الإيمان بآيات الله
الإيمان بآيات الله

عبدي أما تستحي مني؟ يقعد إليك بعض إخوانك فتقبل عليه بكل وجهك وتصغي إلى حديثه بكل قلبك. وها أنا مقبل عليك ومتحدث إليك، وأنت معرض بقلبك عني، فجعلتني أهون عندك من بعض إخوانك.

1961-04-19

أيها الإخوة:

وعد الله تعالى المؤمنون الصادقين، وعداً قاطعاً، وعاهدهم عبداً جازماً، أن يحييهم في هذه الدنيا في عزة وكرامة، ورفعة وسؤدد، وأن ينصرهم على عدوهم وأن يؤتيهم الغلبة والنصر في كل ميادين الحياة، وإذا رحلوا من هذه الدنيا إلى عالم السماء فلهم عند الله من النعيم والسعادة ما لا يكفيهم، ولا يوصف، قال الله تعالى في حديث قدسي: «أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر»رواه البخاري ومسلم. وقال الله تعالى: {فلا تَعْلَم نفسٌ ما أُخْفي لهم من قرة أَعين جزاءً بما كانُوا يعملون أفمنْ كان مُؤمناً كمن كان فاسقاً لا يستوونَ أمَّا الذين آمنوا وعَمِلوا الصالحاتِ فَلَهمْ جناتُ المأوى نُزلاً بما كانوا يعملون وأمَّا الذين فَسَقوا فمأواهم النار} [السجدة الآية: 17 ـ 20].

أيها الإخوة:

لقد نص الله على هذا العهد، وبين بصراحة ثمرة الموفي هذا الوعد، في مثل قوله تعالى:

{إنَّ الذين هُمْ من خشيةِ ربهم مُشْفقون والذين هُم بآياتِ ربهم يؤمنون{ إلى أن قال: {يُسارعون في الخيراتِ ـ أي إلى الخيرات ـ وَهُم لها سابِقُون} وفي قوله تعالى:{فآتاهُم الله ثواب الدنيا وحُسْن ثوابِ الآخرة} [المؤمنون الآية: 58 ـ 62].

أيها الإخوة:

لكن القرآن العظيم اشترط على المؤمن للفوز في السباق إلى الخيرات، وحتى يكون الإنسان أهلاً لنيل كل أنواع السعادات، اشترط عليه أولاً، أن يكون مشفقاً من عذاب الله فلا يعصيه. وأن يكون قلب الإنسان مملوءاً من خشية ربه وجلاله في خلواته وجلواته. ثم اشترط الله على الإنسان شرطاً ثانياً للنجاح في ميادين السباق إلى الخيرات، ألا وهو الإيمان بآيات القرآن، فما هو الإيمان بآيات اتلله بعد الإيمان به.

أتحسب يا أخي الكريم، أن الإيمان بآيات القرآن هو كثرة تلاوتها، أو هزهزة الرؤوس بالطرب عند سماع قارئها.. الحسن الصوت، العذب التلاوة عند تردادها وقراءتها؟ لا يا أخي الكريم، إن الإيمان الحق بآيات الله في قرآنه، غير ما يفهم الكثير من الناس، أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «ما آمن بالقرآن من استحل محارمه»الترمذي عن صهيب.، وقال أيضاً: «اقرأ القرآن ما نهاك فإن لم ينهك فلست تقرؤه»الديلمي في الفردوس.. وفي حديث ابن عمر وجندب (لقد عشنا دهراً طويلاً، وأحدنا يؤتى الإيمان قبل القرآن، فتنزل السورة على محمد صلوات الله وسلامه عليه، فيتعلم المؤمن حلالها وحرامها وآمرها وزاجرها وما ينبغي أن يقف عنده منها، ثم لقد رأيت رجالاً يؤتى أحدهم القرآن قبل الإيمان، فيقرأ ما بين فاتحة الكتاب إلى خاتمته، لا يدري ما آمر القرآن ولا زاجره، ولا ما ينبغي أن يقف عنده منه، ينثره نثر الدقل).

يتبين من هذا الحديث أن الإيمان بالقرآن وآياته، هو العكوف على آيات الله ليلاً ونهاراً، يتدبر المؤمن كلام الله وحكمه. ويتفهم عظاته ووصاياه. فينفذ أوامر الله بكل دقة وحزم وبكل همة وعزم: ويجتنب محارم ربه بتمام الورع والحزم، لا يبالي عند ذلك أرضي الناس أم سخطوا، ألام اللوام أم لم يلوموا، أرضيت نفسه أم سخطت.

وإلى تدبر آيات الله وفهمها، والتحذير من قراءة القرآن بلا تدبر ولا تفهم، أشار الحسن البصري حيث يخاطب من لا يعرف من آيات ربه إلا تردادها من غير فهم، وإلا تكرارها من غير تدبر ولا عمل، فيقول (اتخذتم قراءة القرآن مراحل، جعلتم الليل جملاً، فإنكم تركبونه، فتقطعون مراحله، وإن من كان قبلكم رأوه رسائل من ربهم، فكانوا يتدبرونها بالليل وينفذونها في النهار).

أيها الأعزة:

إن من يقرأ آيات الله ويعرض عن فهمها، ولا يقصد من تلاوة القرآن معرفة الأحكام من حلال وحرام وعظات وأخلاق، ليقف عند الحلال فلا يتعداه ويمسك بنفسه عن الحرام فلا يرتكبه، إن من يتلو عظات الله، ويسمع نداء ربه إلى التخلق بمكارم الأخلاق، والاتصاف بالصفات الإنسانية الرفيعة النبيلة، ثم لا يعي عظات ربه ولا يتعظ قلبه بها ولا يلبي نداء ربه إلى التخلق بكريم الأخلاق وجميل الصفات، إن هذا القارئ يعتبر في الحقيقة والواقع معرضاً عن آيات ربه، في حكم المستهزئ بها، والمهين والمحتقر لها، وإلا فما معنى، إذا المرء تلا أو سمع آيات الله تقول:{وبالوالدين إحساناً وبذيْ القُربى واليتامى والمساكينِ والجار ذِي القُربى} [النساء الآية: 35]. أو قوله تعالى{قدْ أفلحَ المؤمنون الذينَ هُم في صلاتهم خاشعونَ والذينَ هُمْ عن اللغوِ مُعرضونَ والذينَ هُم للزكاةِ فاعلون} [المؤمنون الآية: 1 ـ 4].

أيها الإخوة:

ما معنى تلاوة هذه الآيات، وسماعها لشخص مصر على عقوق والديه، قاطع للأرحام، متمرد على إعطاء اليتامى المساكين، حقوقهم في ماله وثروته مسيء لجيرانه.

أيها الإخوة:

وما معنى من يتلو الآيات الأخرى وهو ساه غافل في صلاته؟ لا خشوع له ولا حضور قلب له مع ربه؟ الوقت نفسه حديثه، معظمه لغو وباطل وهو مناع للزكاة غير مؤد لها؟

أليس هذا التالي أو المستمع لآيات الله يعتبر مهيناً ربه، مستخفاً بآياته يسمع ويتلو خطاب ربه ثم يعمل على عكسه وخلافه، في الوقت الذي لا يحاول أن يفهم آيات الله ويتدبرها، يقول الله تعالى في كلمات قدسية: «يا عبدي أما تستحي مني؟ يأتيك كتاب من بعض إخوانك وأنت في الطريق تمشي، فتعدل عن الطريق وتقعد لأجله فتقرؤه وتتدبره حرفاً حرفاً، حتى لا يفوتك شيء منه، وهذا كتابي أنزلته إليك، انظر كم فصلت لك فيه من القول، وكم كررت عليك فيه لتتأمل حلاله وحرامه، وعظاته ووصاياه، فتعمل بها، ثم أنت معرض عنه، أفكنت أهون عليك من بعض إخوانك؟ يا عبدي يقعد إليك بعض إخوانك، فتقل عليه بكل وجهك، وتصغي إلى حديثه بكل قلبك، فإن تكلم متكلم أو شغلك شاغل عن حديثه، أومأت عليه أن كف، وها أنا مقبل عليك، ومتحدث إليك، وأنت معرض عني أفجعلتني أهون عندك من بعض إخوانك»في كتاب الإحياء للغزالي.

أيها الإخوة:

وعد الله المؤمن الصادق، التقي العالم المخلص، وعده الله عز وجل يخير الدنيا والآخرة، وبالرفعة والسؤدد، وبالمجد والكرامة والنصر، في حياته الأرضية والسماوية، في مثل قوله تعالى:

{فآتاهُم الله ثوابَ الدنيا وحُسْنَ ثوابِ الآخرةِ} [آل عمران الآية: 148].

وبين الله أن من صفات المؤمنين الصادقين ومن مناقبهم وأخلاقهم أن يكونوا مؤمنين بآياته فاهمين لها وعاملين، منفذين ومطبقين، ومن لا يعمل فليسأل من يعلم ويفهم، كما قال تعالى:{فاسْأَلُوا أهلَ الذِّكْرِ إن كُنْتُم لا تعلمونَ بالبيِّناتِ والزُّبُر} [النمل الآية: 43 ـ 44] .