المولد
المولد

يا أبناء قومي... أناشد الله إنسانيتكم وضمائركم. ماذا كان تاريخ العرب وماهي حضارتهم ومنزلتهم لو لم ينزل القرآن على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ولو لم يكن هناك دين اسمه دين الإسلام؟ ومن سيكون رجالات العرب وعلماؤهم وساستهم لو لم يكن هناك إسلام وقرآن؟ بالله قولوا وبشجاعة أجيبوا.

1961-08-23

أيها الأخوة:
ماذا كان ينتظر أن يتحقق للعرب وماذا كان مستقبلهم، لو لم يولد سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، بل ولو ولد حتى صار شاباً فرجلاً، ولم ينـزل عليه وحي السماء ولم يشرف بحمل رسالة الإسلام والقرآن، فهل كنا نحتفل اليوم بعيد ميلاده وذكرى ظهوره؟
ثم ماذا كان تاريخ العرب وما هي حضارة العرب وما هي منـزلة العرب ومكانتهم بين الأمم لو لم ينـزل القرآن على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، ولو لم يكن هناك دين اسمه دين الإسلام؟ ثم من هي رجالات العرب ومن هم أبطال العروبة ومن هم علماؤها وساداتها ومن هم ساسة العروبة وقادتها، لو لم يكن هنالك إسلام وقرآن؟
أيها العرب: إننا لنفخر بأبي بكر وعمر، وعلي وعثمان، وبمعاوية وعبد الملك بن مروان، وبطارق وابن نصير، وبقتيبة والغافقي، وبالمأمون والرشيد.
أيها العرب: إننا لنعتز ونرفع الرأس عالياً، إذا ذكرت معركة اليرموك والقادسية وفتوحات أفريقيا وآسيا الإسلامية، بل وإن نفوسنا لتمتلئ فرحاً وسروراً حينما نرى إخواناً لنا في الإسلام، في مشارق الأرض ومغاربها، حينما نراهم يقدسون لغتنا بل ويتبركون بترابنا، ويشدون الرحال لزيارة أضرحة رجال الإسلام تاركين بلادهم وأنهارهم، وجنانهم وحدائقهم وحاجين إلى واد غير ذي زرع عند بيت الله المحرم، أي فخر وأي مجد أوجده ميلاد النبي للعرب والإسلام، حينما نرى هذه الأمم ونسمعها هاتفة صارخة، إلى الأرض المقدسة، إلى الأرض المقدسة.
فمن قدس أرضكم يا عرب سوى ميلاد نبي الإسلام والقرآن؟
يا قوم: من جعل أغلى أماني تلك الشعوب والأمم التي تحملها قلوبهم لو أن تربة العروبة تضم أبدانهم وأن تكون فيها أجدائهم، حيث ترفرف فوقها أرواحهم؟
إخوتي العرب:
أناشدكم الله لو كان محمد بن عبد الله رجلاً عادياً، ولم يكن هادياً ورسولاً ونبياً، فهل كانت تتم للعرب تلك الحضارة والمجد، وذلك الذكر والدولة كما سطرتها للعرب صحائف الدهر والتاريخ؟
يا قوم ويا أمتي العربية:
أناشد الله عقولكم وأفكاركم وعدلكم وإنصافكم وعروبتكم وإنسانيتكم، لو لم يكن هنالك إسلام وقرآن ودين وإيمان وحلال وحرام أكان يوجد في التاريخ أبو بكر الصديق وعمر الفاروق، اللذان قهرا بالإسلام كسرى وقيصر واللذان بمبادئ القرآن حررا العراق والشام ومصر وتونس؟ لو لم يكن هنالك إسلام وقرآن أكان ثمة عثمان؟ فاتح شمالي أفريقيا وجزر شرقي البحر الأبيض المتوسط.
يا أبناء قومي وعروبتي:
أناشد ا لله إنسانيتكم وضمائركم لولا الإسلام والقرآن هل كان يوجد هنالك من يذكر دولة الخلفاء الراشدين أو دولة الأمويين أو العباسيين؟
أيها العرب:
بالله قولوا وبشجاعة أجيبوا والشجاع لا يخشى ولا يخاف، لماذا نجد معظم الدول الإسلامية الأعجمية (باكستان، أندنوسيا، نيجيريا، أفغان، مالي وغيرها) تؤازر قضايا العرب وفلسطين، في كل الميادين وتقاطع كذلك إسرائيل ولا تعترف بها بل تعتبر هذه الدول الإسلامية قضايا العرب قضاياها وظفر العرب ظفرها من غير رجاء جلب مصلحة لها أو دفع مضرة عنها. فلو لم يكن هنالك إسلام وقرآن هل كان لنا هؤلاء الحلفاء المخلصون والأخوة الصادقون، ولئن ضعفت في بعض الدول الإسلامية هذه النصرة وهذا التحالف الأخوي الخالص فما ذلك إلا لوجود ساسة عملاء للاستعمار وأذناب له رباهم في تلك البلاد والشعوب. ولا يزال أمثالهم موجودين أيضاً في بعض بلادنا العربية يعرف ذلك منا الغبي والذكي والمتعلم والأمي.
أيها العرب:
فإذا كان الإسلام ووحي القرآن هو الذي حرر العرب ووحدهم وهو الذي قوض ركائز الاستعمار في بلادهم وإذا كان الإسلام والقرآن هو الذي خلق لهم الدولة العالمية العظمى، من حدود أوربا الغربية إلى حدود الشرق الأقصى، وإذا كان الإسلام والقرآن هو الذي أوجد قادة العرب وأبطالها، وهو الذي سطَّر لهم من المجد والعزة في صفحات تاريخهم بمداده الذهبي، ما تتلألأ به صفحاتهم سنى ونوراً، وإذا كان أبو بكر وعمر وخالد وأبو عبيدة وعبد الملك ومعاوية والرشيد والمأمون، إذا كان كل رجالات العرب وعظماؤهم في التاريخ، كلهم كانوا ينادون ويعلنون {نحن قوم أعزنا الله بالإسلام ومهما نرد العزة بغيره يذلنا الله} ـ عمر بن الخطاب ـ أفلا يجدر بنا ويجب علينا أن نحتفل أعظم احتفال بذكرى ميلاد النبي صلى الله عليه وسلم ونجدد العزم على إحياء شريعته والعمل بسنته؟ فإذا كان من نحتفل اليوم بذكرى ميلاده المقدس صلى الله عليه وسلم وما حمله إلينا ذلك الميلاد الكريم من شريعة خالدة ونتائج باهرة ومكاسب للعروبة والإنسانية ظاهرة وواضحة، يكاد لا يدركها العقل ولا يصدقها الفكر آنذاك، مما حمل أقطاب أوربا وكبار المسيحيين فيها، لأن يعترفوا بنبوة سيدنا محمد السماوية، وشريعته الإلهية، وإنها خير شريعة نعمت بها البشرية والإنسانية، وإنها تصلح لكل زمان ومكان، أفلا يجب علينا حينئذ أن نكون أول المؤمنين بشريعته وهديه والمستمسكين بتعاليمه ودينه.
يقول {القس الأفرنسي لوزون} {إن الله هو الله، وإن محمداً وعيسى وموسى هم أنبياء لك، تلك هي صيغة الأديان التي سيعرفها أبناء المستقبل إن كان أبناء اليوم لم يستعدوا لها}. وقال {بورت سميث}: {إني مصمم على الاعتقاد أنه سيأتي يوم يتفق عليه القوم وزعماء النصرانية الحقة على أن محمداً نبي الله ورسوله}. وقال الفيلسوف الانكليزي ـ برنادشو ـ : {لقد أدرك مفكرون مخلصون أمثال كارليل، وجون، وجيبون} القيمة الذاتية لدين محمد وأن أوربا في القرن الراهن، بدأت تعشق عقيدة محمد ودينه، وفي الوقت الحاضر كثيرون من الأوربيين قد دخلوا في دين محمد، حتى ليمكن أن يقال إن تحول أوربا إلى الإسلام قد بدأ.
أيها العرب والمسلمون:
إن الاحتفال الحقيقي بعيد ميلاد النبي العربي محمد صلى الله عليه وسلم، ليس بمآذن نشعلها بالكهرباء، ولا بأعلام نرفعها على رؤوس البناء ولا موسيقى نعزفها على أمواج الأثير والهواء فحسب بل إن تمام الاحتفال وحقيقته أن نعمل قادة وشعباً، وشباباً وشيباً، أن نعمل جميعاً على إحياء شريعة صاحبة ذكرى الميلاد، على إحياء دينه، على دراسة منهاجه وآدابه وسيرته، وعلى إتباع طريقته في السياسة والاجتماع، في التعليم والاقتصاد، في العدالة والرحمة والإنسانية.
أيها الأخوة:
إن حقيقة الاحتفال بمولد النبي العربي محمد صلى الله عليه وسلم، أن نعمل آباء وأمهات، أساتذة ومعلمين، صحافيين وعلماء، رؤساء ومرؤوسين، أن نعمل جميعاً على تطهير مجتمعنا من رواسب سموم بثها الاستعمار في العقول والنفوس، فأفسد في بعضنا الأخلاق والأعمال، وأوهن الروابط الاجتماعية بين الكثير من الناس.
علينا أن نعمل جميعاً على تهيئة جيل مؤمن بالله، متزين بالأخلاق العربية المحمدية متحل بروح التضحية والإيثار ونكران الذات، حينئذ يكون الاحتفال بالذكرى قد نفعنا كما يقول تعالى:
(وَذَكِّرْ فَإنَّ الذِكْرى تَنْفَعُ المُؤمنينَ) ـ الذاريات: الآية 55 ـ والسلام.