رسالة مفتوحة للسادة ملوك ورؤساء بلدان العالم الإسلامي بمناسبة انعقاد مؤتمر القمة الإسلامي الثامن في طهران
رسالة مفتوحة للسادة ملوك ورؤساء بلدان العالم الإسلامي بمناسبة انعقاد مؤتمر القمة الإسلامي الثامن في طهران

رسالة مفتوحة من سماحته للسادة ملوك ورؤساء وأمراء وممثلي بلدان العالم الإسلامي بمناسبة انعقاد مؤتمر القمة الإسلامي الثامن في طهران خلال الفترة 9 - 11/12/1997م

1997-12-11

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين:

السادة رؤساء وملوك وأمراء بلدان العالم الإسلامي:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

بمناسبة اجتماعكم في مؤتمر القمة الإسلامي الثامن المنعقد في طهران، أتوجه إلى الله تبارك وتعالى، أن يحيطكم برعايته وتأييده ورحماته ونفحاته، ليلهمكم القرارات المصيرية، التي تحقق خروج أمتنا الإسلامية من وضعها الراهن الصعب، ولتنفض عن كاهلها غبار التخلف، وتبدأ مسيرتها المرتقبة للمشاركة في صناعة الحضارة الإنسانية في القرن الواحد والعشرين.

وإن أول المهام التي تستوجب الرعاية والاهتمام، ترك الخلافات الجانبية، والصراعات الشخصية، والتوجه لتوحيد الطاقات والجهود، للدفاع عن الحقوق المغتصبة لأمتنا، وتحرير الأرض والمقدسات.

وإن تحقيق مثل هذا الهدف الكبير، ليحتاج إلى إعادة تكوين الإنسان المسلم على القواعد الصحيحة، والمتمثلة في منهج الله تبارك وتعالى في القرآن الكريم والسنة المطهرة.

إن تحرير إرادة الشعوب، والتنمية البشرية، وتكوين الإنسان صانع الحضارة، من أكبر الأسس لبناء الحضارة والازدهار، فالإنسان صانع الحضارة، هو الثروة الحقيقية للأمم والشعوب، وليس أدل على ذلك مما نشاهده اليوم من تفوق واضح لشعوب في عالمنا المعاصر، لا تملك من الثروات الطبيعية شيئاً، بينما تتركز ثروتها الحقيقية في إنسانها الذي خضع للتنمية البشرية، وفق قواعد أخلاقية وعقلانية تنسجم وحال تلك الشعوب.

إن الإسلام بما يملك من طاقات إيمانية وأخلاقية وعقلانية ومنهج حياة، يملك القدرة على صناعة الإنسان المسلم الذي ننشده في عصرنا الحالي، وذلك ممكن إذا أعطيت الفرصة لعلماء الأمة وحكمائها، وتوفرت الإرادة لدى قادة هذه الأمة.

إن قراءة تاريخية لمسيرة هذه الأمة في الماضي والحاضر، وما نشاهده من نماذج معاصرة ناجحة وملفتة، تؤكد أن سلاح الإيمان إذا استخدم وفق المنهج الرباني، فسيحقق ما يعتبره البعض من المعجزات، حسب الاعتبارات المعمول بها في عالمنا المعاصر، وهو ما نراه واضحاً جلياً من خلال إنجازات المقاومة الإسلامية في جنوب لبنان، وفي الأرض المحتلة، هذه المقاومة تستحق كل الدعم والتأييد والمساندة حتى تحقق أغراضها بتحرير الأرض المغتصبة من العدو الإسرائيلي، كما تستحق سورية كل الدعم والتأييد المادي والمعنوي لمساندتها نضال المقاومين، ولموقفها في عملية السلام، المستند إلى العدل وإعادة الحقوق المغتصبة وعدم التفريط بالأرض.

إن سلاح الإيمان إذا تم توظيفه بشكل صحيح في بناء أمتنا، فسيطوي مسافات كبيرة في السباق الحضاري المعاصر، الذي يفصل بيننا وبين الشعوب الأخرى، التي حققت سبقاً مادياً واضحاً على غيرها من الشعوب والأمم، وذلك بسبب الطاقة الجبارة المتولدة عن حقيقة الإيمان عندما تسري مسرى الدم في وجود الكائن البشري.

وإذا كنا نشاهد اليوم على الساحة الإسلامية ممارسات خاطئة تحمل شعارات إسلامية، فالحقيقة التي لا ينتابها الشك، أن هذه الأعمال مخطط لها لتشويه الإسلام وإبعاده عن ساحة البناء والتقدم، وهذا ما يريده أعداء أمتنا الإسلامية، وذلك متخلفة ضعيفة، خوفاً على ضياع هيمنتهم على الشعوب المستضعفة، وتأكيداً على شل قدرتها في النهضة والتقدم.

وإنني أمام ما نشاهده من العنف والإرهاب والإجرام المنسوب للإسلام والإسلام من ذلك براء....أدعو قادة الأمة الإسلامية أن يعطوا علماء وحكماء هذه الأمة الفرصة لمعالجة هذه الظواهر المدانة، فالجهل يعالج بالعلم - وأهل مكة أدرى بدروبها...- وعلينا أن نترك مساحة كافية للتعبير الحر، للعمل الإسلامي الناضج والصحيح، حتى يستطيع ملء الساحة وتغطية الثغرات، وعلينا تجنب العنف المضاد وكل ما يمكن أن يستفز مشاعر جماهير المسلمين في جميع المجالات، وخاصة الإعلامية والفكرية، وعلى الأخص ما يلامس المعتقدات، حتى لا يقوم المتطرفون بتوظيف ذلك في غسل أدمغة الشباب لتجنيدهم في تياراتهم العنيفة.

يا ملوك ورؤساء المسلمين:

إن حاضر الأمة الإسلامية ومستقبلها بين أيديكم، بل إن مستقبل الحضارة الإنسانية بين أيديكم.

فإذا وعينا جميعاً واجبنا الإسلامي في أداء حق الإنسان في كل العالم، وذلك بالتعرف على حقيقة الإسلام، وإعادة شبابه ونضارته إليه بتصحيح السير، وإزالة ما لحق به من أخطائنا، ونشر علومه ومبادئه في العالم كله، وهو أحوج ما يكون إليه، فإن العالم مهيأ لحمل رسالة الإسلام والسلام والمحبة، والعيش المشترك السعيد لكل أبناء البشرية في ظلال الإيمان بالله تعالى.

وإنني أغتنم هذه المناسبة لدعوة الملوك والرؤساء والأمراء للعمل على توظيف جزء من قنواتهم الفضائية للتعريف بالإسلام، أو بناء محطة فضائية تلفزيونية متخصصة للتعريف بالإسلام باللغات العالمية الحية، يُختار لها حكماء العلماء، الذين يجيدون التعريف بالإسلام بالحكمة والموعظة الحسنة، كما أدعوهم لتأسيس جامعات ومعاهد إسلامية، ودعم الموجود منها ؛ لتخريج العلماء العاملين، والدعاة والداعيات، الذين يفهمون الإسلام بجوهره وحقيقته بعيداً عن التعصب والتطرف.

يا ملوك ورؤساء المسلمين:

إنني أناشدكم باسم الإسلام والمسلمين، أن تعملوا على الأخذ بمنهج الله تبارك وتعالى لإعادة إحياء هذه الأمة وبعثها من ثباتها، لاسيما أننا جربنا برامج كثيرة، شرقية وغربية، فما أغنت عنا شيئاً.

علينا أن نبدأ بأداء وتحقيق هذا الواجب، وهذه مسؤوليتنا المقدسة بين يدي الله تعالى، وسيقف كل واحد منا بين يديه، لا ملك ولا سلطان ولا ثروة ولاجاه {يوم لا ينفع مال ولا بنون * إلا من أتى الله بقلب سليم}(سورة الشعراء: [ الآية: 88 - 89 ]. ).

{وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون}( سورة التوبة: [ الآية: 105 ].).

وفقكم الله تعالى لخير المسلمين وأبناء البشرية أجمعين.

والحمد لله رب العالمين