الرياء أو الشرك الخفي
الرياء أو الشرك الخفي

رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يبكي فقلت: ما يبكيك يا رسول الله؟ قال: أرم تخوفت منه على أمتي الشرك منه. أما أنهم لا يعبدون صنماً ولا شمساً ولا قمراً ولا حجراً، ولكن يراؤون بأعمالهم، فمن لبس خشناً ليقول الناس عنه أنه من الزاهدين فقد راءى ومن غض من صوته ليذكر في السهرات فقد راءى.

1961-04-27

أيها الإخوة:

كلنا يريد الجنة، ويتمنى أن يكون له مسكناً، في الدار الآخرة، لينعم بالنظر إلى الرحيم الرحمن نعيماً سرمدياً، ويظفر بجوار الأنبياء الأخيار جواراً أبدياً.

كلنا يطلب الجنة ونعيمها، وفراديسها ورياضيها، وكل رأى لنفسه طريقاً، إليها أو ظن أنه رأى الطريق.. فهذا إنسان عرف أن الأشياء لا تنال بالمجان، وأن لكل شيءٍ ثمنه، فشد الهمة وعقد العزم، وسعى للجنة سعيها.. وهذا إنسان توهته الأماني وغره بالله الغرور، فترك السعي وجانب العمل، وحسب أنه من الناجحين، وأنه إلى الجنة من السابقين الأولين، ولكن الله تعالى الذي خلق الخلق، وبث فيهم الحياة، ورتب لهم برنامج السعادة في الدنيا الموصل إلى سعادة الآخرة، يقول في كتابه:

{إنَّ الذين هُمْ مِنْ خشيةِ ربِّهمْ مُشْفِقُونَ والذينَ هُم بآياتِ ربهم يؤمنون والذينَ هُمْ بربِّهم لا يُشركُونَ{ إلى أن يقول }أولئكَ يُسارِعُون في الخَيْراتِ وهُم لها سابقُون} [المؤمنون الآية: 58 ـ 62].

فهذه الآية تصرح إذن، بأن عدم الإشراك بالله شرط أكيد، يجب أن يتوفر لدى الإنسان كي يدخل الجنة دار السلام بسلام.

إخوتي الأعزاء:

الإشراك بالله أكبر الكبائر لأنه مسخ للمنطق الحق، وطمس للعقل المنير، وقضاء على التفكير السليم، كيف يكون لله شريك في ملكه؟ وإذا كان له شريك فكيف تبقى هذه الأرض وتلك السموات قائمة؟ وكيف تبقى هذه المخلوقات وتلك الكائنات مستقرة؟ فلو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا. قال تعالى:

{قُلْ إِنّما يُوحَى إليَّ أنّما إلهُكم إلهٌ واحدٌ فهَل أنتُمْ مُسلِمونَ}[الأنبياء: 108].

من أجل ذلك ـ أيها الإخوة ـ وصيانة للعقل السليم، وحماية للحق القويم، أراد الإسلام من الآباء أن يوجهوا أبناءهم نحو عبادة الله ويرشدوهم إلى وحدانيته، وأن يتقيدوا بالأنبياء والصالحين. قال تعالى:{وإذْ قال لُقْمان لابنِهِ وهوَ يَعِظُهُ يا بُنَي لا تُشْرِك باللهِ إنِّ الشِركَ لظُلمٌ عَظِيمٌ} [لقمان الآية: 12].

وقررت الشرائع الإلهية وحدانية الله، وهدت إليها أتباعها لتحررهم من التأخر والرجعية، ومن عبادة الأحجار الصماء والحيوانات العجماء، ومن عبادة الإنسان للإنسان، قال جل وعلا:

{أفرأيتُم اللاَّتَ والعُزَّى ومناةَ الثالثةَ الأخرى ألَكُمُ الذّكر ولهُ الأنثى تِلك إذاً قِسْمَةٌ ضِيزى إن هي إلا أسماءٌ سمّيتموها أنتُمْ وآباؤُكُم ما أنزلَ اللهُ بها من سلطان}[النجم الآية: 29 ـ 33]

وقال أيضاً:

{فلما جاءهم موسى بآياتِنا قالوا ما هذا إلا سِحْرٌ مُفْترى وما سمِعْنا بهذا في آبائنا الأولينَ}

وقال موسى:

{ربي أعلمْ بمن جاء بالهُدى مِن عندهِ ومنْ تكونُ لهُ عاقِبةَ الدارِ إنهُ لا يفلحُ الظالِمونَ. وقالَ فِرعونُ يا أيها الملأُ م عَلِمتُ لَكُمْ من إله غيري فأَوْقِدْ لي يا هامانُ على الطينِ فاجْعَل لي صَرْحاً لعلِّي أطلِعُ إلى إله موسى وإِني لأظنُه من الكاذِبينَ واسْتكبرَ هوَ وجُنُودُهُ في الأرضِ بغيرِ الحقِّ وظنوا أنَّهم لا يُرجَعون فأخذناهُ وجُنودَهُ فنبذناهم في اليَمِّ فانْظر كيفَ كانَ عاقبةُ الظالمين} [القصص الآية: 36 ـ 40].

مستمعي الأكارم:

إن هنالك نوعاً آخر من الشرك يختلف عن الشرك الظاهري في أنه شرك خفي غير أنه لا يقل عنه في الخطورة وسوء العاقبة وإحباط الأعمال. فما هو هذا الشرك الخفي الخطير والشر المستطير؟ قال شداد بن أوس (رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يبكي فقلت: ما يبكيك يا رسول الله؟ قال: أمر تخوفت على أمتي الشرك منه، أما إنهم لا يعبدون صنماً ولا شمساً ولا قمراً ولكن يراؤون بأعمالهم)أبو نعيم في الحلية عن ابن عباس.. وقال عمر لمعاذ بن جبل حيث رآه يبكي، ما يبكيك؟ قال حديث سمعته من صاحب هذا القبر ـ يعني النبي عليه الصلاة والسلام ـ يقول فيه، إن ûأدنى الرياء شرك»ابن ماجه والحاكم والبيهقي والرياء كما يقول الغزالي. هو طلب المنزلة في قلوب الناس بإيرائهم خصال الخير فمن لبس لباساً خلقاً خشناً ليقول الناس عنه إنه من الزاهدين فقد راءى الناس في لباسه، ومن قصد في مشيه، وغض من صوته ليذكر في السهرات والمجالس بأنه ورع متزن فقد أصبح مرائياً في هيأته، والذي يعظ الناس ويرشدهم ويدعوهم للتمسك بأهداب الدين وقصده من وراء ذلك أن يقول عنه الخلق أنه أمَّار بالمعروف نــَــهـّـاءٌ عن المنكر فهو مراء في قوله ومن صلى فأطال السجود ليمدح على ذلك، أو تصدق بصدقة، أو أنفق في مشروع، لتلتهب الأكف له بالتصفيق وتلهج بعمله الألسنة ويذكر على صفحات الجرائد فهو مراء في عمله، وكل هؤلاء مشركون ولكن من حيث لا يشعرون.. إنهم لن ينالوا من ربهم أجراً على ما فعلوا إذ أنهم كانوا يبتغون المنزلة في قلوب الناس وقد وصلوا إلى ما يريدون، ويكفيهم خزياً وعاراً وصف ربهم لهم بالكافرين حيث يقول:

{يا أيُّها الذين آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُم بالمنِّ والأذى كالذي يُنْفقُ مالَهُ رِئاءَ النَّاسِ ولا يُؤمِن باللهِ واليومِ الآخرِ فَمثلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فأصَابَهُ وابِلٌ فترَكَهُ صَلداً لا يقدرونَ على شيءٍ مما كَسَبُوا واللهُ لا يَهدي القومَ الكافرينَ} [البقرة الآية: 264].

وقال السيد المسيح صلوات الله عليه وسلامه: (إذا كان يوم صوم أحدكم فليدهن رأسه ولحيته، ويمسح شفتيه، لئلا يرى الناس أنه صائم، وإذا أعطى بيمينه فليخف عن شماله، وإذا صلى فليرخ ستر بابه، فإن الله يقسم الثناء كما يقسم الرزق),.

ومر عمر بن الخطاب رضي الله عنه برجل يطأطئ رأسه في الصلاة فقال. يا صاحب الرقبة ارفع رقبتك، ليس الخشوع في الرقاب إنما الخشوع في القلوب.

من هنا نستنتج ـ أيها الإخوة والأخوات ـ أن كل قول وعمل أو خصلة يتخصل بها الإنسان عليه أن يقصد الله وحده من ورائها، فإذا قرن مع الله غير الله أصبح من المرائين المشركين الخاسرين، قال تعالى:

{وما أُمِروا إلاّ ليعبُدوا الله مُخْلِصيْن لهُ الدّين حُنفاء} [البينة الآية: 5].

وقال أيضاً: {أَلا للهِ الدّينُ الخالص} [الزمر الآية: 3].

أيها الإخوة:

فالعلم بذر والعمل زرع وماؤه الإخلاص، وإذا كان المرائي يظهر عمله لينال مدح المخلوقات وثناءهم، فإن المخلص يخفيه عن أعينهم لينال رضى الخالق. قال يعقوب المكفوف: (المخلص من يكتم حسناته كما يكتم سيئاته)، وكذلك فالمخلص الحقيقي لا يرى لنفسه في إخلاصه فضلاً ولا ينظر إلى إخلاصه نظرة الإعجاب والتقدير. قال السوسي: (الإخلاص أن لا يرى الإنسان في إخلاصه الإخلاص، فإن من شاهد في إخلاصه الإخلاص فقد احتاج إخلاصه إلى الإخلاص).

أيها الأحبة:

الإخلاص مرتبة سامية، وشهادة عالية راقية إذا أوتيها الإنسان بعد شهادة العلم والعمل فقد أوتي خيراً كبيراً، وقد بين المخلص الأول صلى الله عليه وسلم إن الله تعالى يمنح المخلصين وساماً خاصاً بهم، وهو وسام الحكمة فقال: (من أخلص لله أربعين صباحاً تفجرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه)رواه الحاكم وقال صحيح صحيح الإسناد.

وبعد: أنت ترجو الجنة مستمعي الكريم، وتتشوق الوصول إليها، وقد بينت لك أن بطاقة الدخول إليها يجب أن يشار فيها أنك عبد له لا لصنم أو حجر، أو زوجة أو ولد، أو مال أو عقار، وإن ما عملت من أعمال، وتكلمت من أقوال، وتخلقت من أخلاق، في حياتك، أخلصت بها لربك العلي القدير..

إذا أشير بهذه الإشارات على صحيفتك يوم القيامة فأنت ممن:

{يُسَارِعُون في الخَيراتِ وَهُم لها سَابِقُونَ} [المؤمنون الآية: 58 ـ 62].