من الإيمان الحي
من الإيمان الحي

إن من بعض ثمرات الإيمان الحي، ما لا تحيا الأمة إلا به ولا ينجح مصنع ومعمل إلا بوجوده، ولا يتحقق لجيش نصر ولا ظفر إلا إذا وجدت تلك الثمرة ولا يخذل عدو ويهزم إلا إذا تحقق وجود تلك الشعبة من شعب الإيمان الحي ألا وهي الحب. حبك للغير الحب العملي الذي يقوى بقوة الإيمان ويضعف بضعفه.

1961-07-26

أيها الأخوة:
إن الدين الحق للإنسان، حسن وجمال ورفعة وكمال، وإن الإيمان الحي شجرة نافعة، ثمارها يانعة، أغصانها إنسانية وأخلاق، وفاكهتها شهية وحلوة المذاق، ما ذاق طعمها إنسان إلا وجدها غذاء إنسانيته ولا تداوى بها مريض، إلا وكانت له الدواء والشفاء من علته وقرحته، فيها القوة لمن يشكو الضعف، وفيها العزة والكرامة لمن سامه الذل والخسف، فمن ثمار شجرة الدين والإيمان، الرحمة والعدل، والصبر والشكر، والقوة الحزم والكرم والعفو والصفح، والثقافة والفهم والعلم والإنس، والرفق واللطف، لقد أخبر خاتمة غارس شجرة الدين والإيمان النبي العربي محمد صلى الله عليه وسلم عن بعض ثمارها بقوله: {والله لن تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولن تؤمنوا حتى تراحموا، قالوا كلنا رحيم يارسول الله، قال لست أعني رحمة الخاصة ـ أي رحمة أحدكم لأهله وأقاربه ـ وإنما أعني رحمة العامة} ـ الحكيم عن أبي هريرة ـ
ما أجمل هذا النطق النبوي وما أعذبه، وما أحسنه وما ألذه، إن العقل ليرقص لهذا النطق ويطرب، وإن القلب ليهلل لهذا المنطق العذب، حيث يلمس المنصف أن لا إيمان كامل، ولا جنة ولا فردوس إن لم تكن هناك رحمة، وأي رحمة هي؟ هل هي رحمتك للقريب دون البعيد أم للمواطن دون الغريب؟ أم للأبيض مع حرمان الأسود أم لمن هو على دينك فحسب، مع الظلم والجور لمن هو على غير دينك... لا بل هي رحمة عامة لعموم البشر، للإنسان والحيوان، للأبيض والأسود عامة غير خاصة، ومطلقة غير مقيدة، وباعتبار أن النبي صلى الله عليه وسلم هو معلم الرحمة واستاذها، فلنتأمل ماذا كان حظه من الرحمة وما نصيبه؟ وماذا جمع الخلق من رحمته ورأفته؟ لقد خاطب الله نبيه الكريم بقوله:
(ومَا أَرْسلْنَاكَ إلاّ رَحْمةً للعالَمينَ) ـ الأنبياء: الآية 107 ـ
لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم رحمة للناس جميعاً لبرهم وفاجرهم، ومؤمنهم وكافرهم وقريبهم بعيدهم ثم لننظر ثانياً إلى ثمرة أخرى من ثمار الدين الحق والإيمان الحي، ثمرة تجمّل الإنسانية والإنسان، وترفعه إلى أعلى درجات الإجلال والاحترام، ثمرة من ثمرات الدين والإيمان، تطهر النفس من أقذارها، وتبرئها من أسقامها وآلامها، وتحد من جشعها وظلمها وتؤمن الناس من غدر النفس ولؤمها، لقد أعظم النبي الكريم هذه الثمرة الشهية اللذيذة، حتى كاد أن يجعل قيمة هذه الثمرة كقيمة شجرتها، فقال صلى الله عليه وسلم: {الإيمان عفة عن المطامع، وعفة عن المحارم} ـ أبو نعيم في الحلية عن محمد بن النضر الحارثي ـ
والعفة صفة لازمة للنفس المؤمنة، لزوم الروح للجسد، مصاحبة لها صحبة الظل للشخص تبعد العفة ـ المتفرعة من الإيمان والتدين الحق ـ تبعد المؤمن الحق والمتدين بصدق، عن كل رذيلة وصفة خسيسة، وتعدم في النفس شهوة الطمع الحرام، والخيانة والغش، والخديعة والمكر، والظلم والغصب، وتجعل بين المؤمن وسفك الدماء البريئة وأكل مال الحرام من أي كان، وادياً سحيقاً وبحراً عميقاً.
بل لقد أخرج النبي صلى الله عليه وسلم، من حظيرة هذا الإيمان الحي، من فقد الرحمة وجانبها ولو في بعض الحالات فقال {ليس منا من لم يوقر كبيرنا ويرحم صغيرنا ويعط لعالمنا حقه} ـ الإمام أحمد والحاكم عن عبادة بن الصامت ـ
أيها الأخوة:
كما أن من بعض ثمرات الإيمان الحي ما لا تحيا الأمة إلا به، ولا ينجح مصنع ومعمل إلا بوجوده، ولا يتحقق لجيش نصر ولا ظفر إلا إذا وجدت تلك الثمرة، ولا يخذل عدو ويهزم إلا إذا تحقق وجود تلك الشعبة من شعب الإيمان الحي، ألا وهي الحب، ذلك الحب هو حبك للغير الحب الصادق، الحب العملي الذي يقوى بقوة الإيمان بالله، ويضعف بضعفه، ذلك الحب الذي هو وليد التدين الصادق والإيمان الحي الخالص، الذي يوجب على المتصف به إتصافاً واقعياً، وعلى المتخلق به خلقاً عملياً، يوجب عليه نصح الغير ومساعدته وبره ومعونته، وإنصافه ورحمته، بل حبك للناس الناشيء عن الإيمان الصادق الحي، قد يتسامى ويرتفع، حتى يبلغ منزلة إيثارك لأخيك على نفسك، فيجعلك تجوع ليشبع الجائع، وترضى لنفسك بالعري ليكتسي العريان وتختار لنفسك الموت، لتؤثر غيرك بالحياة، هذا فضلاً عن بعدك عن إيذاء من جعله الدين والإيمان أخاً لك وشقيقاً في الدين والإنسانية.
ذكروا أن جماعة ثاروا على بعض الملوك، ثم انتصرت الدولة على الثوار وكان الحكم على الأسرى مختلفاً منوعاً، وذلك على طريقة أن يسحب الأسرى أوراقاً من كيس، قد كتب على الأوراق أحكام مختلفة، من إعدام أو سجن أو جلد، فظهر بعد السحب أن نصيب أحدهم في ورقته الحكم عليه بالإعدام والقتل، فصار يبكي، فالتفت رفيقه إليه سائلاً له عن سبب بكائه؟ فقال والله لست أخشى الموت ولا أهابه، ولكني بكيت على أم لي مقعدة كسيحة عمياء ليس لها كاسب وخادم غيري فتذكرت عجزها ووحدتها بعدي فبكيت رحمة بها وحنانا عليها، فقال له رفيقه، خذ ورقتي فإن فيها الحكم بالسجن وأعطني ورقتك، المحكوم على حاملها بالقتل، فأنت أحق بالحياة والبقاء مني، فبلغ الأمير خبر الرجلين وصدقهما في تدينهما العملي، المثمر لذلك الحب والإيثار، فتشجيعاً للمروءة والأخلاق العالية عفا عنهما جميعاً.
أيها الأخوة:
هذا الحب القوي العارم، الذي ولد الإيثار بأغلى ما يملكه الإنسان وهو الحياة، هذا الحب والإيثار ما نشأ ونما إلا عن ثقافة الإيمان وفهمه، وعميق تربيته، وهو ما فهمه المؤمنون الأولون، من مثل قول النبي صلى الله عليه وسلم حيث يقول {والذي نفس محمد بيده، لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه} ـ الإمام أحمد والنسائي عن أنس ـ ومن مثل قوله تعالى في وصف المؤمنين:
(وَيُؤثِروُنَ على أنفُسِهم وَلو كانَ بِهمْ خَصاصَةٌ) ـ الحشر: الآية 9 ـ
فها نحن نجد أيها الأخوة في المتدين الحقيقي، أعلى مثل رائع في الحب والتضحية، والوطنية والإنسانية.
كما إني أذكر مثلاً آخر في معنى {إن تحب لأخيك ما تحب لنفسك} وهو أن بعض سلفنا الصالح، اشترى مواد غذائية من بعض الناس، كل قنطار بستين ديناراً، فلما أصبح إذا به يطلع إن سعر القنطار ارتفع من قبل الشراء إلى تسعين ديناراً ولا يعلم البائع هذا الارتفاع في الثمن، فأتى الشاري إلى البائع يقول له: قد رددت عليك بضاعتك، لأنك بعتها وأنت تجهل حقيقة الأسعار، فقال البائع للشاري قد بعتك وأنا راض وبمطلق إرادتي واختياري، حتى كانت نتيجة الحكم الإيماني بينهما إن الفرق بين السعرين في تلك الصفقة الكبيرة، يوزع على الفقراء والمساكين ولا تدخل جيب أحد من المتبايعين.
أيها الأخوة:
هذه رشحات وقطرات من بحار الثقافة الدينية والتربية الإيمانية والإسلامية، التي تعبر أصدق تعبير وأوضحه، عن أن الدين والتدين في بعض ثمراته ما هو إلا أخلاق وفضائل وإنسانية ووطنية ورحمة وأخلاق اجتماعية، فكيف لو وجد التدين الصحيح في كل ميادين الحياة ما إن وجدت تعاليمه الحقة ورجاله العاملين في أي أمة فسيجعل رقيها إلى أعلى درجات المجد والعزة، والكرامة والقوة أمراً واجباً وقدراً مقضياً، والسلام.