ولا تزر وازرة وزر أخرى
ولا تزر وازرة وزر أخرى

(يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم، لا يضركم من ضل إذا اهتديتم). أيها الناس إنكم تضعونها في غير مواضعها وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن الناس إذا رأوا المنكر ولم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بعقابه. {أبو بكر الصديق}

1961-09-20

أيها الأخوة:
كثيراً مانسمع في المجتمعات، وفي أحاديث السمر من بعض الناس، هذه الكلمة {البلاء يعم، والرحمة تخص}، ونجد في الوقت نفسه من أكثر الجالسين موافقة على معناها باللسان، وتصديقاً لمغزاها بطأطأة الرؤوس والأذقان.
فهل يا ترى تصح هذه العقيدة في الله، بأنه إذا أنزل عقابه على الظالمين، أو إذا طبق عدالته على المسيئين، هل صحيح أن عدله يجمع ويسوي بين المحسن والمسيء في البلاد، ولا يفرق بين الصالح والطالح عند نزول العذاب؟! هل صحيح أن غضب الله عند نزوله يجرف الشقي والتقي؟ ويساوي في النكال بين الممتثل الطائع وبين المتمرد الأبي؟!.
أيها الأخوة:
لم هذا التجني على العدالة الإلهية؟ ولم ننسبب العجز وعدم المقدرة إلى خالق الأكوان والعوالم؟ إننا نثبت بذلك عجز قدرة الله عن استثناء المحسن من عقوبة المسيئين، وعجزه أيضاً عن إنزال العقوبة بالمذنبين وحدهم. فلو رأينا قاضياً أو حاكماً، يعمم العقوبة والنكال، على الناس كلهم، لا يفرق بين محسن ومسيء، ومعوج ومستقيم، لا يميز بين طائع ومتمرد، ألا نقول عن هذا الحاكم، إنه إما ظالم جائر متعسف، أو عاجز ضعيف، في فهمه وعلمه، وتمييزه بين البريء، وبين المجرم المسيء؟
أيها الأخوة:
فهل الله ظالم في قضائه؟ جائر في أحكامه وقصاصه؟ أم عاجز في مؤاخذة المذنب وحده، لا يستطيع أن يقاصص المجرم المسيء، إلا إذا عاقب وعذب الطائع المنيب معه.
أيها الأخوة:
إن القرآن يجيبنا عن هذه القضية أحسن جواب، ويوضح لنا الموضوع ويبينه أحسن بيان، يقول الله تعالى:
(وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أخْرى) ـ الإسراء: الآية 15 ـ
أي لا تحملل النفس التي تعمل الإثم، وتصنع الوزر، عقوبة ومسؤولية إثم ووزر جنته واكتسبته نفس أخرى، فكل امرئ بما كسب رهين، رهين وسجين بفعله هو، لا يسأل ولا يعاقب عن فعل غيره وذنب أحد سواه، قال الله تعالى:
(وَلمَّا جَاءَتْ رُسُلُنا إبْراهِيْمَ بالبُشْرى قالُوا إنَّا مُهْلِكوا أهْلِ هَذه القَريةِ، إِنَّ أهْلَها كانُوا ظَالِمين، قال إن فيْها لُوطاً قالوا نَحْنُ أعْلَمُ بِمَنْ فيْها لنُنَجِيِنَّهُ وأهْلَهُ إلا امرأَتهُ كانتْ مِنَ الغَابِريْنَ) ـ العنكبوت: الآية 31 ـ 32 ـ
أيها الأخوة:
فها نحن نجد خليل الرحمن إبراهيم لما أخبرته الملائكة، بأن الله حكم بإهلاك قوم لوط في قريتهم، نجد إبراهيم عليه السلام قد خشي على سيدنا لوط من ذلك العذاب العام، والغضب الشامل، فطمأنته الملائكة، عن أمر ربها، بأن المؤمن التقي البريء، سينقذه الله من ذلك العذاب العام، وسيسحبه من ذلك العقاب الشامل، كما تسحب الشعرة من العجين:
(قالوا نَحْنُ أعْلَمُ بِمَنْ فيْها لنُنَجِيَنَّهُ وأَهْلَهُ، إلا امْرأَتَهُ كانتْ مِنَ الغَابرينَ) أي الهالكين ـ العنكبوت: الآية 31 ـ 32 ـ
استثنى الله لوطاً وأهله من العذاب فنجاهم لتقواهم، واستثنى الله من أهل لوط الناجين، زوجته، فأهلكها لضلالها وكفرها.
أيها الأخوة:
مع كل ما سبق ذكره لعل قائلاً يقول: إنا نجد، ونرى، البلاء والعذاب، عند نزوله، يشمل الطائع، والعاصي، والبر والفاجر، والتقي، والفاسق، وإن ما سبق ذكره لا يكفي لأن يكون حجة مقنعة لدفع وإبطال هذه العقيدة العامية الجاهلية القائلة {البلاء يعم والرحمة تخص} فنقول في الجواب.
أيها الأخوة:
لا تحسبوا أن فاعل المنكر والمرتكب للإثم والمعلن بمعصية الله، لا تحسبوه أنه وحده، هو المؤاخذ المسؤول، والمعذب المشؤوم، بل يعد في نظر الله وشريعته، شريكا للفاسق الآثم، ومساهما مع الشرير المجرم في جنايته وإجرامه، وشروره وآثامه كل من رأى العاص الفاسق، المهمل لفرائض الله، التارك لواجباته نحو ربه، المنتهك لمحرمات الله، والمتجاوز لحدوده، يعد في نظر الله وشريعته شريكا للمجرم الفاسق، كل من رأى معصية الله من إنسان، فسكت عن سوء فعلته، ولم ينكر عليه جرأته على ربه، يسكت عنه مجاملة أو حياء، أو مراعاة لصحبة أو مودة لقرابته، قال تعالى مخاطباً يوم القصاص أمثال هؤلاء الناس: (إِنَّما اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ الله أوْثاناً، مَوَدَّةً بَيْنَكُم في الحيَاةِ الدُّنيا، ثُمَّ يَوْمَ القيامَةِ يكفْرُ بَعْضُكُم بِبَعْضٍ، وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بعْضاً ومَأواكُمُ النَّارُ وَمَالكُمْ مِنْ ناصِريْنَ) ـ العنكبوت: الآية 25 ـ
أيها الأخوة:
وأوحى الله إلى بعض أنبيائه، إني مهلك من شرار أمتك شرار أمتك ستين ألفاً، ومن خيارهم أربعين ألفاً، قال يا رب هؤلاء الفجار قد علمت سبب عقوبتهم فما بال الخيار؟ قال إن الخيار واكلوا الأشرار، وشاربوهم وجالسوهم وناكحوهم، ولم يتمعر ويتغير وجه أحدهم غضباً يوماً لأجلي.
أيها الأخوة:
وقد يسكت المشاهد للمنكر، ويقف موقف اللامبالاة، بسبب الجهل في الدين وفساد التأويل أو الفهم للقرآن العظيم، فإذا قيل للحاضر مجلس المعصية، المشاهد لها لم لم تأمر بالمعروف وتنه عن المنكر؟ أجابك معتذراً بقول الله تعالى:
فنجيب هذا الأخ الكريم بما روي عن أبي بكر الصديق، وقد صمد المنبر فقال: أيها الناس إنكم تقرؤون هذه الآية:
(يا أَيها الذيْنَ آمَنُوا عَلَيْكُم أنْفُسَكُمْ لا يَضُرُكمْ مَنْ ضَلَّ إذا اهْتَدَيْتُمْ) ـ المائدة: الآية 108 ـ
وإنكم تضعونها في غير موضعها وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: {إن الناس إذا رأوا المنكر ولم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بعقابه} ـ أبو داوود والترمذي والنسائي ـ.
أيها الأخوة:
وقد ضرب النبي الكريم على ذلك مثالاً حكيماً فقال: {مثل القائم على حدود الله، والواقع فيها، كمثل قوم استهموا على سفينة، فأصاب بعضهم أعلاها، وأصاب بعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم، فقالوا لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقاً ولم نؤذ من فوقنا؟ فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعاً، وإن أخذوا على أيديهم فمنعوهم نجوا جميعاً} ثم تلا النبي الكريم قوله تعالى:
(واتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيْبَنَّ الذينَ ظَلَموا مِنْكم خَاصّةَ واعْلَمُوا أنّ الله شَدِيْدُ العِقابِ) ـ الأنفال: الآية 25 ـ
أيها الأخوة:
فلنتب إلى الله جميعاً، التوبة الصادقة النصوح، من ذنوبنا وأوزارنا في أخلاقنا ومعاملتنا، لنتب إلى الله من إهمال فرائضه وارتكاب محارمه، لنتب إلى الله من إهمال تربية أبنائنا وبناتنا وأهلينا، لنتب إلى الله من ذنب السكوت واللا مبالاة عند رؤية المنكرات والمعاصي تفعل جهاراً نهاراً، ولا من يغضب لله (ولا من يحزنون) لعل الله أن يغفر لنا ويرحمنا ويعفو عنا.
(وَياقَوْمِ اسْتَغْفروا ربَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِليْه يُرْسِلِ السّماءَ عَلَيْكم مِدْرارَاً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إلى قُوّتِكمْ) ـ هود: الآية 25 ـ
وقال أيضاً: (وتُوبُوا إلى الله جَميْعاً أيها المؤمِنُونَ لَعَلَّكم تُفْلِحُون) ـ النور: الآية 31 ـ