الإيمان الحق
الإيمان الحق

من هم هؤلاء الملوك المنيبون الخاشعون الوجلون، الخائفون أبو بكر وعمر وابن عبد العزيز بم نال هؤلاء ما نالوا من فتوحات خارقة وانتصارات باهرة وتبديل لمجرى التاريخ.

1961-04-13

أيها الإخوة:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمني، ولكن الإيمان ما وقر في القلب وصدقه العمل» الديلمي عن أنس. وقال الله تعالى: {إِنَّ الذين هم مِنْ خَشيةِ ربِّهم مُشْفِقُون والذين همْ بآيات ربهم يُؤْمِنُونَ والذين هُمْ برَبِّهم لا يشْرِكُونَ والذين يُؤتون ما آتوا وقُلُوبهم وجلةٌ أنهُم إلى ربهم راجِعُونْ أولئِكَ يُسارِعُون في الخيراتِ وَهُم لها سابقُون}[المؤمنون الآية: 58 63].

هذه صفات المؤمنين وعلاماتهم ، هذه مميزات الإيمان وللمؤمنين شهادات، أرأيت يا أخي أن قدم لك شيء وقيل لك إنه مسك، فوجدته كريه الرائحة منتنها فهل تصدق القائل؟ وإن عرض عليك ما يشاكل العسل ويشابهه، فوجدته مر المذاق كريه الطعم، ألست تهزأ بمن يسميه عسلاً وتستخف بمن يطلب به غالي الأثمان؟ كذلك الإيمان، فهو ليس ثوباً تلبسه ولا حلية تحلى بها, ولا اسماً تنتحله. ولا أمنية تراود خيالك، إنما الإيمان هو ما أسعد صاحبه في الدنيا ونجاه في الدار الآخرة، الإيمان هو ذلك النور الإلهي المستقر في القلب النظيف الطاهر، المخبت الذاكر، الإيمان موجات كهربائية تصدر عن ذلك القلب. فتنير العقل والفكر، الإيمان قوة كهربائية دافعة تحلي وتدفع الجوارح والأعضاء بتلك القوة النورانية إلى فضائل الأعمال وجليل الصفات والأخلاق قال صلى الله عليه وسلم: «اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله» البخاري في التاريخ..

إن الإيمان (إخوتي وأخواتي) هو ما أشعر صاحبه أن الله أقرب إليه من حبل الوريد، وأنه مع الإنسان أينما كان قال الله تعالى: }ما يَكونُ من نجوى ثلاثةٍ إلا هو رابِعُهم ولا خَمسة إلا هو سادِسُهم ولا أَدْنى من ذلكَ ولا أكثرَ إلا هو معهم أَينَما كانوا ثم ينبئهم بما عَمِلوا يومَ القيامة إنَّ اللهَ بكل شيءٍ عليم{ [المجادلة الآية: ].

الإيمان الحق هو ما أوجب في قلب المؤمن خشية لله ومهابة وإجلالاً وتعظيماً له ومخافة. كان صلى الله عليه وسلم يقول: «أنا أتقاكم لله وأخشاكم له» البخاري.. وكان يقوم معظم الليل مصلياً متهجداً تفيض عيناه بالدموع، وقد ملأ قلبه جلال الله وهيبته، وسكنت نفسه وجوارحه لربه خشوعاً وخشية، ومع كل هذا كان يقول: «لو يؤاخذني الله وعيسى ابن مريم بما جنته هاتان ـ ويشير بإصبعيه السبابة والوسطى ـ لعذبنا ثم لم يظلمنا شيئاً» أبو نعيم في الحلية. ورأى أبو بكر الصديق يوماً طائراً على شجرة، فقال: «ليتني مثلك يا طائر، ولم أخلق بشراً» وكان في وجه عمر بن الخطاب، خطان أسودان من الدموع، من كثرة بكائه من خشية الله ومخافته وهو قاهر كسرى وقيصر. وكثيراً ما كان يسقط على الأرض مغشياً عليه,. من خوفه من ربه عند سماعه آية واحدة من القرآن فكان يعاد أياماً وأخذ يوماً نبتة من الأرض فقال: يا ليتني كنت هذه النبتة، يا ليتني لم أك شيئاً مذكوراً. يا ليتني كنت نسياً منسياً يا ليتني لم تلدني أمي، وكان من صدق إيمانه وخوفه من ربه، كثيراً ما يقول: «من خاف الله لم يشف غيظه، ومن اتقى الله لم يصنع ما يريد، ولولا القيامة لكان غير ما ترون» وقال علي كرم الله وجهه وقد سلم من صلاة الفجر، لقد رأيت أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فلم أر اليوم شيئاً يشبههم فقد كانوا يصبحون شعثاً غبراً بين أعينهم مثال ركب المعزى. قد باتوا لله سجداً وقياماً يتلون كتاب الله، يراوحون بين أقدامهم وجباههم، فإذا أصبحوا ذكروا الله فتمايلوا كما يميل الشجر في يوم الريح. وهملت أعينهم بالدموع حتى تبتل ثيابهم. وقال يزيد بن الرقاشي: دخلت على عمر بن عبد العزيز فقال لي: عظني يا يزيد، فقلت يا أمير المؤمنين: اعلم أنك لست أول خليفة تموت، فبكى عمر، ثم قال زدني، فقال: يا أمير المؤمنين اعلم أنه ليس بينك وبين آدم إلا أب ميت. فبكى ثم قال: زدني يا يزيد، فقال: يا أمير المؤمنين، اعلم أنه ليس في الآخرة منزل ومصير إلى الجنة أو النار. فازداد عمر بن عبد العزيز بكاء حتى خر مغشياً عليه.

إخوتي الأكارم.

من هم هؤلاء الخلفاء المؤمنون الصادقون، من هم هؤلاء الملوك المنيبون الخاشعون، الوجلون الخائفون، أبو بكر وعمر وعلي وابن عبد العزيز، أناشدكم الله مستمعي الأعزاء، هل مر في الدنيا العروبة والإسلام عظماء نبلاء علماء مخلصون شرفاء، مربون حكماء، ساسة نبلاء، قادة أتقياء، مثلهم أو شبههم أو ما يدانيهم ويقاربهم في القوة والعظمة وتحرير البلاد من الظلم والاستعباد والجهل والفساد، هل أتى مثلهم، أو سجل التاريخ شبيهاً لهم في نشر العلم والفضيلة وتعميم العدالة القضائية والاجتماعية والإنسانية بين أبناء البشرية جميعاً، حيث لا تمييز ولا تفريق من أجل عقيدة أو لون أو عنصرية. لقد جعلوا البحار المحيطات بحيرات عربية، وبذروا بذور محبة العرب والعروبة في المشارق والمغارب في قلوب مئات الملايين على أبناء شعوب آسيا وإفريقيا، لقد فرضت عظمة هؤلاء الساسة المؤمنين على الأجانب احترامهم وتقديرهم، وكرس المؤرخون والكتاب والنقاد أوقاتهم لدراسة حياة هؤلاء المؤمنين العظماء وأعمالهم. فبم نال أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، وابن عبد العزيز والمأمون والرشيد، وصلاح الدين ونور الدين، بم نال هؤلاء ما نالوا من عظمة ومجد وخلود في صفحات الدهر وعزة ورفعة في الشرق والغرب، بم نال هؤلاء ما نالوا من فتوحات الدهر وانتصارات باهرة، وتبديل لمجرى التاريخ وحياة الأمم ولم يكن لديهم ثقافة القرآن وبذلك كانوا يقرون به ويعترفون، قال عمر بن الخطاب: «نحن قوم أعزنا الله بالإسلام، فمهما نرد العز بغيره يذلنا الله» نعم أعزهم الله بالإسلام ولكنه الإسلام العملي الحقيقي. الإسلام القلبي والفكري، الإسلام الخلقي والعملي. لم يكن إسلامهم تحلياً ولا تمنياً، ولكنه كان إسلاماً وإيماناً وقر في القلب وصدقه العمل، كانوا عظماء وكانوا أقوياء وكانوا علماء وكانوا قادة جيوش الحرب، وجيوش العلم، ومع ذلك كانوا مؤمنين صادقين وجلين من الله خائفين.

كما قال الشاعر:

جمع الشجاعة والخشوع لديه
ما أجمل الشجعان في المحراب


{فآتاهم الله ثوابَ الدنيا وحُسْنَ ثوابِ الآخرةِ واللهُ يحبُّ المحْسِنين} [آل عمران الآية: 148].

وقال تعالى:

{إن الذين هُمْ منْ خَشيةِ رَبِّهم مُشْفِقُون والذينَ هُم بآياتِ ربِّهم يؤمنونَ والذينَ هُم بربهم لا يشركونَ والذينَ يُؤْتونَ ما آتَوا وقلُوبُهم وَجِلَةٌ أنَّهم إلى رَبِّهم راجعُونَ أُولئكَ يُسارعون في الخيراتِ وهُمْ لها سابقون} [المؤمنون: 58 ـ 63].