نظرة الإسلام إلى المال
نظرة الإسلام إلى المال

إن كل من ينظر بدقة وعمق إلى القرآن العظيم. وإن كل من يتلوه بتدبر وفهم. يجد هدى الله في كتاب يتجه بالإنسان ويأخذ بيده إلى ميادين الحياة، إلى ميادين الإنتاج والكفاح، إلى ميادين العمل الشريف المثمر، على العكس، مما يفهمه بعض القاصرين الـمـتعنتين والمتزمتين.

1961-06-07

أيها الإخوة:

يقول الله تعالى: {يا أيُّها الذين آمنوا إذا تداينتُم بِدَينٍ إلى أجلٍ مُسمى فاكتبوه} إلى أن يقول: {ولا تسأموا أن تَكْتُبُوه صَغيراً أو كَبيراً إلى أجله ذلِكُم أقسَطُ عِنْدَ اللهِ وَأَقْوَمُ للشّهادةِ وَأَدنى أن لا تَرتَابوا} [البقرة الآية: 282].

ويقول أيضاً: {ولا تُؤتُوا السُّفَهاء أموالكُم التي جَعَلَ اللهُ لكُم قياما} [النساء الآية: 4].

إلى جانب آيات كثيرة في القرآن كلها دلالة وبيان لمكان الثروة في الإسلام، وجميعها تحبيذ وترغيب في اكتساب المال الذي هو من أقوى دعائم الأعمال كقوله تعالى: {فإذا قُضيت الصلاةُ فانتَشِروا في الأَرْضِ وابْتَغوا مِنْ فَضْلِ الله}[الجمعة الآية: 10].

وكخطاب الله للإنسان حيث يقول: {وابتغِ فيما آتاكَ اللهُ الدّارَ الآخِرَةَ وَلا تنس نصيبَكَ مِنَ الدنيا} [القصص الآية: 77].

أيها الإخوة:

إن القرآن الكريم جعل في بعض آياته الغني والثروة شعار عباد الله، الذين أحبهم ورضي عليهم، وجعل الوسعة المادية والبحبوحة واليسار، في الدنيا كعلامة ومكافأة لكل من استقام على شريعة الله وحرص على طاعة ربه، وابتعد عن معاصيه، تقديراً من الله تعالى لإحسان المحسن، ومكافأة من الرب جل جلاله لكل مستقيم على جادة الهدى والصواب.

فقال تعالى في سورة نوح:

{استغْفِروا رَبّكُم إنَّه كان غفّاراً يُرْسِل السَّماءَ عليكُم مِدراراً ويُمدِدْكُم بأموالٍ وبَنْينَ ويَجْعَلْ لَكُمْ جَنّاتٍ ويَجْعَلْ لَكُمْ أنهارا} [نوح الآية: 10 ـ 13].

فها نحن نرى أيها الإخوة في نص كلام الله تعالى، أن الخصب والرخاء والقوة بالثروة والمال، إلى جانب هبة الله للإنسان الأولاد والأحفاد، مع الحدائق والرياض المزينة بأنواع الثمار والورود والأزهار حيث الأنهار العظيمة، والعيون الغزيرة، المتدفقة بالماء والحياة، ها نحن نرى في كتاب الله.

أيها الإخوة:

إن وجود هذه الأنواع المنوعة من النعم والخيرات، هي من مستلزمات المؤمنين المستغفرين وأنها لا تفارق ولا تجانب التائبين المنيبين والفاهمين العالمين.

أيها الإخوة:

لقد أعطى الله من نفسه وعداً صادقاً وسجل على ذاته عهداً قاطعاً، لعبده المؤمن المتقي الفاهم عن الله إرشاده وتوجيهه أعطاه صكاً على ذاته العلية أن يهبه العيشة الراضية، وأن يحييه الحياة الهنية في هذه الدار. وعند لقاء الله في الدار الخالدة الباقية. فقال الله تعالى:

{لِلْذين أحسَنُوا في هذه الدُّنيا حسنةٌ ولدارُ الآخرةِ خَيْرٌ ولَنِعْمَ دار المتّقين} [النحل الآية: 30].

كما نص القرآن الكريم أيها الإخوة:

على أن مكافأة الله لعباده الذين اهتدوا بهدي ربهم وطبقوا قوانينه في حياتهم وأعمالهم، والذين تحلوا بالأخلاق وقاموا بأداء الواجبات والأعمال، التي طلبها الله منهم نص القرآن العظيم على أن مكافأة الله المتقين هؤلاء، تكون في الدنيا، بما يسدي إليهم من خيرات، لا تنقص عنده في الدار الآخرة ولا تحد من مكانتهم ودرجاتهم العالية في جنات الخلود. فقال تعالى عن إبراهيم عليه الصلاة والسلام.

{وآتينَاه أجرهُ في الدنيا وإِنَّه في الآخرةِ لَمِن الصّالحين} [العنكبوت الآية: 270].

أيها الإخوة:

كما روت لنا الأخبار عن هبة الله لخليله ونبيه إبراهيم عليه الصلاة والسلام الأولاد الأنبياء والذرية المرسلين، إلى جانب تخليد الله لذكر سيدنا إبراهيم والثناء عليه على مر الدهور والعصور.

أيها الإخوة:

إن كل من ينظر بدقة وعمق إلى القرآن الكريم، وإن كل من يتلوه بتدبر وفهم، يجد هدى الله في كتابه، يتجه بالإنسان ويأخذ بيده إلى ميادين الحياة، إلى ميادين الإنتاج والكفاح، إلى ميادين العمل الشريف النافع المثمر، والعكس بالعكس تماماً، بالنسبة لما يفهمه بعض القاصرين والمتعنتين والمتزمتين، من أن التدين عزلة عن ميادين الحياة وابتعاد عن جادة الكسب والإنتاج، وزهد وإعراض عن اكتساب أسباب القوة المادية والمعنوية، يسترون بهذه المدعيات عجزهم وكسلهم، وخورهم وضعفهم، ويروجون بضاعتهم الكاسدة المزجاة، على فقراء العلم وضعيفي الثقافة القرآنية وينشرون بذلك الفقر والعجز هنا وهناك وينشرون ذات اليمين وذات الشمال الخمول والضعف والكسل. بل يزيدون على ذلك الغمز واللمز والتلويح أو التصريح بنقد كل جاد مجتهد والتعريض بكل مكافح منتج، ويجعلون من علامة الكمال في الدين، والورع فيه والتمكين، الفقر والإفلاس والجوع والحاجة إلى الناس، ونسوا أن نبي الله يوسف عليه السلام طلب بلسانه من عزيز مصر، أن يتولى وزارة المال والتموين، كما قال الله عنه:

{اجْعَلْني على خَزائِنِ الأَرْض إِنِّي حَفيظٌ عَليم{ ثم قال تعالى: }وَكذلِك مكَّنا ليُوسُف في الأرضِ يَتَبَوأ منها حَيْثُ يشاءُ نُصيبُ برحمَتِنا من نشاءُ ولا نُضيعُ أَجْرَ المحسِنين وَلأَجر الآخرةِ خَير للذينَ آمنُوا وكانوا يتَّقُون} [يوسف الآية: 55 ـ 58].

إلى أن قال الله في حق يوسف، وقد تبوأ عرش الملك وصارت كنوز الذهب والفضة تحت قدميه وقد رفع أبويه على العرش وخر له إخوته سجداً، قال الله تعالى عن لسان نبي الله يوسف حينذاك: {قَدْ مَنَّ الله عَلينا إِنَّه مَنْ يَتَقِ ويَصْبِر فإنَّ الله لا يَضيعُ أَجْرَ المُحْسِنين} [يوسف الآية: 90].

أيها الإخوة:

إن الدين الحق والإسلام الحقيقي لم يقف مع المتدين عند حد أداء فرائض العبادات والابتعاد عن المحرمات والمنكرات فحسب، ولم يكتف الإسلام ولم يرض للمؤمن، أن يكون ذا أخلاق عالية مع الناس والخلق مجداً مجتهداً في أمر آخرته معتنياً جاهداً بأمر روحه وقلبه فقط، في وقت يتركه مهملاً لأمر دنياه، بعيداً عن ميادين الحياة لم يرض الدين أن يكون المؤمن زاهداً أو مزهداً في اكتساب الثروة والمال، قاعداً متقاعساً عن الكفاح والنضال صديقاً للفقر حليفاً للجوع والعري، جليساً للفاقة والحاجة، قعيد بيت وجليس ظلام، عدواً لنعم الله إذا وجدها عند عباده.

بل جعل الإسلام المؤمن الصادق والدين المخلص، هو من وعي عن الله دينه، وتدبر كلامه وهديه. واستصحب في هذه الحياة، إلى ميادين الكسب والعمل عقله وفكره ودرس تاريخ العرب قبل الدين والإسلام، كيف كانوا فقراء تعساء جياعاً عراة، مرضى جهلة، أذلة مستعمرين، ثم لما أكرمهم الله بنزول وحيه وفهم قرآنه، وتدبر أحكامه وتنفيذ أوامره والعمل بوصاياه كيف أغناهم الله وأعزهم، وكيف جعل خزائن الدنيا بين أيديهم وتحت أقدامهم تحقيقاً لوعد الله الصادق حيث يقول{وَمَن يَتَّقِ اللهَ يجْعَل لهُ مَخرَجاً ويَرْزُقُه مِن حيثُ لا يحْتَسَب} [الطلاق الآية: 2 ـ 3].

ومكافأة من الله لهم وثواباً منه على حسن فهمهم لدين الله وشريعته، التي منها قوله تعالى{فامشُوا في مَنَاكِبِها وكُلوا من رِزْقِهِ وإليهِ النشور} [تبارك الآية: 15].

وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «نعم العون على تقوى الله المال»الحاكم عن طارق بن أشيم.، وقوله: «نعمت الدنيا لمن تزود منه لآخرته حتى يرضي ربه وبئست الدار الدنيا لمن صدته عن آخرته، وقصرت به عن رضى ربه وإذا قال الإنسان قبح الله الدنيا، قالت الدنيا قبح الله أعصانا لربه»الديلمي عن جابر.