ثمرات التدين
ثمرات التدين

لم تزل عناية الله ومعونته ترافق المسلمين والعرب في كل ميدان ومعركة حتى آثروا الدنيا على الآخرة وانغمسوا في شهوات الجسد ولذائذه وركنوا إلى الكسل وتركوا العمل واستبدلوا الهمم العالية بأماني باطلة. فوقعوا في قبضة الاستعمار. فجعلهم شيعاً وأحزاباً ومزقهم إلى دويلات وشبه حكومات.

1961-03-29

أيها الأخ الكريم:

هل تعلم ما هو الدين وما هي حقيقته. وما هي الأعمال التي يطلبها الدين منك حتى تسمى مؤمناً حقاً. وهل تعلم ما هي الثمار التي ستجنيها من شجرة الدين. إذا أحسنت سقايتها وتغذيتها وحرستها من إفساد المفسدين وتخريب المخربين.

إن الدين يا عزيزي الكريم، برنامج وضعه خالق الكون الذي أوجد في سمائنا ومجراتنا ألفاً وخمسمائة مليون نجم، ما أ رضنا التي نعيش عليها إلا أصغر الكواكب وأحقرها بالإضافة إلى مليوني مجرة عدد نجومها كنجوم مجرتنا إن لم تكن أعظم وأكثر. قدر عدد نجوم المجرات في الفضاء بعدد الرمل على عمق مائة متر في مثل مساحة إنكلترا ومع كثرة هذه النجوم فلا اصطدام بينها، لأن نسبة هذه العوالم لفضاء الكون كنسبة عشرة نحلات يطفن في أرضنا هذه، فالدين يا أخي تشريع سماوي أنزله خالق هذه العوالم لضمان سعادة الإنسان وهنائه وأمنه واستقراره، الدين فرض على الإنسان عمل كل نافع ومفيد، وحرم وحظر عليه عمل كل ضار ومؤذ للفرد أو المجتمع من قريب أو بعيد، الدين يا أخي ثقافة وعلم ودراسة وفهم. الدين صحة ونظافة، وعزيمة وهمة لا نعرف الملل ولا السآمة. قال صلى الله عليه وسلم: «الدين النظافة» وقال أيضاً: «لا راحة لمؤمن دون لقاء وجه ربه» الطبراني عن ابن مسعود.

أيها الإخوة:

الدين قوة وعمل، وتفاؤل وأمل، وعزيمة لا تعرف الكلل، قال الله تعالى: {وأعِدُّوا لهم ما استَطَعْتُمْ من قُوَّة} [الأنفال الآية: 61].

وقال أيضاً:

{وقُل اعمَلوا فسَيرَى اللهُ عملَكُمْ ورَسُولَه والمؤْمِنُون}[التوبة الآية: 106].

وقال في الحديث القدسي: (أنا عند حسن ظني عبدي بي، فليظن بي الظن الحسن) الديلمي في الفردوس.. نعم ظن حسن، وتفاؤل جميل، ولكن مع تهييء الوسائل والأخذ بالأسباب، قال النبي الكريم: «إذا أراد الله أمراً هيأ أسبابه» وقال الفاروق عمر: (لا يقعد أحدكم عن اكتساب الرزق ويقول يا رب يا رب. فإن السماء لا تمطر ذهباً ولا فضة).

أيها الإخوة:

الدين صدق ووفاء، ومحبة وإخاء وتعاون وتعاضد قال صلى الله عليه وسلم : «ثلاث من كن فيه كان منافقاً خالصاً وإن صام وإن صلى وإن زعم أنه من المسلمين، من إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان» البخاري ومسلم..

وقال أيضاً: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» رواه الخمسة عن أنس. وقال أيضاً: «المؤمنون في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كالجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى» الإمام أحمد في مسنده. وفي حديث آخر: «من مشي مع مظلوم حتى يثبت له حقه، ثبت الله قدمه على الصراط يوم تزل الأقدام، ومن يسر على معسر في الدنيا يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه» مسلم وأبو داود والترمذي.. وقال أيضاً: «على كل مسلم صدقة، قيل أرأيت إن لم يجد؟ قال يعمل بيديه فينفع نفسه وينفع الناس ويتصدق، قيل أرأيت إن لم يستطع؟ قال يعين ذا الحاجة الملهوف. فإنه من مشى في حاجة أخيه حتى يقضيها غفر الله له وإن هلك فيما بين ذلك دخل الجنة» الشيخان وابن أبي الدنيا.

الدين أيها الإخوة:

نصيحة وأمانة لا غش ولا خيانة، ثقة متبادلة، واطمئنان وراحة لا أطماع ولا أحقاد، ولا تدليس ولا تمويه، المتدين يعامل الناس كما يحب أن يعاملون والدين لا يسجل الإنسان في سجلاته ، حتى يطمئن الناس إلى معاملاته، ويأمنوا شروره وإفساده قال صلى الله عليه وسلم: «الدين النصيحة»(([8]) مسلم.، وقال أيضاً: «لا إيمان لمن لا أمانة له»([9]) الطبراني عن ابن عمر.، و«من غش فليس منا»(([10]) الترمذي عن أبي هريرة.، وقال أيضاً: «لا يؤمن أحدكم حتى يأمن الناس بوائقه ـ أي غدره ومكره ـ».

أيها الإخوة:

الدين جهاد ونضال، وحرية واستقلال، وكفاح للظلم وللاستعمار. قال تعالى:

{إنَّ اللهَ اشترى من المؤْمِنينَ أَنْفُسَهُمْ وأمْوالَهُمْ بِأنَّ لهُمُ الجَنَّة يُقاتِلُون في سبيل الله فيَقْتُلُون ويُقْتَلون وَعْداً عليه حقاً في التَّوراةِ والإنجيلِ والقُرْآنِ وَمنْ أوفى بِعَهْدِهِ من الله فاسْتَبْشِروا بِبَيْعِكُمُ الذي بايَعْتُم بِه وذلك هُو الفَوْزُ العَظيم} [التوبة الآية: 112].

أيها الإخوة:

الدين ثروة ومال، ورخاء وحسن حال، وأمطار وأنهارـ، وجنان وأزهار، وشجعان وأبطال، وتزايد القوى في كل حال، قال الله تعالى:{استَغفروا ربَّكُم إِنَّه كانَ غَفَّاراً يُرْسِلِ السماءَ علَيْكُم مِدراراً ويُمْدِدْكُم بأَمْوالٍ وبَنينَ ويَجْعلَ لَكُم جنَّاتٍ ويَجْعَل لكُم أَنْهارا} [نوح الآية: 10].

وقال تعالى:{ويا قَومي اسْتَغفروا ربَّكُم ثُمَّ تُوبوا إليهِ يُرسلِ السَّماءَ عليْكُم مِدراراً ويزِدْكم قُوَّةً إلى قوّتِكُم ولا تَتولوا مُجرِمينْ} [هود الآية: 52].

أيها الإخوة:

هذا هو الدين نظرياً وعملياً، وقد طبقه آباؤنا الأولون عملياً وتنفيذاً، فهل قطفوا من أشجاره الباسقات، أطيب الثمرات، وأشهاها، ومن الحياة أعزها وأعلاها، ومن القوة والعظمة أمتنها ومنتهاها.

لقد فهم آباؤنا الأولون، غاية الدين وأهدافه، من قول النبي الكريم: «إنما بعثت معلماً إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق»([11]) أحمد والحاكم عن أبي هريرة.، فكانوا العلماء الراسخين، والمتعلمين المجدين، والرحماء العادلين المقسطين، كانوا متدينين علماً وعملاً ، وكانت بغداد ودمشق، والقاهرة والأندلس ، يقصدها ويؤمها طلاب العلم من أنحاء البلاد، كما يذهب في عصرنا الحاضر إلى أوربا وأمريكا لارتياد العلم واكتسابه أبناء شعوب الدنيا.

ولم تزل عناية الله ومعونته ترافق المسلمين والعرب، في كل ميدان ومعركة، حتى آثروا الدنيا على الآخرة، وانغمسوا في شهوات الجسد ولذائذه وركنوا إلى الكسل وتركوا العمل. استبدلوا الهمم العالية والعزائم الماضية، فجعلهم شيعاً وأحزاباً، ومزقهم إلى دويلات وشبه حكومات لكل دويلة علمها، ولكل شعب جنسية، اليمني أجنبي في ا لحجاز، والحجازي أجنبي في العراق وهكذا..

بينما العرب عندما كانوا تحت راية القرآن، لا دستور لهم ولا قانون إلا القانون والإسلام، كانت بلادهم ودولتهم رقعة واحدة. من تخوم الصين إلى تخوم فرنسا، علم واحد وجنسية واحدة، وميزانية واحدة، يتجول العربي والمسلم من الحجاز إلى بغداد إلى إيران إلى الأفغان إلى الهند والصين والباكستان، من اليمن إلى سوريا إلى مصر والسودان إلى الجزائر ومراكش وإسبانيا، إلى البلقان، لا يرى العربي والمسلم نفسه في كل هذه البلدان أنه أجنبي فيها أو غريب عن أبنائها. بل يرى كل هذه البلدان أوطانه، وسكانها إخوته، جيشها واحد وعلمها متحد، كل ذلك حصل عليه العرب بفضل القرآن والإسلام علماً ودراسة وعملاً وتطبيقاً فهل للأبناء أن يترسموا خطا الآباء، وهل للأحفاد أن ينهجوا منهج الأجداد، وحينئذ يصدق فيهم قول الشاعر:

بأبه اقتدى عدي في الكرم
ومن يشابه أبه فما ظلم


وتنفعهم حينئذ نصيحة النبي الكريم:

«لن يصلح أمر هذه الأمة إلا بما صلح عليه أولها»

والسلام.