الصيد والحلفاء الشرفاء
الصيد والحلفاء الشرفاء

إن نهاية ما وصل إليه عقل الإنسان وعلمه هو بداية الإسلام وجوهره مما يوجب على كل مفكر الإيمان بعظمة الإسلام ونبيه وأن تحريم صيد الطيور والحيوانات غير الضارة له قدسية وحرمة.

1961-01-18

يخرج أحدنا إلى الريف والقرى، أيام فراغه وراحته، برفقة أولاده وعائلته. ليستجم ويستريح. ويستنشق الهواء الطلق ويتمتع بمناظر الطبيعة الخلابة. وشعاع الشمس الدافئة المفيدة. فيجد الطيور الجميلة بمناظرها البديعة، منها الأحمر والأخضر والأبيض والأصفر. على أفانين الشجر. وعلى بساط السندس والربيع الأخضر نجد هذه الطيور، تغرد بأصواتها الجميلة فتهدئ أعصابنا المتعبة. بما تبعث من نغماتها الموسيقية البديعة. ونجد طيوراً أخرى وراء المحراث تنقي الأرض من الدودة الضارة بالزرع، وأخرى تخطف (الحالوش) الذي يقضم جذور الزرع بأنيابه الحادة فيتلفها ويهلكها. وطيوراً أخرى هي بالمرصاد لفأر الحقل الذي يبيد أقواتنا وغذائنا بالإضافة إلى طيور حليفة لنا، مجهزة بأسلحة حادة، ومخالب صلبة قوية، تحلق في أجواء الفضاء. تفتش عن الحيات والزواحف. الحاملة للموت الزؤام لنبي الإنسان. فتنقض عليها انقضاض الصاعقة لتمزقها شر ممزق.

وإذا أضفنا إلى ما سبق، مشهد الطيور الغاديات الرائحات في الجو لتلتقط البعوض والذباب والزلاقط والجراد. وتلك القنفذة الجريئة في صراعها مع الأفاعي القاتلات المهلكات. مع مشهد قطيع الغزلان بأعناقها الجميلة. وعيونها الكحيلة ووداعتها البريئة. تتبعها أولادها الصغيرة وخشافها الظريفة.

إذا جمعنا مناظر هذه الطيور الجملية. ومشاهد قطعان الغزلان اللطيفة. وغيرها من الحيوانات النافعة، ومعاركها وجهادها في تحصيل رزقها، والقضاء على عدونا وعدوها، ندرك عند ذلك عظيم فضل الطير وحيوانات البراري، على الإنسان ونقدر مصلحتنا القومية الزراعية والصحية في حمايتها ورعايتها. وندرك بالتالي قدسية القرارات وحرمتها. التي أصدرتها وزارة الداخلية. بتحريم صيد الطيور وصيد الحيوانات غير الضارة. ويتكون من نفس المواطن المفكر. والمؤمن الصالح، عظيم جناية من يخالف قانون الدولة. وينتهك قراراتها. بعبثه ولهوه، حين يقتل (الحلفاء الشرفاء. والشركاء الأمناء).

أيها الإخوة:

عندما كنت في أوربا. كنت أشهد الشحارير والطيور، طليقة في الحدائق العامة، وفي المطارات. على مسافة متر من الإنسان بل وكثيراً ما تتناول الخبز في يده. وهي آمنة مطمئنة. من عبث الإنسان وغدره وكانت الوعول تخرج من الأحراش إلى الطرقات العامة، غير خائفة ولا هيابة من همجية الجاهل ومكره، عرفت تلك الطيور والحيوانات، أنها بين أمة راقية ومهذبة واعية تقدر إخلاص الحلفاء. وجهد الشركاء الأوفياء. تقدر مصلحتها وتحترم قوانين دولتها.

أيها الإخوة:

نضج عقل الإنسان وفكره، ودرس علوم الطبيعة والحيوان والنبات في قرن العشرين، وقدمت لنا دراسات العلماء ما تقر به العيون وتطمئن له القلوب. مما يجلب السعادة والخير لبني البشر. ويجنبهم كل أذى وضرر وصفقنا تصفيقاً حاداً وطويلاً للعلم والعلماء، والدارسين الساهرين الحكماء.

أيها الإخوة:

هذا في ميدان الدراسات والعلوم في قرن العشرين. فهل يوجد في الإسلام ما يشابه ذلك ويفاضله من العناية بالطيور النافعة، والحفاظ على الحيوانات البرية غير المؤذية؟

قد يقول قائل، أي علاقة للدين في صيد الطيور، والحيوانات سيما وقد شرع الإسلام من قبل أربعة عشر قرناً. وقد كانت الأمية والجهل منتشرين بين العرب، حيث القرآن يقول:{هُوَ الذي بعثَ في الأُميينَ رَسُولاً منهم}[الجمعة الآية: 2].

هذا القائل، يقول إنما الدين صلاة وصيام، وحج ونسك، وزهد في الدنيا وابتعاد عن ميادين الحياة، فأقول: لا يا أخي، لا تعجل بالحكم والقضاء على الدين والإسلام، لا تحكم بغير علم. فتكون ظالماً لنفسك، وجائراً على الإسلام بغير فهم. الدين الإسلامي برنامج إلهي، لبني الإنسان يكفل لهم رفاههم في الدنيا ما دامت الدنيا، ويضمن لهم السعادة والهناء أيضاً بعد مفارقة الدنيا، ولا تعجل يا أخي، في حكمك الجائر على الإسلام من أنه دين لا يصلح لهذا الزمان، فيحكم عليك بالجهل وعدم العلم، ها هم الأوربيون، من ألمان ونمساويين وإنكليز وسويسريين. من كبار العلماء، والفلاسفة والأدباء يدخلون في عصر الكهرباء والذرة، يدخلون في الإسلام بالمئات والألوف يعتنقون الإسلام، بعد الدراسة العميقة. والفحص الدقيق، وهم به فرحون مغتبطون، عرفوا به ديناً لم يترك صغيرة ولا كبيرة، مما يهم الإنسان في الحياة إلا أحصاها. وسن قوانينها وشرع أحكامها، فهاك يا أخي، أحكام الإسلام وتشريعه، في مسألة الصيد التي نحن بصددها، ها هي أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم الكثيرة المتوافرة، تنادي وتعلن بتحريم صيد الطيور والحيوانات النافعة في حدود الدولة المحمدية العربية. في مكة، في المدينة في وادي (وج) في الطائف. وتحت طائلة العقوبات المالية، لكل من يعصي الأوامر ويخالف. روى مسلم في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أن إبراهيم حرم مكة، وإني حرمت المدينة ما بين لابتيها وجبلها، لا يقطع شجرها ولا يصاد صيدها». وروى البيهقي أيضاً أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ألا إن صيد وادي وج في ا لطائف وقطع أشجاره حرام محرم» وها هو أعرابي بدوي هذبه الإسلام ورباه، يقتل غزالاً وهو في الإحرام حيث لا شرطة تشاهده، ولا رجال أمن تطارده، يأتي ابن البادية هذا إلى أبي بكر. ليعترف بجنايته فيسأل الصديق قائلاً: ما ترى علي من الجزاء والعقوبة؟ فيفتيه الصديق، عن كفارة ذنبه فيدفعها راضياً غير غاضب. وكتب الأحاديث النبوية ملئا بمثل هذه الواقعات وأحكامها.

بل بالغ الإسلام في العناية بالطيور وفاق قوانيننا في الحفاظ عليها وعلى الحيوانات البرية النافعة. إلى درجة أن الإسلام حرم تنفير الطير وطرده، وحرم إتلاف بيضه أو ترويع فراخه وأولاده ويعلم كل حاج زار مكة أو المدينة كيف يعشش الحمام في غرف البيوت وعلى رفوفها وكتاتيبيها، ورأى كيف يبيض ويفرخ بين الأقلام والأوراق والأمتعة وهو آمن مطمئن لا خوف عليه ولا فزع. يمشي الحمام فوق فخذ الإنسان ويتناول طعامه من يده.

لقد استعان الإسلام على حفظ الطيور وسلامة الحيوانات البرية النافعة بقدسية الحكم السماوي، وعقوبة الجزاء النقدي، وبما ربى وغرس في نفوس المسلمين من الرحمة والرفق بالحيوان. فإذا بالمجتمع الإسلامي، أمن وسلام، وطمأنينة ووئام وهدوء ورخاء للإنسان. ولكل نافع من طير وحيوان، قال ابن مسعود كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فانطلقنا لحاجتنا فرأى رجل حمرة معها فرخان، فأخذ فرخيها، وصارت الأم تطير. تعلو وتخفض. وهي تزقزق وتعرس فجيعة على فرخيها، وحزناً على طفليها. فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم ذلك قال: «من فجع هذه الطائرة في ولديها ردوا ولديها إليها».

وقال أيضاً: «إن العبد ليقف بين يدي الله فيطيل الله وقوفه، حتى يصيبه من ذلك كرب شديد، فيقول: (يا رب ارحمني اليوم فيقول وهل رحمت شيئاً من خلقي من أجلي حتى أرحمك، هات ولو عصفوراً)» رواه ابن عساكر عن ابن عمر.




أيها الإخوة ويقول الله تعالى:

{أُحل لَكُمْ صيد البحر وطَعامُه مَتاعاً لكم وللسيارةِ وحُرّمَ عَليكُمْ صَيد البرِّ ما دُمتُم حُرُما}[المائدة الآية: 99].

(وبعد) يتبين مما سبق كيف اعتنى الإسلام بحرمة الطير والحيوانات البرية النافعة. وفي وقت أباح قتل كل مؤذ منها وضار. مما يتناسب وما وصل إليه الإنسان في العصر الحديث من علم وثقافة يتبين أن نهاية ما وصل إليه عقل الإنسان وعلمه هو بداية الإسلام وجوهره مما يوجب على كل مفكر عاقل الإيمان بعظمة الإسلام وبنبي الإسلام سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.