الجزائر ومقاطعة فرنسا
الجزائر ومقاطعة فرنسا

هل تصورت أيتها الأم العربية أزيز الطائرات وهي تغير على مدن الجزائر وقراها، وهل تصورت المدافع وهي تحصد الشباب، إذا تصوت ذلك فكيف تجمعين بين هذا المشهد ومشهد أولادك يحملون كتب دراستهم إلى المدارس الفرنسية.

1961-01-11

أيها الإخوة:

الجزائر وما أدارك ما الجزائر، شعب مؤمن بربه وعروبته، مطالب بحريته. أعزل من السلاح إلا سلاح الصبر والإيمان.

الجزائر وما أدراك ما الجزائر، أعوام ستة كاملة وهذا العام السابع. سبعة أعوام، تدك فيها المدن والقرى، وتخرب البيوت على رؤوس الأطفال والنساء، سبعة أعوام تنتج أرامل ويتامى بمئات الألوف. وتشرد وتطرد سكان مئات القرى من مساكنهم إلى الخلاء والصحارى، تحيط بهم الأسلاك الشائكة والحراب الظالمة الدامية.

شعب سرق الاستعمار الفرنسي منه أمواله وأراضيه، وفرض عليه لغته الفرنسية، وحرم عليه لغة القرآن وفصاحة اللغة العربية.

الجزائر وما أدراك ما الجزائر، فرنسا أم الحرية الكاذبة، والعدالة المزيفة الجائرة، وأم العلمانية الباطلة، تحول مساجد القرآن إلى معابد للفرنسيين وتخص أبناء المستعمرين بالجامعات والمدارس، وتترك أبناء الجزائر العربية للجهل والأمية.

يريد بذلك الفرنسيون أن يطفئوا نور الله بأفواههم، ويأبى الله إلا أن يتم نوره، ولو كره المجرمون.

استعانت فرنسا على شعب الجزائر المؤمن العربي الأبي، بنشر الفقر وتعميم الأمية والجهل، وبجيوشها الجرارة وبأساطيلها البحرية والجوية، وبإنكلترا وأمريكا، وبحلف الأطلسي، وبمعامل السلاح في أمريكا، وبشبابها تسوقه إلى المجزرة كما تساق البهائم والأنعام. كل ذلك وشعب الجزائر صامد صابر، وجائع ماهر. يريق دماءه بسخاء الأنهار المتدفقة، ويقدم الضحايا تلو الضحايا، وقوافل الشهداء وجموعاً متلاحقة متمثلاً بقول الشاعر:

بــيــن طــعــن الــــقـــنـا و خـفــق البــنـود
عش عـزيــزا أو مـــت وأنت كريم


يا شعب الجزائر: أي فخار كتبته بدمائك الطاهرة للأمة العربية، وأي تاج من المجد جعلته على هامة الأمة العربية.

لئن لم تساعد العرب الظروف مــؤقــتــاً، أن يحملوا السلاح معك في الجبال والوهاد. وهذا أنت في غنى عنه الآن.

ستنتصر يا شعب الجزائر، قريباً وقريباً جداً بسلاح فتاك، وبسيف ماض، صلاح المقاطعة الاقتصادية والمقاطعة الثقافية، والمقاطعة الدبلوماسية.

ستخرج يا شعب الجزائر من معركتك الجبارة في الجزائر نفسها، ظافراً منصوراً وسيخرج الاستعمار الفرنسي من بلد العروبة خاسئاً ذليلاً مطروداً.

أيها العربي.. هل تعلم أنك بشرائك السيارة الفرنسية أو الأدوية الفرنسية. هل تعلم أنك بعملك هذا، تمد فرنسا بالسلاح والمال على إخوانك في الجزائر.

(أيتها الأم العربية)

هل تعلمين أنك بشرائك الأقمشة والعطور الفرنسية، هل تعلمين أنك بعملك هذا ترملين أخواتك في الجزائر، وتيتمين أطفالاً كالورود فيها.

(أيها التاجر العربي)

هل تعلم أنك باستيراد البضائع الفرنسية، هل تعلم أنك بعملك هذا إنما تغذي الجيش الفرنسي بالمال والسلاح. وتعين بعملك هذا فرنسا على استباحة أعراض الجزائريات وعلى إزهاق الأرواح، أرواح إخوانك الجزائريين العرب.

(أيها الوالد العربي) هل تعلم أن إرسال ولدك إلى معهد فرنسي، لينتزعوا منه عروبته وإيمانه باسم العلم والثقافة. هل تعلم أنك بعملك هذا، قد انحزت والتحقت بالجيش الفرنسي المقاتل لإخوانك في الجزائر. ألست ترسل ولدك وابنتك ليعلمه سفاحو الجزائر وليثقفه مصاصو الدماء في الجزائر العربية. هل فقدت المدارس والمعاهد في دنيا العروبة إلا المدارس الفرنسية. أتظن أن لم ترسل ولدك إلى مدارس فرنسا، أنه سيحرم العلم والثقافة، وينشأ جاهلاً أمياً؟

(أيتها الأم العربية) هل تصورت أزيز الطائرات الفرنسية، وهي تغير على مدن الجزائر وقراها. تمطرها بقنابلها المدمرة الحارقة كالوابل المدرار. وهل تصورت (أيتها الأم العربية) المدافع الرشاشة بيد السفاحين الفرنسيين المجرمين. وفي بطون العربيات الحوامل. هل تصورت أيتها الأم آلاف الأطفال والنساء، وقد اصفرت منهم الوجوه من الجوع في معسكرات الاعتقال، وامتلأت قلوبهم من الفزع والرعب من الجنود الفرنسيين الأنذال. إذا تصورت (أيتها الأم العربية) ذلك، فكيف تجمعين بين هذا المشهد، ومشهد أولادك، وهم يحملون كتب دراستهم إلى المدارس الفرنسية. يتلقون منها عطف المدرسة وحنانها ورعايتها وإخلاصها.

(كيف تجمعين أيتها الأم العربية) بين هذين المنظرين وبين عروبتك وإسلامك. بين إيمانك وأقرانك. أم كيف تقدرين نظر الفرنسيين السفاحين لدماء العرب والعروبة. إليك وإلى العرب. وحال الجزائريين. دموع ودماء. وحزن وبكاء. وفي كل بقعة جزائرية، أرامل وثكالى، وأيتام وشهداء. (أيتها الأم العربية) هل إرسال أولادك إلى المدارس الفرنسية، حرب على فرنسا ونصرة للجزائر؟ أم نصر لفرنسا وحرب على الجزائر؟ العروبة ليست نطقاً بلغة الضاد. ولكن العروبة نصرة أبنائها ومحاربة أعدائها وظالميها.. الإسلام ليس صلاة في مسجد تؤدى فقط والمسيحية ليست إنجيلا في كنيسة يتلى فحسب. ولكن الدين الحق الذي يقبله الله، نصرة الحق وأهله، ومحاربة المؤمن للظالم وإن كان من بين أهله.

أيها الإخوة:

الاستعمار الغاشم يحاربنا بإجماع، فلنحاربه بإجماع، للغرب يحاربنا بكل الوسائل، فلنحاربه بكل الوسائل، وبالقليل والكثير والعظيم والحقير. قال الشاعر:

افعل الخير ما استطعت وإن كا
ن قليلاً فلن تحيط بكله

ومتى تفعل الكثير من الـــخـي
ـر إذا كنت تاركاً لأقله


ويقول الله تعالى: (وأعدوا لهمْ ما استَطعْتُمْ مِنْ قوة ومنْ رِباطِ الخيلِ، تُرْهبونَ به عدو الله وعدوَّكُم) [الأنفال: 61].

وقال أيضاً: {يا أيها الذين آمنوا إنْ تنصروا اللهَ ينصرْكُم ويثَبِّتْ أقدامكم} [سورة محمد عليه الصلاة والسلام: 7].