التطير
التطير

إن العقل والفكر يحرمان على الإنسان أن يعتقد النحس والشؤم في زمان أو مكان أو إنسان أو حيوان. بل إن كل ما يصيب الإنسان من ضر وسوء ينبغي للعاقل أن يعلم أن مرد ذلك إلى تقصيره في أعماله أو إهماله لشؤونه، أو عدم تفكيره.



أيها الإخوة:

من الناس من يتشاءم من أيام معينة من الشهر أو من الأسبوع، كما يوجد نوع من الناس يعتقد النحس وسوء الطالع في بعض الأهل والجيران أو الأجراء والصناع. لذلك نرى بعض المسافرين يحجم عن السفر في يوم معين، اعتقاداً منه أن ذلك اليوم سيجلب للمسافر الأذى والضرر، كما نرى فئة من الناس تعتقد أن اليوم الفلاني، والشهر الفلاني، إذا عقد النكاح فيه، فلا يجد الزوجان في ذلك الزواج السعادة والهناء. وقد يصل الوهم والاعتقاد الشؤم إلى الأمكنة والأراضي وغيرها. فيقول أحدهم، هذه دار منحوسة، ما سكنها أحد ووجد خيراً في سكناها. وهذا الأجير والصانع منذ قدومه، والمصائب تتابع والخسائر تزداد على صاحب عمله ومالك مصنعه.

إن التشاؤم أيها الإخوة مرض قديم في البشر. ابتلي به الإنسان سببه جهل الإنسان بحقائق الأشياء، وحدود تأثيرها، فها نحن نسمع القرآن ينعي بعضاً من أمة سيدنا موسى عليه السلام أصيبوا بهذا المرض النفسي ويصمهم بالجهل حيث يقول:

{فَإِذا جاءتْهُم الحسَنَةُ قالُوا لنا هذه وَإِن تُصِبهُم سَيِّئةٌ يَطَّيروا بموسى وَمَن مَعَهُ، إلا إِنما طائِرُهُم عِندَ اللهِ وَلَكِنَّ أكْثَرَهُمْ لا يَعلَمُون} [الأعراف الآية: 130].

وهذا الموضوع ذاته ظهر من جهلة العرب واليهود والمنافقين، حين هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وكانت المدينة ذات خير وأرزاق ونعم عند مقدم النبي الكريم. فلما ظهر نفاق المنافقين وعناد اليهود أمسك الله عنهم الخير والرزق بعض الإمساك. فقال المنافقون واليهود. ما زلنا نعرف النقص في ثمارنا ومزارعنا منذ قدم علينا هذا الرجل وأصحابه. فأنزل الله تعالى: {وَإِنْ تُصِبْهُم حسنةٌ ـ أي خصب وثمار ورخاء ـ يَقولوا هذهِ من عِنْدِ الله وإِنْ تصِبْهُم سيِّئةٌ ـ أي جدب وقحط وجفاف ـ يقُولوا هذهِ من عِنْدِك قُل كُلٌ ـ أي من الخصب والقحط ـ مِنْ عِنْدِ اللهِ فَمَا لِهَؤلاءِ القَومِ لا يَكادُون يَفْقَهُون حَديثا} [النساء الآية: 78].

هذا بالنسبة لمصدر التصرف بالقوى السماوية والطبيعية، لأن الله تعالى بيده وحده الإخصاب والجدب والعطاء والمنع، وأما بالنسبة لمن كان السبب في هذه التصرفات والنتائج، فقد وضح ذلك بقوله:

{ما أصابكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ الله وما أَصابَكَ منْ سَيئَةٍ فمنْ نَفْسِك}[النساء الآية: 78].

أيها الإخوة:

إن التشاؤم والتطير ليس خاصاً بأمة دون أمة، أو بأمة جاهلة في الوقت الذي تنجو منه الأمم المتعلمة الراقية. فها نحن في القرن العشرين نجد كثيراً من سكان أوربا وأمريكا، يتشاءمون ويعتقدون النحس في اليوم الثالث عشر من بعض شهور السنة، إلى أشياء كثيرة يضحك منها العاقل المفكر، والمؤمن المتبصر.

أيها الإخوة:

إن قليلاً من التفكير يثبت لنا أن اليوم الذي تشاءم منه إنسان، لوقوع خسارة له أو حلول مصيبة نزلت عليه، أو موت ولد له عزيز، ذلك اليوم بالذات حصل فيها لأشخاص آخرين أرباح هائلة وأفراح وسرور لأناس غيرهم. وسعادة وهناك لأقوام آخرين وما يقال في الزمن والأيام. يقال مثله في السيارة والدار والزوجة والولد وكل شيء. فلا يوجد شيء في الوجود يبقى على حالة واحدة، فالحياة نجاح وإخفاق، وربح وخسران وانتصار وفشل. وحياة وموت وسرور وحزن بل كثيراً ما يعتقد التشاؤم السوء في شيء ويظهر بعد ذلك عكس ما اعتقد المتشائم والمتطير. ذكروا أن صبيحة ولادة السلطان صلاح الدين الأيوبي، صدر مرسوم بعزل والده عن الحكم والإشراف على بعض القلاع والمدن، فتشاءم والد صلاح الدين بمولوده الجديد، ورأى فيه طالع نحس ومصدر شؤم، فبينما الوالد يفكر في أمره وهو في بحران من الهم والحزن. إذا بأحد الصالحين يسائله عن سبب حزنه وعميق تفكيره فيذكر له السبب فإذا بذلك الشيخ الصالح يبشر والد صلاح الدين بأن مولوده الجديد سيجمع الله على يديه شمل العرب والمسلمين ويطهر به البلاد من أرجاس المستعمرين وسيكون اسمه في سجل وتاريخ الخالدين. وهذا ما حصل وتحقق.

كما ذكروا أن ملكاً كان يعتقد النحس والتشاؤم في الأشياء فخرج صبيحة يوم إلى الصيد فكان أول من قابله وواجهه رجل فقير أعور، فتشاؤم الملك من التصبح به فأمر بسجنه وكان نهار الملك على عكس ما اعتقد وتطير كان نهاره سروراً كله ونشاطاً وبهجة. فلما رجع في المساء. أمر بالإفراج عن الفقير الأعور من السجن، فامتنع الأعور عن الخروج من سجنه، إلا إذا سمح له الملك بلقائه فأدخل على الملك، وقال الأعور: لم سجنتني أيها الملك؟ فقال تصبحت بأعور مشوه الخلق، فخشيت أن يتشوه جمال يومي وينقص سروره، فلما كان العكس خليت سبيلك، فقال الأعور: أيها الملك أينا المنحوس أنا أم أنت؟ فدهش الملك من هذه المفاجأة، وقال للفقير الأعور: وكيف ذلك؟ فقال للملك تصبحت بي فكان يومك سروراً وحبوراً ، وتصبحت بك فكان يومي ضرباً وسجناً وشروراً فضحك الملك من النكتة الجميلة وأمر له بجائزة وقال حتى لا يكون أحدنا نحساً على الآخر.

أيها الإخوة:

إن العقل والفكر يحرمان على الإنسان أن يتعقد النحس والشؤم في زمان أو مكان أو إنسان أو حيوان، بل إن كل ما يصيب الإنسان من ضر وسوء ينبغي للعاقل أن يعلم أن مرد ذلك إلى تقصيره في أعماله أو إهماله لشؤونه أو عدم تفكيره ونقص دراسته لأموره. أو بسبب ذنوبه وخطاياه مع ربه، لا أن يتجاهل كل ذلك وينسب النحس والشؤم إلى غيره.

أيها الإخوة:

إن الدين والإسلام يحرمان تحريماً قاطعاً اعتقاد النحس والتشاؤم في أي شيء من الأشياء. لأن مبنى الدين والإسلام على الحقائق لا على الوهم والخيال. فقال صلى الله عليه وسلم: «ليس منا من تطير»(بن عدي عن أبي هريرة) أي تشاءم أو اعتقد النحس.

كما علمنا النبي الكريم طريقة الخلاص من عقيدة التشاؤم والتطير بقوله: «إذا عرض لأحدكم تشاؤم وتطير فليقل: اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت ولا يصرف السيئات إلا أنت ولا حول ولا قوة إلا بك»بو داود والبيهقي عن عروة بن عامر القرشي. وهذا دواء فكري واعتقادي أما علاج التشاؤم بشكل عملي. فهو أن نمضي قدماً إلى الإمام في كل عمل من غير تحول ولا تردد ومن غير وسوسة ولا تقهقر قال صلى الله عليه وسلم: «إذا تطيرت فامض، وإذا حسدت فلا تبغ وإذا ظننت فلا تحقق»الطبراني عن ابن حصي والسلام.