الشكر
الشكر

نعم الله عليك كثيرة ووفيرة.. إلا أن النعم التي لا تشكر هي الحتف القاضي والنعمة موصولة بالشكر والشكر متعلق بالزيادة وهما مقرونان في قرن ولن ينقطع المزيد من الله حتى ينقطع الشكر من العبد.

1961-07-01

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته (أيها الأخوة الأكارم)
(شكراً): كلمة نسمعها في مناسبات كثيرة وأوقات عديدة.
(شكراً) كلمة حسنة يرويها الإنسان على كلمة طيبة قيلت بحقه أو على عمل حسن قدم إليه. فما هو الشكر في حقيقته ومعناه، وفي كنهه ومغزاه..؟
إن من أنعم الله عليه بنعمة المال فأهلكه في بناء المساجد والمدارس والمشافي وتجهيز الجيوش الوطنية، فقد شكر نعمة المال، أما من حبس ماله في صناديق الحديد, وحرم منه غيره أن يستفيد، أو أنفقه في سبل الرذائل والفواحش والمنكرات فقد كفر بنعمة المال التي أوتيها.
ومن آتاه الله نعمة المال والصحة فساعد بها الضعيف وعاون المريض وصد بهما عن بلاده عاديات المعتدين فهو شاب شاكر، وأما من أحرق صحته وشبابه في المعاصي واعتصرهما في طريق الفسق والفجور فهو رجل بنعمة الصحة والشباب كافر.
ومن أنعم الله عليه بفراغ من الوقت فملأه بالعلم والثقافة وأترعه بالطاعة والعبادة، وحفله بزيارة الأرحام والإصلاح بين الناس فقد شكر نعمة الفراغ وأما من قتل وقته دونما فائدة، فأضاع فراغه في غيرما منفعة في دنيا أو آخره فقد ضيع نعمة الفراغ وكان بها من الجاحدين، وخلاصة القول فالشكر هو أن يصرف العبد ما أنعم الله به عليه فيما خلق من أجله.
أيها الأخ الكريم: نعم الله عليك كثيرة وآلاؤه إليك عظيمة وفيرة:
(وَإنْ تَعُدّوا نِعْمَةَ اللهِ لا تُحْصُوها) ـ إبراهيم: الآية 34 ـ
وقال أيضاً: (قُلْ هُوَ الذي أنشَأكُمْ وَجَعَلَ لَكُمْ السَّمعَ وَالأبصارَ والأفْئِدَةَ، قَليلاً ما تَشْكُرون) ـ الملك: 23 ـ.
فإن كنت يا أخي الكريم تصرف هذه النعم وتلك الآلاء فيما يرضي ربك ويقر عين نبيك عليه الصلاة والسلام فأبشر بالزيادة في الدينا، وفي الآخرة روح وريحان وجنة ونعيم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {النعمة موصولة بالشكر، والشكر متعلق بالمزيد وهما مقرونان في قرن ولن ينقطع المزيد من الله حتى ينقطع الشكر من العبد} ـ رواه البيهقي عن علي ـ.
وإن كنت تكفر بنعم الله وتجحد، ولا تتقرب بها إلى ربك فاسمع نذير رسول الله صلى الله عليه وسلم حين يقول: {ألا إن النعم التي لا تشكر هي الحتف القاضي ـ الهلاك المحتم} ـ رواه ابن عساكر ـ وأنصت إلى إنذار الخالق العظيم القائل:
(وَضَرَبَ اللهُ مَثلاً قَرْيَةً كانتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يأتِيْها رِزْقُها رَغداً مِنْ كلِّ مكان، فَكَفَرَتْ بأنعُمِ الله، فأذاقَها اللهُ لباسَ الجوعِ والخوْفِ بما كانوا يصْنَعُونَ) ـ النحل: الآية 112 ـ.
وهاهو النبي صلى الله عليه وسلم: يروي لنا قصة ثلاثة رجال من الأمم التي كانت قبلنا، أنعم الله عليهم بنعم جزيلة فشكر واحد منهم فكان من الناجين، وكفر الاثنان الباقيان فكانا من الهالكين، يقول عليه الصلاة والسلام: {إن ثلاثة نفر في بني إسرائيل أبرص وأقرع وأعمى بدا لله أن يبتليهم فبعث إليهم ملكاً فأتى الأبرص فقال: أي شيء أحب إليك؟ قال لون حسن وجلد حسن، فمسحه فذهب عنه، وأعطي لوناً حسناً وجلداً حسناً فقال أي المال أحب إليك؟ قال الإبل، فأعطي ناقة عشراء، فقال يبارك لك فيها، وأتى الأقرع قال: أي شيء أحب إليك فقال شعر حسن! ويذهب عني هذا قد قذرني الناس فمسحه فذهب عنه، وأعطي شعراً حسناً فقال أي المال أحب إليك؟ قال البقر فأعطاه بقرة حاملاً وقال يبارك لك فيها، وأتى الأعمى فقال أي شيء أحب إليك قال أن يرد الله إلي بصري فأبصر به الناس، فمسحه فرد الله إليه بصرة، قال أي المال أحب إليك؟ قال الغنم فأعطاه شاة والداً فانتج هذا وولد هذا فكان لهذا واد من الإبل ولهذا واد من بقر ولهذا واد من غنم.
ثم أتى الملك بعد ذلك الأبرص في صورته وهيئته فقال: رجل مسكين تقطعت بي الحبال في سفري فلا بلاغ اليوم إلا بالله ثم أسألك بالذي أعطاك اللون الحسن والجلد الحسن والمال، بعيراً أتبلغ عليه في سفري، فقال له إن الحقوق كثيرة، فقال له كأني أعرفك ألم تكن أبرص يقذرك الناس فأعطاك الله؟ فقال ورثت المال كابراً عن كابر، فقال إن كنت كاذباً فصيَّرك الله إلى ما كنت، وأتى الأقرع في صورته وهيئته، فقال له مثل ما قال لهذا، ورد عليه مثل ما رد على هذا وقال إن كنت كاذباً فصيَّرك الله إلى ما كنت، وأتى الأعمى في صورته فقال رجل مسكين وابن سبيل، تقطعت بي الحبال في سفري، فلا بلاغ اليوم إلا بالله، ثم أسألك بالذي رد عليك بصرك، شاة، أتبلغ بها في سفري فقال: قد كنت أعمى فرد الله بصري وفقيراً فأغناني، فخذ ما شئت لا أجهدك اليوم بشيء أخذته لله، فقال الملك أمسك مالك، فإنما ابتليتم فقد رضي الله عنك وسخط على صاحبيك} ـ البخاري ومسلم عن أبي هريرة ـ.
أيها الأخوة والأخوات:
قد يقول الفقير أو المريض أو المصاب علام أشكر الله وقد أفقرني أو أمرضني أو أصابني؟ ألا إن نعم الله كثيرة، ظاهرة وباطنة قريبة وبعيدة فإن كان الله قد حبس عنك نعمة من نعمة لحكمة أرادها أو لتقصير حاصل منك فقد أسبغ عليك منه نعماً كثيرة، تأمل وجودك وخلقك، وسمعك وبصرك، ولمسك وذوقك، ومشيتك وقوتك، تأمل في هذا وغيره تجد الله منعماً متفضلاً، وتجد نفسك غافلاً مقصراً، {مر عمر بن الخطاب رضي الله عنه برجل مبتلى أجذم أعمى أصم أبكم، فقال لمن معه: هل ترون في هذا من نعم الله شيئاً؟ قالوا لا، قال بلى ألا ترونه يتبول فلا يعتصر ولا يلتوي، يخرج بوله منه سهلاً، فهذه نعمة من نعم الله} فأنعم بالفاروق من فقيه وأنعم به من مؤمن شكور.
أيها الأخوة الأكارم:
وكذلك لا يصبح الإنسان شاكراً لله حق الشكر إلا حين يشكر إخوانه الذين أقالوا عثرته أو سدوا جوعته أو غذوا عقله بالعلم والعرفان أو زكوا نفسه بالرشاد والإيمان، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {يا عائشة أخبرني جبريل، قال إذا حشر الله الخلائق يوم القيامة، قال لعبد من عباده، اصطنع إليه عبد من عباده معروفاً هل شكرته؟ فيقول أي رب علمت إن ذلك منك فشكرتك فيقول: {لم تشكرني إذ لم تشكر من أجريت ذلك على يديه} ـ البيهقي وابن عساكر عن عائشة ـ ويقول أيضاً: {من شكر النعمة إفشاؤها} ـ عبد الرزاق عن قتادة مرسلا ـ والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.