الإيمان بالله باب السعادة
الإيمان بالله باب السعادة

إن الإنسان لا تتحقق إنسانيته الحقة ما لم يحصل على شهادة الإيمان الصادق بالله.فها نحن نرى العالم على حافة هاوية والهلاك بسبب الجشع والأطماع التي تلعب في رؤوس قادة الغرب والشرق.. الصواريخ عابرة القارات تكدس لتدمير الكرة الأرضية ومن عليها.

1961-04-05

أيها الإخوة:

كل شيء في هذا الوجود، له حقيقة وجوهر، وكل حقيقة لا بد لها من مميزات، وصفات، تميزها عن غيرها من الحقائق والذوات، وأعظم الحقائق أهمية في هذا الوجود للإنسان، هو الإيمان بالله وبوحيه السماوي، إذ على الإيمان الحقيقي بالله تتوقف سعادة الإنسان وهناؤه، وبالإيمان الحقيقي بشريعة الله ووحيه، يتحقق المسلم العالمي والعدالة المحلية، وبالإيمان الصادق بالله وبشريعته، يقنع الإنسان بحقه ويلجم النفس الأمارة بالسوء عن المطامع والتعدي على حقوق الغير، والإيمان الحقيقي، هو الذي يدفع صاحبه إلى حفظ حقوق الناس وأداء الأمانات إلى أهلها وأن يحب للناس ما يحب لنفسه.

إخوتي الأكارم:

إن الإنسان لا تتحقق له إنسانيته الحقة، بأي نوع من أنواع العلوم أو التربية والثقافة مهما أكثر الإنسان منها وجمع، ما لم يحصل على شهادة الإيمان الصادق بالله. فلا تزيده علومه وثقافته على أن يكون وحشاً مفترساً له قالب الإنسان وهيكله، وقلب الحيوان المفترس وقسوته، وعقلية الشيطان ومكره بأخيه الإنسان، وخداعه ودهاؤه.

أيها الإخوة:

هانحن الآن، نرى العالم على حافة الهاوية والهلاك، بسبب الجشع والأطماع التي تلعب في رؤوس الغرب والشرق كل منهم يعمل من أجل أن يستولي على بلاد الشعوب الضعيفة ليمتص منها خيراتها وليستأثر بكنوزها ومعادنها وأسواقها وليتركوا الشعوب المتأخرة تعيش على الجهل والفقر والجوع وامرض فالمعسكران الشرقي والغربي، يكدِّسان الرؤوس النووية، ويعملان على تحسين إنتاج الصواريخ عابرة القارات، لتدير الكرة الأرضية ومن عليها، من إنسان وحيوان وعشب ونبات، فهل هذه العلوم والاختراعات، حققت للعالم إنسانية ورحمة، وهل هذه الثقافة والمعارف ضمنت للمجتمع البشري عدالة وأمناً..؟

أيها الإخوة:

إن الإنسانية الحقة لا يمكن أن تكون أو تتحقق إلا بالإيمان الصادق. الإيمان بالله وشريعته السماوية العادلة، ولا يمكن للإنسانية أن تهنأ في هذه الحياة وتسعد، إلا إذا سلكت البشرية صراط الله المستقيم واهتدت بهديه واستنارت بنوره، ومشت وراء تعاليم الله وقوانينه، التي تكفل لهم الخير والسعادة، والهناء والغبطة، في هذه الدنيا ـ العالم الصغير الأدنى ـ وفي الآخرة حيث ينتقل الإنسان بطائرته الروحية إلى العوالم العظمى إلى الملأ الأعلى.

أيها الإخوة:

إن القرآن العظيم كفل للمؤمن الحياة الطيبة والهناء والرفاهية، في الدنيا والآخرة إن هو مشى على سنن الإيمان. واستمسك بهدي القرآن ولم يلب نداء النفس الأمارة بالسوء والشيطان. يقول الله تعالى{مَنْ عملَ صالحاً مِنْ ذَكَرٍ أو أُنثى وهوَ مُؤْمنٌ فلنُحيِيَنَّهُ حَياةً طيِّبةً ولَنجْزِينَّهم أَجْرَهم بأحسنِ ما كانُوا يعلمون} [النحل الآية: 97].

ووصف الله في آية أخرى عاقبة المؤمنين ومصيرهم في الدنيا والآخرة فقال: {فآتاهُم ث الله ثوابَ الدنيا وحُسنَ ثوابِ الآخرةِ واللهُ يُحبُّ المحسنين} [آل عمران الآية: 148].

أيها الإخوة:

لقد دخل آباؤنا الأولون مدرسة الإيمان بصدق وإخلاص، وحازوا أعلى شهادتها بكل تفوق ونجاح، فهل كانوا إنسانيين رحماء؟ وهل كانوا في سعادة وهناء؟ يدل على إنسانيتهم ما أعلنه كبار الكتاب في أوربا حيث يقول: (ما عرف التاريخ فاتحاً أرحم من العرب) وما قاله سيدنا عمر الفاروق لبعض نوابه في قصته مع القبطي (متى استبعدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً) وما فعله المسلمون حين انسحبوا من حمص، لتجميع قواهم في معركة اليرموك حيث ردوا الضرائب والأموال، التي أخذوها من الناس والأهالي، قائلين لهم ومعتذرين منهم. لقد أخذنا منكم هذه الضرائب، لقاء أن ندافع عنكم، ونحميكم من عدوكم وحيث اضطرتنا ظروف قاهرة للانسحاب، فهاكم أموالكم كاملة غير منقوصة، مردودة إليكم لا تبخسون منها شيئاً، فما كان من نصارى حمص، وقد رأوا عدالة الإيمان وإنسانية الإسلام، إلا أن ودعوا المسلمين بحرارة والدموع تملأ عيونهم والأسى والحزن يجرح قلوبهم، أسفاً وأسى على انسحاب المسلمين وخروجهم من بلدهم. ودَّع المسيحيون المسلمين وأكف المسيحيين مرفوعة إلى السماء. بالدعاء والابتهال متوسلين إلى الله أن ينصر العرب المسلمين على الرومان الجائرين الظالمين.

إن تحصيل الإيمان الحقيقي والتنعم برياضه، وتغذية الروح والنفس بغذائه، وتنوير العقل والفكر بنوره وضيائه، وضمان سعادة الإنسان به في معاشه ومعاده، إن الحصول على الإيمان الحقيقي الخالص، لا يكون من طريق التبعية باسم الإيمان للآباء والأجداد، ولا بأعمال الإقدام إلى المساجد وأماكن العبادات، لأداء مراسم العبادات والصلوات فحسب ولا بالتفاخر بين أبناء الديانات بأن ديننا أحسن من دينكم. كما حصل هذا التفاخر في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بين طائفة من اليهود وطائفة من المسلمين، كل منهم يدعي الإيمان الخالص، وإن الجنة مصيره ومآبه. فأنزل الله وحيه السماوي مبيناً الحقيقة، وحكماً عدلاً بين الفريقين قائلاً:

{ليس ـ دخول الجنة ـ بأمانيِّكُم ولا أمانيَّ أهلِ الكتابِ مَنْ يَعْمَل سوءاً يُجْزَ به و لا يَجِدْ له من دون الله ولياً ولا نصيراً ومَنْ يَعْملْ منَ الصالحاتِ منْ ذَكَرٍ أو أُنثى وهو مؤمنٌ فأولئكَ يَدْخُلُون الجنَّةَ ولا يُظلَمونَ نقيرا} [النساء الآية: 122].

أيها الإخوة:

بل الإيمان الحق، علوم ومعارف، وثقافة وتربية، ومدرسة ودراسة، وأخلاق وصفات عالية، وإنسانية رفيعة، ولا تستطيع يا أخي القارئ الكريم، أن تصل إلى حقائق الإيمان وثماره الشهية الغالية، إلا بأساتذة علماء عاملين أتقياء، مفكرين حكماء، مربين أقوياء، تظهر عليك يا أخي ببركة صحبتهم وتربيتهم، علامات الإيمان الحقيقي الصادق. من إنسانية ورحمة ونزاهة وعفة وعدالة بين أفراد المجتمع ومحبة، تصبح وتمسي وصفاتك ببركة صحبتهم متغيرة كما أخبر النبي الكريم حيث يقول: «المؤمن يألف ويؤلف ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف»الدارقطني عن جابر.، و«لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» البخاري ومسلم.، و«لا يؤمن أحدكم حتى يأمن الناس بوائقه»البخاري عن أبي شريح الكعبي.، أي غدره ومكره.