النصر للمؤمنين في كل معركة
النصر للمؤمنين في كل معركة

وفي النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه من بعده ما عاهدوا الله عليه فنصرهم الله، وهم القلة الضعفاء على أعدائهم الكثر الأقوياء، ومكن لهم في مشارق الأرض ومغاربها، والتاريخ ينبئنا كيف نصر الله العرب والمسلمين على الصليبيين، لما نصر العرب دين الله وشريعته. فهل يعقل أن يوجد حصاد ولا بذار، أو يتحقق قطاف وجني للثمر من غير غراس للشجر؟

1961-01-18

أيها الأخوة:
يقول الله تعالى:
(وَيَوْمَئِذٍ يَفْرحُ المُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ الله، يَنْصُر مَنْ يَشَاءْ وهوَ العَزيزُ الرحيْمُ، وَعْدَ الله، لا يُخْلِفُ الله وَعْدَه، ولكنَّ أكثرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) ـ الروم: الآية 4 ـ 6 ـ.
أي والله، وعد الله المؤمنين من عباده، المتقين من خليقته، وعدهم وعداً صادقاً، لا إخلاف فيه ولا نكث، ولا عجز معه ولا ضعف، وعد الله المؤمنين الصادقين، والعاملين المتقين، وعدهم بالنصر والغلبة، وبالرفعة والكرامة، في كل معركة وميدان، وفي كل زمان ومكان، وعلى كل الأعداء، أي عدو كان.
وعد الله عباده المؤمنين، أن يكون لهم حليفاً ومعهم نصيراً، وأن يسخر لهم ملائكته أعواناً وجنوداً، وأن يجعل قوى الطبيعة بين أيديهم مذللة طائعة، وفئتان وأمتان، الله وملائكته وقدرته مع إحداهما، هل يمكن لمن كان الله لهم معيناً ونصيراً، أن تفشل أو تنهزم أو تهن أو تضعف؟ اللهم لا، وألف مرة لا.
إخوتي وأخواتي:
ولكن هل يعقل أن يوجد حصاد ولا بذار؟ أو يتحقق قطف وجني الثمرر من غير غرس للشجر؟ أو يكون هناك أولاد وذرية، بوجود أحد الزوجين مع فقد الآخر؟ قال الله تعالى:
(وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكم تَذَكَّرونَ) ـ الذاريات: الآية 49 ـ فلا بيع إلا بمتبايعين، ولا إيجار إلا بوجود شخصين.
كذلك اشترط الله، لإسداء معونته وإنزال نصره، وإشراك قوته مع الأمم والشعوب، مع الأشخاص والأفراد، اشترط الله لتحقيق نصره للعباد، نصرة العباد لدين الله وشريعته، تلك الشريعة وذلك النظام الإلهي، الذي يتفق والفطرة الإنسانية الكريمة، ذلك الدين، الذي يلتقي مع حقائق العلوم وواقعها، ذلك الدين الذي يعانق العقل، ويصافح الفكر، ويحالف المنطق والمصلحة العامة، فيلتقي معها في ميدان التعاون المشترك، ذلك الدين الإسلامي الذي شهدت له قرون أربعة عشر، أنه ما إن استمسكت أمة العرب والمسلمون بعروته الوثقى، وحبله المتين، إلا وكللت هامة العرب والمسلمين بتاج النصر المبين والعز والتمكين.
اشترط الله القوي القدير، جبار السموات والأرض، إنزال نصره وبذل معونته، لمن يعمل بكتابه، ويتبع سنة نبيه الكريم، تلك السنة والطريقة النبوية، التي عملت جاهدة ليلها ونهارها، لبث مكارم الأخلاق، والقضاء على رذائلها، والسعي الحثيث لنشر العلوم والمعارف، والقضاء على الأمية، لا أمية الكتابة والقراءة فحسب، بل والقضاء على أمية مكارم الأخلاق والتنكر لفضائلها، القضاء والتخلص من أمية الإيمان بالله ومعرفته، من أمية نسيان عدالته وقصاصه ولقائه.
اشترط الله لنصرة المؤمنين على من عاداهم، نصرتهم لدينه وعملهم بشريعته، في قوله تعالى:
(وَلَيَنْصُرَنَّ اللهُ مَنْ ينْصُرُه، إِنَّ الله لقويٌ عزيزٌ، الذِّينَ إنْ مَكنَّاهُم في الأرضِ أقاموا الصلاة وآتَوا الزكاةَ وأمروا بالمعروفِ وَنَهَوْا عَنْ المُنْكَرِ، ولله عاقِبَةُ الأُمورِ) ـ الحج: الآية 4 ـ 41 ـ.
فوفى النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه من بعده بما عاهدهم الله، فنصرهم الله وهم القلة الضعفاء على أعدائهم، الكثر الأقوياء، العظماء الأشداء، وذلل الله للمؤمنين الصادقين من بعدهم أيضاً، ومكن لهم في مشارق الأرض ومغاربها.
فها هو الصادق الأمين، والمخبر المكين، علم التاريخ ينبئنا عن الموجات الصليبية الهائلة، وعواصف الاستعمار العارمة، وما قتلت من أبرياء، وما دمرت وتبرت من مدن وبلاد.
يحدثنا التاريخ أنه عندما نصر المسلمون دين الله وشريعته، عندما نصرت الدولة القرآن وتعاليمه، لا بوضع المصاحف في جيوب الصدر، ولكن بوضع أحكامه موضع التطبيق، ووضع أوامره موضع التنفيذ، التاريخ ينبئنا، كيف نصر الله العرب والمسلمين على الصليبيين، لما نصر العرب دين الله وشريعته، فها هو نور الدين الشهيد، الملك الصالح، والقائد التقي، والشجاع المخلص الذي ألحقه المؤرخون بعمر بن عبد العزيز وبالخلفاء الراشدين، في ورعه ودينه وعدالته، حتى قال بعض الشعراء فيها:
جمع الشجاعة والخشوع لديه ما أجمل الشجعان في المحراب
هذا نور الدين، قاهر الصليبيين في كل معركة، والذي كسر موجات هجوم أوربا على صخرة إيمانه وإسلامه العملي، وأذاقهم في كل معاركه معهم ذل الهزيمة والعار، ولم تنهزم له راية معهم، كان من حرصه على الدين والتقوى، إنه كان يحضر مجالس العلماء في المسجد بنفسه، وكان لا يترك تهجده بالليل مهما كانت الأسباب، وقد بلغ من عناية الله به أنه كان في دمشق عندما حاصر الإفرنج مدينة دمياط، وكادوا يستولون عليها، وقد اشتد عليه الغم والهم بسبب ذلك، حتى أن بعض العلماء تلا عليه يوماً حديثاً مسلسلاً بالتبسم، وطلب منه أن يبتسم ليصل التسلسل، فامتنع من ذلك وقال: إني لأستحي من الله أن يراني مبتسماً، والمسلمون يحاصرهم الفرنج بثغر دمياط، فبينما نور الدين في كربه وغمه، إذا بشيخ يرى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، ويقول له: سلم على نور الدين وبشره، بأن الله قد هزم الفرنج عن دمياط، فقال الشيخ يا رسول الله، أريد علامة على صدق خبري له، فقال له: قل لنور الدين بعلامة ما سجد بمعركة تل حارم، وقال وهو باك متضرع في سجوده: {اللهم أنصر دينك، ومن هو محمود الكلب) ولما صلى نور الدين، قال ما أمرك به رسول الله، فقال الشيخ ذلك، فقال صدقت، وبكى نور الدين تصديقاً وفرحاً بذلك، ثم أتت الأخبار، فإذا الأمر كما أخبر في المنام.
وكان من حبه للعلماء والصالحين، أن مجلسه كان عامراً بهم، بحيث كان يقضي معهم غالب نهاره، فقيل له: إن هؤلاء شغلوك عن كثير من المصالح، فقال: {هؤلاء جمال الدنيا والآخرة، ولو أجلستهم على رأسي لم استكثرت ذلك عليهم).
وكان نور الدين يعظم الصوفية تعظيماً زائداً، فعوتب في ذلك فقال: بينما كنت في معيّة بعض الأمراء، إذ جاءني يوماً صوفي، فقال لي إلى متى وأنت تخدم من تأكله الكلاب غداً؟ أخدم من يقربك إلى الله ورضائه، فلم أفهم ما يقول، فاتفق أن ذلك الأمير سكر تلك الليلة، فخرج أثناء الليل وهو ثمل، وكانت له كلاب مفترسة تحرس قصره، فلم تعرفه فمزقته، فأصبح الأمير وقد أكلته الكلاب، قال نور الدين، فمن ذلك اليوم، صرت أحب الصوفية وأعظمهم.
كما كان نور الدين يحرص الحرص الشديد، على سماع حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقول: {إني لأعلم بأني لست أهلاً للرواية، ولكني أحب أن أربط في قطار حملة حديث النبي صلى الله عليه وسلم}.
أيها الأخوة:
فدولة هذا رئيسها، وجيش يقوده هذا المؤمن الصالح، التقي الخاشع، المسلم العامل بإسلامه، كيف لا ينصره الله على المستعمرين من أعدائه؟ وكيف لا يدخل الله معه حليفاً وظهيراً ونصيراً بكل قوته وقدرته؟ وكيف لا يفي الله بوعده معه، وقد وفى نور الدين عهده مع الله؟ وقد قال تعالى:
(وأَوْفُوا بِعهْدي أُوفِ بِعَهْدِكم، وإيَّايَ فارْهَبُونِ) ـ البقرة: الآية 34 ـ
كيف لا ينصر الله نور الدين، في معاركه كلها وهو الذي يقول في محكم قرآنه:
(وَلَيَنْصُرنَّ الله مَن ينْصُرُه، إنَّ الله لقويٌ عزيزٌ) ـ الحج: الآية 40 ـ
كيف لا ينصر الله من قال في حقهم:
(الذِّينَ إِنْ مَكَّنَّاهُم في الأرضِ أقامُوا الصلاةَ وآتَوا الزكاةَ، وأمَرُوا بالمعرُوفِ وَنهوْا عَنْ المُنكرِ) ـ الحج: الآية 41 ـ
يا قادة العرب ويا زعماء المسلمين، اقرأوا التاريخ، وادرسوه دراسة جيدة، فهو خير ناصح لكم ومعلم، اقرأوا التاريخ وادرسوا مناقب آبائكم الذين تعتزون اليوم بانتسابكم إليهم.
فالتاريخ يعرفكم بصدق وعد الله لعباده المؤمنين حيث يقول:
(وَعْدَ الله لا يُخْلِفُ الله وَعْدَهُ ولكنَّ أكثرَ الناسِ لا يعلمونَ) ـ الروم: الآية 61 ـ والسلام.