يا ربيعنا الجديد
يا ربيعنا الجديد

يا ربيعنا الجديد ويا ضيفنا الكريم كثير من العرب لا يعلم قيمة هديتك، كثير وكثير من شبابنا لا يعرف عنك إلا بإيجاز. يا ربيع: ماذا كان مصير الأمة العربية لو انتصرت العروبة العلمانية الجاهلية على العروبة الإسلامية والقرآنية؟ يا ربيع: إن دينك علينا لعظيم وإن معروفك لنا لكبير وخطير لا ينكره إلا لئيم، لقد ملأت جزيرة العرب بهجة ونوراً وثقافة وعلوماً وعقولاً للعرب وقلوباً.

1961-08-16

أهلاً بك يا ربيع، أهلاً بك وسهلاً، يا ربيع العرب والمسلمين والشرق، بل يا ربيع الإنسانية والرحمة، يا ربيع المعارف والعلوم.
أهلاً بك وسهلاً يا ربيع الوحدة والتحرر، يا ربيع القوة بعد الضعف، يا ربيع الغنى بعد الفقر، يا ربيع العلم بعد الجهل.
هل جئتنا يا ربيع لتتقاضى منا حقك ودينك، أم هل جئت لتتحرانا وتتعرف علينا، هل نحن معترفون بجميلك شاكرون لمعروفك أم لتجدنا نحن العرب متنكرين للمنعم كافرين بالنعم، جفاة لك وغير أوفياء؟
يا ربيع، إن دينك علينا لعظيم، وإن معروفك وصنيعك لنا لكبير وخطير لا ينكره إلا كل لئيم، وجاهل أثيم.
يا ربيع: لقد ملأت بهديتك الثمينة جزيرة العرب، بهجة ونوراً، وثقافة وعلوماً، ومنحت بهديتك العظيمة للعرب عقولاً وقلوباً، وجعلت لهم من الأمم البيض والسود والسمر والصفر، إخوة وأنصاراً وحلفاء أبراراً، يفرحون لفرح العرب، ويحزنون لحزنهم، ويعتزون بعزتهم، ويفتخرون ببطولتهم، بل لقد أرغمت يا ربيع أعداءنا الطغاة أن يعترفوا برحمة العرب وإنسانية المسلمين وبطولتهم، حتى أعلنوها مدوية مجلجلة قائلين: {ما عرف التاريخ فاتحاً أرحم من العرب} ـ غوستاف لوبون ـ بل لقد حمل حب الحقيقة والعدالة والإنصاف، بعض الأوربيين العاملين الإنسانيين، وقد ساءهم ما أصاب العرب من هزيمة في معركة بواتيه، أن يقولوا: {لو انتصر العرب المسلمون في معركة بواتيه لما تأخرت الحضارة الأوربية ثمانية قرون}.
يا ربيعنا الجديد، ويا ضيفنا الكريم، كثير من العرب لا يعلم قيمة هديتك، ولا عظيم فضلك، ولا تفاصيل محنتك، مع أنه قد عرفها كل الأغراب، ممن يعشق الثقافة العامة وتاريخ الأمم وحضارتها، من ألمان وانكليز وإيطاليين وإفرنسيين وسواهم، وهاهي كتبهم ومترجماتهم عن قيمة هديتك يا ربيع، تملأ المكاتب في المشارق والمغارب ولكن لا تصل إليها يد قصيرة تثقفت في مدارس الاستعمار والمحتلين، وكيف يستنير من حرم الاستنارة بنورها ممن ملأ المستعمرون عينيه تراباً ورملاً، كيف يستطيع يا ربيع أن يفتح أبواب كنوزك العلمية والأدبية، والتاريخية والعسكرية، من لا يحفظ إلا أدب الغرب المستعمر ولا يجيد إلا شعر الشرق الملحد، ويروي أسماء علمائهم وأدبائهم، بينما هو لم يستوعب من سيرة من شرفت يا ربيع بميلاده وظهوره، بل ولم يدرس تحليل شخصيته، ولم يعرف شمائله، ولم يتفهم كنه شريعته، ولم يمتع النفس والعقل بمعرفة أخلاقه الملائكية ومناقبه العالية، ومعجزاته النبوية الخالدة، كثير من شبابنا وفتياتنا يعرفون الكثير والكثير عن نابليون وبسمارك، وماركس ولينين وعن أبطال وكتاب وشعراء ومغنيات أوربا وراقصات هوليود وأمريكا، ولا يعرفون بإيجاز ولا تفصيل، شيئاً عن الصديق خليفة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم أول عربي مسلم يرسل جيشه لتحرير العراق من الاستعمار الفارسي، ولتحرير الشام من الاستعمار الروماني، كثير وكثير من حملة الثقافة والعلم، لا يعلمون النـزر اليسير عن سيرة عمر بن الخطاب، محرر شمال أفريقيا الشرقي والباقي من الخليج العربي، والملاحق للاستعمار الفارسي المصارع له والمجهز عليه في عقر داره، وداخل قلاعه وأسواره، بل والمتجاوز لحدود فارس إلى مشارف الهند شرقاً ومشارف تركستان شمالاً، حاملاً راية القرآن لينقذ الإنسانية المقهورة الجاهلية المستعبدة التي تعبد الملوك والأصنام والنيران، وليعلي كلمة الله على عروش القلوب، ولغة الضاد على المنابر والمآذن.
كثير وكثير لا يعلمون أن عثمان بن عفان، هو أول من عمل ترسانة عربية، صنع فيها أول أسطول بحري ضخم، فتح به قبرص حتى لا يتخذها الاستعمار البيزنطي أو الأوربي قاعدة حربية لمهاجمة السواحل العربية، ولا يعلمون أنه هو الذي استكمل فتح شمال أفريقيا، وهو الذي وصلت جيوشه العربية إلى حدود الصين، حيث لا سيارة ولا طائرة، ولا خطوط حديدية ولا مراكب بخارية.
يا ربيعنا الأول، لعلك تسائلنا عن أبطالنا العرب، وساستنا وقواد الجيوش أمثال خالد وسعد وقتيبة وطارق وابن نصير وصلاح الدين وغيرهم، لعلك تسائلنا يا ربيع عن سر عظمتهم ونجاح سياستهم ونزاهة عدالتهم: لعلك تسائلنا يا ربيع عن انتصارات خالد والمثنى والنعمان بن مقرن وأبي عبيدة وابن العاص، تسائلنا يا ربيع كيف غلبت جيوش عربية قليلة بعيدة مواصلاتها، فقيرة ميزانياتها، كيف غلبت فيالق كبرى، وجحافل تترى، نظامها محكم خطير، وسلاحها وافر غزير، ألا يحق لك ياربيع، أن تسألنا، من الذي جمع تلك القبائل العربية المتناحرة ووحدها، ومن الذي دفعها لمهاجمة امبراطوريتين استعماريتين في وقت واحدة، من الذي وجهها لشمال جزيرة العرب بعد تحرر جنوبها؟ من الذي حمل العرب ودفعهم على ذلك؟ إن من ألم بالثقافة الإسلامية، تاريخاً وتفسيراً لآي القرآن، ومعرفة بالأحاديث النبوية، ودراسة لمناقب أبطال العرب والمسلمين وقادتهم، هو الذي يجيبك يا ربيع، إن الذي وحد العرب وحررهم هو القرآن وإن الذي نفخ فيهم روح الجهاد والنضال، لهو الإسلام، والذي نشر في العرب نور العلم والحضارة لهو الإسلام، والذي جعلهم أسياد الدنيا آنذاك، لهو الإسلام، والذي جعل للسيد المسيح أنصاراً له ومدافعين عن سمو رسالته وأمه العذراء البتول زيادة عن خمسمائة مليون نسمة، لهو الإسلام.
وإن أول جيش تحريري ألف لمهاجمة الاستعمار على حدود الأردن كان بأوامر السماء الناطقة بها، آي القرآن؛ وإن أول آية نزلت في القرآن العظيم لطرد الاستعمار ومقارعته على حدود الأردن هي قوله تعالى:
(ياأيها الذِينَ آمَنوا مَالكمْ إذَا قيْلَ لكُمُ انفِروا في سَبِيْلِ اللهِ اثاقلْتُمْ إلى الأرْضِ، أرَضِيتُمْ بالحَياةِ الدُّنيا مِنَ الآخِرَةِ فما مَتاعُ الحَياةِ الدُّنيا في الآخِرَةِ إلاَّّ قليْلٌ) ـ التوبة: الآية 39 ـ إلى أن قال تعالى:
(انفِروا خِفافَاً وثِقالاً، وجاهِدُوا بأمْوالِكُمْ وأنْفُسِكُم في سَبيلِ اللهِ ذلِكُمْ خيرٌ لكم إنْ كُنتُمْ تعلَمونَ) ـ التوبة: الآية 42 ـ.
فجهز النبي صلى الله عليه وسلم جيش تبوك بقيادته، ثم قام بعده بتنفيذ أحكام القرآن التحريرية النضالية تلامذته، الصديق والفاروق، وذو النورين، وغيرهم، حتى بلغت فتوحات العرب والمسلمين تلك الفتوحات التحريرية والعلمية والحضارية ما بلغت.
(يا ربيع) لعلك تسائلنا، ماذا كان وماذا سيكون لو انتصرت عروبة أبي جهل وأبي لهب؟ وماذا لو انتصرت عروبة أبي سفيان المقاتل آنذاك للإسلام وللنبي عليه السلام؟ ماذا كان المصير للأمة العربية، لو انتصرت عروبة أبي سفيان وعروبة حمالة الحطب، المعادية للقرآن وللإسلام، تلك العداوة، التي كان يضرم نيرانها في الخفاء وبالدهاء الصهيونية الماكرة، والاستعمار البيزنطي المتآمر؟ ماذا كان المصير لو انتصرت العروبة العلمانية الجاهلة، على العروبة الإسلامية القرآنية، عروبة محمد وأبي بكر وعمر وخالد وسعد، ونور الدين وصلاح الدين، تلك العروبة الإسلامية التي بفضل القرآن وقدسيته حفظت لغة العرب للعرب أربعة عشر قرناً، وخطت للعروبة في صفحات التاريخ أمجاداً خالدة، وأياماً ضاحكة باسمة.
لقد هزم العرب المسلمون في بواتيه يا ربيع فتأخرت الحضارة العالمية ثمانية قرون، فلو هزمت عروبة محمد في مهدها، وجزيرتها، وانتصرت عروبة أبي جهل، لبقي العالم كله دون شك حتى الساعة، يغوص في جهله الشنيع ويعيش في ظلامه المريع، ولبقيت الأمة العربية حتى اليوم قبائل متنافرة، وقلوباً متباغضة، وعقولاً سطحية ساذجة يركع أصحابها للات والعزى، ومناة الثالثة الأخرى.
يا ربيع كأني بك تقول بعد السؤال والجواب: أفيقوا أيها العرب من سباتكم، إنتبهوا أيها العرب إلى من حولكم، اعتصموا بحبل الله جميعاً، اعتصموا بقرآن الله الكريم، لتعودوا خير أمة أخرجت للناس فتكونوا غرة في جبين الدهر وتاجاً على هام الزمن.