يا ربيع ويا رسول الله
يا ربيع ويا رسول الله

يا أبا العروبة والإنسانية والإسلام، من المعلن سواك لا فوارق ولا رتب بين الأنساب والطبقات وبين الأجناس والألوان، لا تفاوت إلا بالفضائل والأعمال النافعة المنتجة؟ من المنادي: أيها الناس إن ربكم واحد وإن أباكم واحد لا فضل لعربي على أعجمي ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى؟ أجيبوا شريعته يا عرب وتابعوا سنته يا مسلمين.

1961-08-29

مرحباً بك يا ربيع، يا ربيع النور والهدى، يا مولد العرفان والتقوى، مرحباً بك يا ربيع، يا ربيع العرب والمؤمنين، يا نصير الإنسانية ومظهر العدالة والرحمة العامة.
مرحباً بمولدك العظيم أيها النبي الكريم الرؤوف الرحيم والبر الحليم:
يا رسول الله لقد تحقق بمولدك العظيم للأمة العربية بل وللبشرية جمعاء، وجودها الحي، ووعيها النامي، وحضارتها وثقافتها المتزايدة، وقد تمَّت للعرب بمولدك الكريم يا رسول الله، وحدتهم، ونضالهم، وتحررهم من الجهل والجاهلية، والأنانية والعصبية القبلية، تحررهم من الفقر والفاقة، ومن ذل الاستعمار ونير الأجنبي.
يا رسول الله ألست أنت المنادي بتعميم العلم، ونشر المعرفة، بين العرب والمؤمنين؟ والداعي والمنقذ إلى محو الأمية بين صفوف المسلمين؟ بقولك {اطلبوا العلم ولو في الصين} ـ ابن عدي والبيهقي ـ وقولك {طلب العلم فريضة على كل مسلم} ـ رواه البيهقي ـ وقولك {ليس مني إلا عالم أو متعلم} ـ الديلمي عن ابن عمر ـ.
يا رسول الله. ويا نبي الهدى. إن العالم اليوم وفي القرن العشرين. منقسم إلى معسكرين، رأسمالي وشيوعي، أحدهما يبيح للفرد أن يملك ما يشاء من الملايين، والآخر ينتزع من الإنسان حرية فكره وعقيدته وحرية تملكه القليل أو الكثير، والمعسكران الرأسمالي والشيوعي، يكادان يشعلان حرباً على البشرية، لا تبقي ولا تذر، فما هو موقفك يا رسول الله، من الأغنياء تجاه الفقراء، ومن الرأسماليين تجاه العمال والكادحين.
أخوتي وأخواتي:
هدوءاً وإنصاتاً، وسكوناً واستماعاً، لنبي الرحمة ورسول الإنسانية، لنستمع إلى نطق النبي العربي، بصدد قضائه في تأمين العدالة الاجتماعية بين الطبقات.
ها هو ذا سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، يظهر لنا حكماً عدلاً، وقاضياً مقسطاً، فيبلغنا شريعته قائلاً {إن الله فرض للفقراء في أموال الأغنياء قدر ما يسعهم، فإن منع الأغنياء الفقراء حتى يجوعوا ويعروا ويجهدوا، حاسبهم الله حساباً شديداً، وعذبهم عذاباً نكرا}.
أيها الأخوة:
لم يكتف حكم سيدنا محمد بهذا، بل تجاوزه حتى أخرج مانعي الزكاة من حظيرة الدين والإسلام، بل وأعلن أيضاً عدم قبول صلاة أولئك الظلمة الجائرين، الذين لم يشاركوا الفقراء في أموالهم وثرواتهم، ولم يواسوهم ويعينوهم في أزماتهم وشدائدهم، فقال صلى الله عليه وسلم: {لا يقبل الله الإيمان والصلاة إلا بالزكاة} ـ الديلمي عن ابن عمر ـ.
أيها الأخوة:
لا ينبغي لنا أن نعجب ونستغرب، حين نرى الإسلام يحكم بالإعدام على الأغنياء إذا منعوا زكاتهم ومعونتهم المادية عن الفقراء، فها هو سيدنا أبو بكر الصديق يقاتل مانعي الزكاة، ويعتبرهم مرتدين عن الإسلام، بل ويحاربهم قبل أن يحارب الاستعمار ويقاتله.
وها هو ربيع العدالة الاجتماعية، محمد صلى الله عليه وسلم، يرسل أحد أصحابه إلى مانع زكاة ويقول الرسول {اذهب إلى مانع الزكاة، فإن لم يعط صدقته فاضرب عنقه} ـ ابن سعد عن عبد الرحمن ابن الربيع ـ.
يا نبي الهدى والنور، يا رسول الإنسانية والقوة، أي نبي قبلك، بل أي إنسان في تاريخ البشرية، استطاع أن يعمل كما عملت أو يخلد أثاراً كما خلدت، أو يرفع شأن أمته والبشرية جمعاء كما فعلت ورفعت؟
أي إنسان، أي ملك، أي نبي ورسول، استطاع أن ينشئ دولة عالمية عظمى، ويحيي أمماً وشعوباً شتى مختلفة العقائد والألوان، يحيها بشريعة الله ووحيه، ويؤاخي بينها بآية واحدة حيث يقول تعالى:
(إِنَّما المُؤمِنُونَ إِخْوَةٌ) ـ الحجرات: الآية 10 ـ.
أي إنسان وضع أول نظام لأسعد مجتمع، واستطاع أن يطبقه وينفذه كاملاً غير منقوص، يجمع ذلك النظام بين دفتيه ديناً ودولة، ديناً يجمع نظاماً وعلماً وأخلاقاً وتربية وإنسانية وعدالة، ودولة قوية تحمي ذلك النظام وتنفذ ذلك الدين والتشريع.
قال صلى الله عليه وسلم {الإسلام والسلطان أخوان توأمان لا يصلح أحدهما بدون الآخر، فالإسلام أس، والسلطان حارس، ومالا أس له ينهدم ومالا حارس له يضيع} ـ الديلمي عن ابن عباس ـ يا رسول الله، يا نبي الدنيا والآخرة، ما هو هذا الدين الذي جئت به من الله للناس، لتهديهم إلى طريق الخير والسعادة، في معاشهم ومعادهم؟ إن شريعتك الغراء لم تهمل للناس دنياهم كما لا تضيع عليهم أخراهم.
يا رسول الله، ما هو هذا الدين السماوي، الذي جئت به لتساوي به بين العبادة والنسك، والسياسة والتجارة، والزراعة والعمل؟
بل إن دينك يا رسول الله، ليعتبر الأعمال العامة، والخدمات الاجتماعية، والقومية، مع أداء حقوق الله في العبادات، أفضل عشرات المرات، من التفرد للعبادة والنسك والرهبانية في المساجد والمعابد، فها نحن نسمعك يا رسول الله تمجد رجل السياسة والحكم، المستجمع للصفات العادلة، والمناقب المقسطة، التي وضعتها له، بل وترفعه إلى أعلى درجات العابدين الناسكين، فتقول: {السلطان العادل المتواضع، ظل الله ورمحه في الأرض، يرفع له كل يوم عمل سبعين صديقاً، كلهم عابد مجتهد} ـ أبو الشيخ عن أبي بكر ـ كما قلت أيضاً يا رسول الله {عدل يوم واحد أفضل من عبادة ستين سنة} ـ ابن عساكر عن أبي هريرة ـ.
وكما مجدت يا رسول الله السياسة المقسطة، والحكم العادل، فكذلك أعطيت للتاجر المخلص حقه، وللعامل التقي نصيبه، من المنـزلة والكرامة، فقلت: {التاجر الأمين الصدوق مع النبيين والصديقين والشهداء} ـ رواه الترمذي عن أبي سعيد الخدري وقال حديث حسن ـ وقلت أيضاً: {طلب الحلال مثل مقارعة الأبطال في سبيل الله، ومن بات عيياً ـ أي تعباً ـ من طلب الحلال بات والله عنه راض} ـ البيهقي عن السكن ـ لم تكتف يا رسول الله، في الدعوة إلى العمل والأمر به حيث الإنتاج وتحصيل الثمرات، بل نشطت إلى العمل وحثثت على الإنتاج، وإن ضعفت الآمال وحفت الأخطار، أليس هذا نطقك السامي وتعاليمك النبوية المحمدية حيث تقول: {إذا قامت القيامة وفي يد أحدكم فسيلة ـ أي شجيرة ـ فليغرسها} ـ الإمام أحمد عن أنس ـ!.
يا نبي العدالة والرحمة والسلام، من القائل المعلن، ومن الداعي إلى هذه الأخلاق الإنسانية العامة، ومن الذي اعتبرها قبلك أو بعدك من دعائم الإيمان وقواعده؟ ألست القائل يا رسول الله {ثلاث من الإيمان من جمعهن جمع الإيمان، الإنفاق من الإقتار ـ تنفق وأنت تعلم أن الله سيخلفك ـ وإنصاف الناس من نفسك ـ لا تلجئهم إلى قاض ـ وبذل السلام للعالم} ـ البزاز والطبراني عن عمار بن ياسر ـ يا نبي العدالة والمساواة، ويا رافع الفوارق والرتب بين الأنساب والطبقات، وبين الأجناس والألوان، لقد أعدمت التفاوت بين الناس إلا بالفضائل الإنسانية، والأعمال النافعة الانتاجية، ألست أنت المنادي المعلن {أيها الناس إن ربكم واحد، إن أباكم واحد، لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لأبيض على أسود، إلا بالتقوى، إن أكرمكم عند الله أتقاكم، ألا هل بلَّغت؟ فليبلغ الشاهد الغائب} ـ رواه البيهقي ـ.
أيا أبا العروبة والإنسانية والإسلام، من المعلن سواك حيث تقول: {إن أهل بيتي هؤلاء، يرون أنهم أولى الناس بي، وليس كذلك، إن أوليائي منكم المتقون، من كانوا وحيث كانوا، اللهم إني لا أحل لهم فساد ما أصلحت، وأيم الله، لتنقلب فئة من أمتي عن دينها، كما يكفأ وينقلب الاناء في البطحاء} ـ الطبراني في الكبير عن معاذ ـ.
أيها الأخوة:
أليست مبادئ من شرف ربيعنا بميلاده، موضع الاعتزاز والفخار للعرب والمسلمين، فأجيبوا شريعته يا عرب، وتابعوا سنته يا مسلمين، تفوزوا ببشارته القائلة: {العامل بسنتي عند فساد أمتي له أجر خمسين شهيداً} ـ البيهقي عن ابن عباس ـ.
والسلام عليكم ورحمة الله.