلاقي في النفوس والأرواح، وبنى الحكمة في العقول والأفهام، وصنع أبطال الدعوة والنضال والبناء، وهكذا وصف القرآن الكريم المجتمع الإسلامي فقال: {رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار}( سورة النور: [ الآية: 37 ].). وأقام على هذا الأساس المتين من العقيدة والصلة بالله تطبيق الأحكام الشرعية، ووضع بذلك نواة الدولة العالمية، التي لا تعرف الحدود ولا السدود، ولا تميز بين الألوان والجنسيات إلا بالتقوى، أي بالعلم والعمل، أجل، فالعلم للجميع، والعدل للجميع، والسعادة للجميع، عالم واحد موحد ؛ عقلاً وعقيدة، أهدافاً وغايات، إنه الرحمة للعالمين: {إن هذه أمتكم أمةً واحدةً وأنا ربكم فاعبدون}(سورة الأنبياء: [ الآية: 92 ].).

أيها الإخوة الأفاضل ! إن إيجاد الأرضية الصالحة لتطبيق أحكام الله، أمنية كل مؤمن، كما أنها أمنية كل إنسان، ولكن ((ليس الإيمان بالتمنّي ولا بالتحلي، ولكن هو ما وَقَرَ في القلب وصدقه العمل))(رواه ابن النجار، والديلمي في الفردوس عن أنس ( كنز العمال 1/25 ).). وإن الله تبارك وتعالى إذا أراد أمراً هيأ أسبابه، وهو القادر على كل شيء. {إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون}( سورة يس: [ الآية: 82 ].). وعلى ذلك يهييء الله الأسباب لإيجاد المسببات. فكيف يصل المخلوق الضعيف إلى غاياته بلا مقدمات صحيحة وبلا أسباب معقولة صادقة ؟ إن رجاء تحقيق الأماني موقوف على إيجاد أسسها وأصولها، وعلى شق طرقها وتعبيدها، فعند ذلك ينقلب الأمل رجاء، والأمنية حقيقة وواقعاً، قال الله تعالى: {إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله، أولئك يرجون رحمة الله والله غفور رحيم}(سورة البقرة: [ الآية: 218 ].).

فالواجب يقضي على من يملكون الوسائل أن يهيئوا لــحكماء وعلماء المسلمين العاملين المخلصين الذين يرجون الله والدار الآخرة البعيدين عن التعصب والجمود، العارفين بزمانهم ومكانهم، أن يقدموا لهم ما يملكون من الوسائل، وهم بالمقابل يقدمون ما يملكون من طاقات، ضمن برنامج محدد الزمان والخطوات والواجبات ؛ لتنقلب الأمنية رجاءً محققاً، والغاية حقيقة ملموسة مشاهدة. وإلا فسيبقى العمل نكسة، والجهد والجهاد كارثة ونكبة، وما دروس معارك أحد وحنين عنا ببعيد.

إن حراثة الأرض أولاً، وتنقيتها ثانياً، وبذرها ثالثاً، وسقايتها رابعاً، وحمايتها خامساً، وتحديد الزمن سادساً، هذه المقدمات هي التي تعطينا حصاداً جيداً وغلة طيبة، وإنني لأقرر أن لا سعادة ولا نجاة ولا نصر ولا تحرير ولا خلاص للمسلمين، ولا سلام للعالم ولا نجاة للجميع، من محنهم وتخلفهم، بل ومن فنائهم بالسلاح النووي وغيره - الذي يتهددهم ويهدد الوجود الإنساني - إلا بتطبيق شريعة الله كما نزلت أخلاقاً وتزكية، حقاً وعدالة، دعوة ونضالاً، علماً وعملاً، فبذلك يكون السلام العالمي، والإخاء العالمي، والرخاء العالمي.

أيها السادة الأفاضل !

إن قطب الرحى في خلاص العالم الإسلامي من تخلفه وتمزقه، ومَعقدَ الرجاء لعودة العزة والمجد، الاتحاد إليه، والوسيلة الحقة في استعادة كرامته ومكانته التي بوأها الله للمسلمين متمثلة بقوله تعالى: {كنتم خير أمة أخرجت للناس}(سورة آل عمران: [ الآية: 110 ].). وبقوله: {وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس}(سورة البقرة: [ الآية: 143 ].). إن قطب الرحى والأساس الذي يبنى عليه هذا الأمل والرجاء هودور العلماء وكفاءتهم في حسن تحملهم هذه المسؤولية الخطيرة، في العودة بالعالم الإسلامي من خلال القدوة الحسنة، تربية وسلوكاً، وإيماناً وتطبيقاً، إلى سابق ما كان عليه في عصره الذهبي، ثم إعادة بنائه على قواعد الهندسة الربانية، التي شيدها على أصولها النبي الكريم، وآل بيته الطيبون الطاهرون، وصحابته الغر الميامين: {من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلاً}( سورة الأحزاب: [ الآية: 23 ].) الذين {رضي الله عنهم ورضوا عنه}(سورة المائدة: [ الآية: 119 ]، وسورة التوبة: [ الآية: 100 ]، وسورة المجادلة: [الآية: 22]، وسورة البينة: [ الآية: 8 ].)، والذين هم إخوة بعضهم أولياء بعض.

إن العمل على تجديد بناء العالم الإسلامي، بل وإنقاذ السلام العالمي، وتحقيق العدالة والسعادة في العالم لا يكون إلا بما قاله سيدنا عمر بن الخطاب في القدس الشريف لقائد جيشه: (نحن قوم أعزنا الله بالإسلام، ومهما نرد العزة بغيره يذلنا الله). وإلا بما ورد من أنه: (لن يصلح أمر هذه الأمة إلا بما صلح عليه أولها).

إن المسئول الأول عن كل هذا هم العلماء العاملون، والحكام المسلمون، الذين ورثوا ونابوا عن النبي الكريم فقه البناء والترميم عند خراب المجتمع وإعادته إلى جوهره الأصيل، وذلك بالاعتماد على نهج القرآن والسنة النبوية. فإن رسولنا الأعظم أقام المجتمع الإسلامي، وبنى الدولة بمنهج الله تعالى في مدة عشرين سنة، فحقق أمة واحدة ودولة عزيزة، وعقيدة راسخة، شعّت شمسها على العالم أجمع، ولم يقع من الضحايا في سبيل ذلك أكثر من خمس مئة شهيد وقتيل، وتابع صحابته والمسلمون معهم المسيرة، وعلى نفس المنهج، فاستطاعوا أن يحرروا نصف العالم ويوحدوه ؛ عقيدة وسياسة، ديناً ودولة، في أقل من نصف قرن. كما أن مخلصي الدعاة في العصور الأخيرة استطاعوا بقوة الدعوة وبالحكمة والإيمان الحي وبلا سيف ولا سنان، أن يفتحوا قلوب الشعوب وعقولهم - في الشرق الأقصى وأفريقية وآسية وغيرها - ويعمروها بالحب والأُخُوَّة، وبالجنسية الإيمانية، وبمدة وجيزة، وما ذلك إلا بما حملوا من علم وحكمة، وقلوب مليئة بنور الله وخشيته.

أيها السادة والإخوة الأفاضل !

إن الأجيال الإسلامية في عصرنا لفي لهفة لرؤية قائدها الملتزم بالإسلام، وعالمها الحكيم الذي يتقن غرس الإيمان العملي الحكيم، وحينما فُقدت القيادة العلمية والعملية تسلط الاستعمار الغاشم على شعوبنا الإسلامية ؛ فبدد وحدتها، واستلب خيراتها، وزرع الشوك والفرقة بين صفوفها، فلو توحدت القيادة الإسلامية، والتعليم الرباني، لكان المصير الحتمي {وكان حقاً علينا نصر المؤمنين}(سورة الروم: [ الآية: 47 ].)، وعندها يتحقق الضمان الرباني القائل: {ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً}(سورة النساء: [ الآية: 141 ).

نعم إن العالم الإسلامي اليوم، يعيش أزمة حادة، ألا وهي فقدان هذه النوعية من العلماء، ويشهد المسلمون الخراب في مصانع الدعاة وضعف برامج التربية والتعليم في الكثير منها، ومحاربة أصحاب الكفاءات من أهل هذه الصناعة الربانية.

أيها السادة الأفاضل !

إن الكثير من علماء الدين الإسلامي، والمشرفين على الجمعيات والحركات الإسلامية، يحتاجون إلى دورات تدريبية تعليمية، وإلى مناهج دراسية يكملون بها المعرفة الإلهية، والعلم الرباني، الذي يرشحهم لخلافة النبوة المحمدية، وميراث العلم الإلهي، وإلى الحكمة بقسميها العلمي والعملي حتى يتحقق للوارث ما قام به الموروث، وليعمل الوكيل ما كان قد عمله الأصيل.

إن المسلمين اليوم ليسوا في أزمة جهل بكيفية الوضوء أو الطهارة أو أعمال العبادات الجسدية ؛ من صلاة وصيام وحج وتلاوة للقرآن، بل إن المسلمين في أشد الحاجة إلى فقه وحدتهم في قوله تعالى: {إن هذه أمتكم أمة واحدة}(سورة الأنبياء: [ الآية: 92 ].). المسلمون الآن بحاجة إلى فقه قوله تعالى: {ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم}(سورة الأنفال: [ الآية: 46 ].). المسلمون الآن بحاجة إلى فقه {إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً كأنهم بنيان مرصوص}(سورة الصف: [ الآية: 4 ].). المسلمون الآن بحاجة إلى فقه {إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئاً}(سورة التوبة: [ الآية: 25 ].). إن المسلمين في أزمة فهم قوله تعالى: {وقاتلوا المشركين كافة، كما يقاتلونكم كافة}(سورة التوبة: [ الآية: 36 ].). إن المسلمين في جهالة من فقه قوله تعالى: {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة..}(سورة الأنفال: [ الآية: 60 ].). فهل في عالمنا الإسلامي اليوم العدد الكافي وبالكيفية المطلوبة من العلماء الأكفاء ليقدموا الدواء الشافي لعالمنا المريض.

إن المسلمين اليوم كلهم بخير، عامتهم وعلماءهم، جمعياتهم وتجمعاتهم، ولكن الكثيرين منهم فقراء إلى معرفة أسلوب مدرسة النبوة التي كان برنامجها: {يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة}(سورة آل عمران: [ الآية: 164 ]، وسورة الجمعة [ الآية: 2 ].). والتي كانت تُخرج فقهاء حكماء أدباء كادوا من فقههم أن يكونوا أنبياء.

إن طلاب العلم اليوم بحاجة إلى برنامج فقهي عملي تربوي فكري، هم بحاجة إلى ثورة تثقيفية تحررية، تحررهم من الجمود والتفرقة المذهبية، هم بحاجة إلى ثقافة وفقه إسلام الحياة، إلى فقه القرآن والسنة ؛ علماً وعملاً، أخلاقاً وسلوكاً، قلباً وقالباً، ومن الواجب علينا نحن علماء الإسلام أن نعرف كيف نستفيد من صحوة المسلمين المعاصرة، وأن نعلم أن الفرصة إذا أهملت ضاعت، ولن ينتظر الطير صياده لليوم الثاني، وكان صلى الله عليه وآله وسلم لا يؤخر عمل اليوم إلى غد.

أيها السادة والعلماء الأفاضل !

ليس العالم الإسلامي وحده في صحوة، بل كل العالم المتمدن في صحوة، بل في تفتيش وبحث عن الحقيقة، وها نحن نسمع ونرى أن أشراف القوم وكبار علمائهم وفلاسفتهم يعتنقون الإسلام، وبكل عمق وإخلاص، ويقومون بالدعوة إليه ؛ وبالحكمة والبرهان. وإذا رأينا الملحد منهم فإنما كان إلحاده بخرافات وأباطيل سميت له ديناً، فرفضها ولكن لم يجد البديل.

لقد زرت معظم العالم الغربي والشرقي، وحاورت الكثير من رجال السياسة، وكبار العلماء في مؤتمرات دولية، والتقيت بأساتذة الجامعات ورجال الدين، وعلى اختلاف مذاهبهم وعقائدهم، فما رأيت إلا أبواباً مفتحة، وطرقاً معبدة، لوحدة العالم وسلامه، من خلال الإسلام وتعاليمه، نعم، وبدون غرابة، أقول وأقصد إسلام القرآن، الإسلام الذي دعا إليه سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، بأقواله الحكيمة، وأفعاله المخلصة الرصينة، ونضاله الصادق المخلص.

وأخيراً... أقول استعدوا للمسؤولية أيها العلماء الأماثل(أماثل القوم: خيارهم ( مختار الصحاح: مثل ). ) ! استعدوا للمحاكمة الربانية في محكمة قاضيها الله جل جلاله ! وأول الشهود علينا، سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ثم أعمالنا وجوارحنا، {يوم لا ينفع مال ولا بنون * إلا من أتى الله بقلب سليم}(سورة الشعراء: [ الآيتان: 88، 89 ].)، في يوم لا ظلم فيه ولا جور، بل {كل نفس بما كسبت رهينة}(سورة المدثر: [ الآية: 38 ].)، {يوم تبيض وجوه وتسود وجوه}(سورة آل عمران: [ الآية: 106 ].)، وفقنا الله جميعاً للخير، هو مولانا، فنعم المولى ونعم النصير، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

والحمد لله رب العالمين