خُبَيْب البطل
خُبَيْب البطل

يتقدم زعيم قريش أبو سفيان فيخيره: إما الكفر بنبوة محمد وبالإسلام والإيمان باللات والعزى وإما الموت والإعدام. فيجيبه خبيب قائلاً: والله ما أحب أن أرجع عن الإسلام وأن لي ما في الأرض جميعاً.

1961-05-17

إخوتي وأخواتي:

الإيمان بالله محبوب الجميع والإيمان بشرائع الله ووحيه مهوى أفئدة الناس كلهم. والانتساب إلى أنبياء الله ورسله موضع تنافس البشر وتسابقهم. بل وكثيراً ما نجد بين الفئات المتدينة جدلاً ونزاعاً. كل يدعي صحة عقيدته وتفوق دينه وأفضلية مذهبه على ما سواه من العقائد والمذاهب والأديان.

أيها الإخوة:

إن التدين الحقيقي ليس انتساباً شكلياً أجوف، ولا ادعاءً صورياً مزيفاً، ولا جدلاً وتنازعاً، ولا فتنة وفساداً ينشر بين أفراد المجتمع أن التدين الحقيقي لا يكون بارتياد محلات العبادة والنسك فحسب. وأن حقيقة الإيمان بالله وشريعته لا تنال بتلاوة الأذكار وترداد آي القرآن. أو هزهزة الرؤوس وتمايل الأبدان عند سماع النغمات العذبة الموافقة لآيات الله في القرآن، إن التدين الحق والإيمان الصحيح ما جميع ثقافة كاملة لدين الله وشرائعه، وفهماً صحيحاً لأوامر الله ونواهيه. أن التدين الصحيح هو ما حقق في المؤمن وعياً ناضجاً وإدراكاً كاملاً لأهداف الدين ومراميه والتدين الحقيقي هو ما أرسى في النفس ملكة الأخلاق الكريمة والصفات الإنسانية النبيلة. مما يجعل المؤمن المتدين مفتاحاً لكل خير. مغلاقاً لكل شر محباً للناس ما يحبه لنفسه.

أيها الإخوة:

الدين الحقيقي هو ما يحول الأقوال إلى أفعال وإلى نضال وجهاد يدفع بالمؤمن الصادق لبذل النفس والنفيس لبناء المجتمع السعيد أو إيصال الخير إلى أفراد البشرية دون مقابل من أجر أو مكافأة أو ثناء. ولكن حباً في الله وإيماناً به ومسارعة إلى رضاه. الدين الحقيقي أقوال تدعمها أفعال.

تزينها أخلاق فاضلة ثم يتبعها فداء واستشهاد لا نكوص فيه ولا هزيمة، ولا ندم و لا ضعف في العزيمة، المؤمن الحق مثله كمثل البخور أو العنبر، كلما فتنته أو فركته أو أحرقته. ازدادت روائحه الزكية انتشاراً وإنعاشاً وكذلك المؤمن الحق، كلما ازداد بلاء ومحنة ازداد صموداً وثباتاً، وإيماناً وابتهاجاً لا يبالي أوقع على الموت أم وقع الموت عليه. لأنه يرى في الموت، باباً ومنفذاً يخلص منه إلى لقاء أعز حبيب عليه وأحب مطلوب إليه لقاء الله جل جلاله، قال الله تعالى:

{وكأيِّن من نبيٍّ قاتلَ مَعَهُ رِبيُّون كثير فما وَهَنوا لما أصابَهم في سبيل الله وما ضَعُفوا وما استكَانُوا والله يحبُ الصابرين} [آل عمران الآية: 146].

وصف الله المؤمنين السابقين، بهذه الأوصاف العظيمة الكريمة، وطالب بتحقيقها المؤمنين اللاحقين في القرآن العظيم في مثل قوله تعالى:

{أمْ حَسِبْتُم أنْ تَدْخُلوا الجَنَّةَ ولمَّا يأتِكُم مَثلُ الذينَ خَلَوا مِنْ قَبْلِكُم مسّتهُم البأساءُ والضرَّاءُ وزُلْزلوا حتى يقولَ الرسولُ والذين آمَنُوا مَعَهُ متى نَصْرُ الله إلا إنَّ نصرَ اللهِ قريبٌ}[البقرة الآية: 214].

وسمع المؤمنون خطاب الله لهم في قرآنه حيث يقول:

{أم حسِبْتُم أَنْ تَدْخُلوا الجنّةَ ولما يعلَمِ اللهُ الذينَ جاهَدوا منكم ويعلم الصابرين} [آل عمران الآية: 142].

سمع المؤمنون تحريض الله لهم على الجهاد والصبر وإنهما مفتاح الجنة والسعادة في الدنيا والآخرة، فلم يقتصروا على التلذذ بأنغام القرآن وعذوبة تجويده ولم يقفوا عند هزهزة الرؤوس وحركات الأبدان طرباً بسماع آيات الله وأحكامه. بل قاموا قومة الأسود من عرينها وهبوا هبة الأبطال إلى ساحات الكفاح والنضال يشترون رضاء الله وجنته بأبهظ الأثمان وأغلاها. يبذل النفوس وإرخاص الأرواح وسفك الدماء الطاهرة لمحاربة الجاهلية الجهلاء وللقضاء على المستعمرين والعملاء، بعزيمة أثبت من الجبال الرواسي لا يعرفون هزيمة ولا إدباراً ولا يبدون للعدو استكانة ولا خضوعاً فها هو خبيب بن عدي الأنصاري يقع أسيراً في أيدي عبدة الأوثان والكفرة فيقدمونه إلى سارية وعمود فيربطونه ليقتلوه. ويتقدم إليه زعيم كفار قريش أبو سفيان فيخبره. أما الكفر بنبوة محمد وبالإسلام والإيمان باللات والعزى وبقية الأصنام. وأما الموت والإعدام فيجب خبيب المؤمن الصادق الإيمان. يجيب أبا سفيان وقد عرض عليه الحياة مع الكفار قائلاً والله ما أحب ولا أرضى أن أرجع عن الإسلام ومبادئ القرآن وأن لي ما في الأرض جميعاً، فيهدده أبو سفيان قائلاً: (أما واللات والعزى لئن لم تفعل لنقتلنك شر قتلة) فيجيبه خبيب قائلاً: (والله لا أرجع عن الحق أبداً وإن قتلي في سبيل الله لقليل).

ثم يقدم خبيب ويربط بالعمود ويتقدم إليه أربعون شاباً من المشركين الوثنيين يهبرون لحمه بسيوفهم ورماحهم وهو رابط الجأش ثابت الجنان يسبح بحمد الله ويعلن كلمة التوحيد ويردد شعره الخالد وهو بلفظ آخر أنفاسه يشرح فيه نفسية المؤمن الصادق وحقيقة جوهره الروحي والنفسي فيقول:

لقد جمعوا الأحزاب حولي وألبوا

وكلهم مــبــدي العداوة جـــاهـــداً

وقــد جمعوا أبناءهم ونـــسـائـهم

وقد خيروا في الكفروالموت دونه

وما بي حذار الموت إني لــمــيـت

فذا العرش ثبـتـني على ما يراد بي

ولست أبالي حين أقــتـــل مـسـلماً

وذلك في ذاته الإله وإن شــــــاء

فـــلـــســــت بمبد للعدو تــخـشـعاً

قبائلهم واستجمعوا كــــل مـجـمع

علي لأني فـــي وثاق مــضــيــعٍ

وقربت من جذع طويل مــمـنــع

وقد هملت عيناي من غير مجزع

ولكن حذار لهب نار مــســفــــــع

فقد بضعوا لحمي وقد يأس مطمعي

على أي جنب كان في الله مصرعي

يبارك على أوصال شــــلــو ممزع

ولا جزعاً إني إلى الله مــرجــــعــي



أيها الإخوة:

إن خبيباً كان يعتبر في المسلمين السابقين مؤمناً وسطاً، لم يبلغ الذروة ولا الدرجات العالية، بل كان يعد من المسلمين العاديين ومع ذلك نرى أثر إيمانه وحقيقة تدينه جهاداً صادقاً وكفاحاً بالغاً وصموداً أمام الموت والأعداء لا خور فيه ولا ضعف و لا استكانة. يخير بين حياة يصاحبها كفر وأصنام وبين موت في ظلال الإيمان والقرآن. فينبذ حياة الكفر والفسوق والعصيان ويفضل عليها موتاً برماح تمزق الأحشاء. يستقبلها بصدره لتنفذ من ظهره، يتحمل كل ذلك في سبيل رسالة القرآن والإسلام.

إخوتي الأكارم:

إن الذي رفع خبيباً إلى الذروة وجعله من الأبطال والأفذاذ والذي يجعل أبناء العروبة والإسلام يفتخرون ويعتزون بخبيب أمثاله. والمسلمون حين ذاك كان خبيب يعد من أصغرهم وأقلهم شأناً. إن الذي أعطى خبيباً تلك البطولة الخارقة والتضحية الغالية هو فهم ثقافة الإسلام ومعرفة وتدبر آيات القرآن وتربية النفس في أحضان الإيمان العملي الصادق المخلص. ولا بد للحصول على إيمان حقيقي وإسلام عملي من صحبة العلماء العاملين والحكماء المخلصين المربين للعقول والمهذبين للنفوس والمحبين للقلوب والمرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل.