الإسلام يزحف نحو أوربا
الإسلام يزحف نحو أوربا

ليس بعجيب أن نشهد حماسة بالغة وغيرة متدفقة من صحافية أجنبية على الإسلام والقرآن. وإذا كان الأمر كذلك أفلا ينبغي لنا معشر المسلمين أن ننهض بالإسلام نهضة نواصل فيها عمل الليل بالنهار.

1961-01-04

قال الله تعالى:

{يا أَيُّها الذين آمَنُوا مَنْ يَرتدَّ منكُمْ عَنْ دِيْنه فَسوفَ يأتي اللهُ بقومٍ يُحبُّهم ويُحبُّونَه} [المائدة الآية: 7].

«أيها النبي العربي» ما أعظمك وأجلك يا رسول الله. ما هذه الرسالة الإلهية التي هبطت عليك من السماء، أي شريعة ربانية هذه التي شرفت بها العالم العربي، بل والعالم البشري كلما مرت العصور وتكررت الأعوام والقرون، لا تزداد شريعتك إلا ارتفاعاً وتألقاً. وأي فحص يدخله الإسلام والقرآن لا يلبيه إلا سباق وتفوق.

مؤتمرات دولية وندوات علمية يا رسول الله يا محمد بن عبد الله، ومستشرقون وفلاسفة، وكتاب علماء، وبعد دراسة وجهد، وتنقيح الخبير الناقد، وبيقظة العليم المتحفظ، كل هؤلاء يخرجون من دراسة القرآن والإسلام، مطأطئين رؤوسهم لعظمة القرآن بل وكثير منهم ما وسعهم إلا أن يــعــتــنــقــوا الإسلام فرحين بالدين الجديد ومغتبطين وعاملين به، وفي طريق نشره والدعوة إليه مجاهدين ومكافحين.

يا نبي العروبة، بل يا رسول السلام والإسلام، أيها الداعي إلى الإخاء العام. إلى الحرية. إلى العدالة. إلى العلم والمعرفة. ها هي أوربا التي كانت لزمن قريب، بإجماع تعاديك، وتحارب قرآنك ودينك. أوربا اليوم غيرها بالأمس، فقد بدأت تنفض غبار التعصب من نفسها، وتفتح عينيها، ها هي أوربا الآن، ببناء المساجد، وتلاوة القرآن، وترجمة معانيه إلى لغاتها الحية، وتعمل على نشر الإسلام بين أبنائها، هذا ما رأيته بعيني عندما زرت أوربا العام الماضي. إسلام في ألمانيا وفي سويسرا وفي كل بلد أوربي. إن الأوربيين رأوا في الإسلام دين العقل والمنطق رأوا فيه، كل ما تهفوا إليه النفس الإنسانية، وكل ما يؤمن به العقل السليم من مبادئ صحيحة، وأخلاق قويمة كريمة. رأوا فيه حلاً لكل مشاكل حياة الإنسان. بل رأوا فيه مسيحية مكرمة محترمة. هذه بشائر ما تنبأ به الفيلسوف الإنكليزي الشهير (برناردشو) حيث يقول: (إنه لا يمضي قرن واحد، حتى يعم الإسلام أوربا بكل أرجائها ومعه لغة الضاد) .


أيها الإخوة:

زارتني صباح الجمعة الماضي، سيدة صحفية أوربية هولندية عمرها حول الستين عاماً، كانت لغة التفاهم بيننا الإنكليزية، بواسطة بعض الأحبة. استبدلت اسمها القديم (الهولندي) «زمرمان» باسم جديد وهو (ناصره) هذه الصحفية الهولندية اعتنقت الإسلام منذ سنين، بعد دراسة مضنية وتتبع دقيق، ثم ترجمت معاني القرآن من الإنجليزية إلى اللغة الهولندية، وترجمت أيضاً أربعة آلاف حديث نبوي، ثم قامت بنشر دعوة الإسلام بين أبناء قومها، وأسلم على يدها العشرات من مواطنيها، وذكرت أنه يوجد الآن في هولندة، قرابة خمسمائة هولندي مسلم. اعتنقوا الإسلام ويعملون على نشره والدعوة إليه، لم أستغرب من هذه السيدة الأوربية وقد درست الإسلام درساً صحيحاً، وفهمته فهماً كاملاً، لم أستغرب منها حماستها الملتهبة للإسلام، ولم أستكثر عليها ثورتها العارمة في الدعوة إليه، وبذلها كل ما تملك التعريف بالقرآن ومبادئه، لأن هذه الصفات ـ صفات طبيعية لكل من عرف الإسلام عن كثب ويقين ـ بل لم أستغرب من هذه السيدة حيث ذكرت، أنها كانت السبب في رجوع زوجة أحد سفرائنا العرب في بلدها إلى التمسك بأهداب الإسلام العملي والتدين الفعلي. بل لم أستغرب منها، اشمئزازها من المسلمين، وقد زارت كثيراً من البلدان الإسلامية، لم أستغرب اشمئزازها من جهل كثير من المسلمين بإسلامهم، وتركهم العمل به وتنفيذ أحكامه، واستبدالهم آياته البينات، وأحكامه النيرات، بأوهام وخرافات. لقد شاركت هذه السيدة حزنها العميق، وتأثرها البالغ، حين ذكرت أن المسلمين، لا يطبقون الإسلام العملي، وهم في إعراض عنه وزهد فيه، إن لم يكن عند البعض محاربة له بسبب الجهل به.

وبالرغم من محاولتي إقناعها، بأن معظم ضعف الإسلام في البلدان الإسلامية، مرده إلى كيد الاستعمار، في تهديمه للإسلام ومحاولته تخريب عقيدته وتشويهه في نفوس الجيل الجديد، بما يبثه من سموم ودعايات سيئة مشوهة، بالرغم من كل هذا لم أستطع إلا أن أعترف لهذه السيدة الأوربية المسلمة بتقصير المسلمين في الماضي، وأبشرها بمطلع فجر إسلامي جديد في الحاضر، وبعث قرآني حي، ولكن مع كل هذا، ذكرت لي الحديث النبوي الصحيح، «إن من علامات الساعة والقيامة، شروق الشمس من مغربها»(أول الآيات طلوع الشمس من مغربها، الطبراني). وقالت لي أنا لا أفهم لهذا الحديث معنى، إلا أن أوربا ستعتنق الإسلام عن دراسة وفهم، وتحقيق وعلم، ثم تـــبــزغ شمس الإسلام من المغرب الأوربي إلى المشرق العربي والإسلامي، فقلت لها: إن كان للإسلام في الماضي شمس واحدة أشرقت من المشرق العربي، فسيكون للإسلام في عصرنا شمسان، شمس من المغرب الأوربي وشمس من المشرق العربي والإسلامي.

(أيها الإخوة)

ليس بعجيب أن نشهد حماسة بالغة وغيرة متدفقة، من صحافية أجنبية على الإسلام والقرآن، لأني كلما ذكرت أن هذا أمر طبيعي، لمن فهم الإسلام وعرفه، وإذا كان الأمر كذلك، أفلا ينبغي لنا معش العرب، والمسلمين، أن ننهض بالإسلام نهضة جبارة، نواصل فيها عمل الليل بالنهار، ونبذل الجهود والأموال، والنفس والنفيس، لنعيد للإسلام أمجاده، وندرسه ونعمل به دراسة وعمل المسلمين الأولين، والعرب المؤمنين من الصحابة المجاهدين، حتى نستعيد مجدنا الضائع، ووحدتنا المفقودة؟

أيها الإخوة:

إن الإسلام الحقيقي، دراسة صحيحة وثقافة كاملة وتربية روحية في الأعماق وأخلاق فاضلة رضية في الأعمال، والمعاملات، وإني لعلى يقين أثبت من الجبال الراسية أننا لو هيأنا لكل بلد أوربي، خمسين مرشداً إسلامياً، وداعياً قرآنياً، يعرضون الإسلام قولاً وعملاً، وخلقاً وسيرة، أننا لو فعلنا ذلك، لأحدثنا انقلاباً عالمياً إنسانياً نحو الإسلام. بل ولأسدينا للعالم أجمع أفضل خدمة وأجل إحسان، ولجعلنا الأمم المختلفة أمة واحدة، ولصار أبناء الأمم لنا أشقاء وإخواناً كما ذكر القرآن العظيم في قوله.

{وإنَّ هذه أمتكم أمةً واحِدَة وأنا ربُّكُم فاتَّقُون} [المؤمنون الآية: 53].

ولبدلنا الخوف أمناً، والظلم عدالة ورحمة، ولأعدنا التاريخ العربي الإسلامي الإنساني أفضل وأعز مما كان، وحينئذ تصبح الأرض والدنيا الجنة الصغرى للإنسان، قبل الانتقال إلى الجنة الكبرى في جوار الرحمن.

(إخواني وأخواتي)

لا بأس على الجاهل أن لا يعلم، ولكن أكبر عيب على الإنسان أن لا يتعلم أو أن يعادي ما يجهل، أو أن لا يعمل بما يعلم، وإذا علم المسلم وعمل أوجب عليه الإسلام، أن ينشر ويدعو إلى ما علمه وفهمه.

و إلا فاستمعوا أيها الإخوة إلى قول الله تعالى:

{يا أَيُّها الذين آمنُوا منْ يرْتَدَّ منْكُم عنْ دِينِه فَسوفَ يأتي اللهُ بِقَومٍ يُحبُّهم ويُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ على المؤمنين، أَعِزَّةٍ على الكافرين، يُجاهِدوْنَ في سَبيلِ اللهِ ولا يخافونَ لَومةَ لائِم ذلكَ فضلُ اللهِ يؤتِيهِ منْ يشاء واللهُ واسعٌ عليم} [المائدة الآية 57].

وقال الله أيضا{وإنْ تَتَولَّوْا يسْتَبْدِلْ قَوماً غَيرَكُمْ ثم لا يكونوا أمثالَكُم} [سورة محمد الآية 38].